لبنان من إدارة التوازنات إلى إدارة الترقّب... من يحسم قرار السيادة؟
يدخل لبنان الأسابيع الأخيرة من هذا الخريف وسط ترقّب لما ستسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية، وما يمكن أن يطرأ على الحسابات الإيرانية والأمريكية في المنطقة. غير أن هذا الانتظار الخارجي يترافق مع تعثّر داخلي في بلورة مسار رسمي واضح لاستعادة الدولة احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم، وإثبات قدرتها، في الوقت نفسه، على استرجاع الأراضي المحتلة وحماية سكان الجنوب. فالمسألة لم تعد تتعلق بمستقبل سلاح حزب الله وحده، بل بالشروط السياسية التي تجعل انتقال القرار العسكري إلى الدولة مقترناً بتعزيز سيادتها الفعلية.
ليس مضموناً أن تحمل الانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر تغييراً جوهرياً في المقاربة الأمنية تجاه لبنان. فالتوافق على المطالبة بترتيبات حدودية صارمة يتجاوز الانقسامات بين الأحزاب الإسرائيلية. أما إيران، فتواجه إعادة ترتيب أوسع لموقعها الإقليمي، في ضوء ما أصاب شبكة تحالفاتها وقدراتها، وما تفرضه علاقتها المتوترة بالولايات المتحدة من حسابات جديدة. وليس للبنان تأثير يُذكر في هذه المسارات، لكن تعليق خياراته الداخلية على نتائجها قد يحوّل التريّث إلى سياسة دائمة لتأجيل الاستحقاقات.
في هذا الوقت، يعاني حزب الله كساداً متزايداً في سرديته السياسية والعسكرية. فالعلاقة التي أقامها طويلاً بين استمرار سلاحه وحماية لبنان وردع إسرائيل تواجه صعوبة في تفسير نتائج الحروب الأخيرة. لا يعني ذلك انحسار قاعدته الاجتماعية بشكل واضح. لكنه بات مطالباً بتفسير الفجوة بين الوعود التي يستمدّ منها مشروعية سلاحه والنتائج التي ترتبت على استخدامه. لم تعد الإحالة إلى تاريخ المقاومة كافية للإجابة عن أسئلة الحماية والردع وكلفة الحرب ومن يملك حق تقرير خوضها. “الافتقاد” لزمن حسن نصر الله هو في وقت واضح مصدر طاقة للحزب ومصدر مباينة بين ما كان عليه الحزب من وحدة حال بين زعيم وحزب وجمهور وبين علاقات أكثر تصدعا بين هذه المستويات.
بيد أن تراجع سردية الحزب لا يعني أن خصومه باتوا يمتلكون تصوراً مكتملاً للخروج من المأزق. فاحتكار الدولة للقوة، بالمعنى السياسي، لا يقتصر على جمع السلاح، بل يفترض قيام سلطة قادرة على حماية الأرض والسكان. وهنا تكمن المعضلة اللبنانية: استمرار الاحتلال الإسرائيلي يُستخدم لتبرير بقاء السلاح خارج الدولة، فيما يُستخدم استمرار هذا السلاح لتفسير تعذّر بسط الدولة سلطتها. وليس ثمة ما يضمن أن يؤدي احتكار السلاح، بمفرده، إلى إنهاء الاحتلال، مثلما لم يعد مقنعاً افتراض أن بقاء السلاح خارج المؤسسات كافٍ لردع إسرائيل.
من هنا تبدو مقاربة رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام غير واضح حتى الآن كيفية ترجمتها برنامجيا وتطبيقيا. فقد أُعلن الالتزام بحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، لكن الصلة بين التنفيذ الداخلي وانتزاع الانسحاب الإسرائيلي لا تزال غامضة. فكيف يمكن ضمان ألّا يتحوّل التقدّم اللبناني في هذا المجال إلى مناسبة لفرض مطالب إسرائيلية إضافية؟ وبأي وسائل تستطيع الدولة استعادة الأرض، لا مجرد المطالبة باستعادتها؟ ليست هذه أسئلة تبرّر إرجاء تطبيق القانون، بل تتصل بضرورة ألّا ينفصل تطبيقه عن سياسة متكاملة لحماية السيادة.
لقد أعادت قضية شاحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر إظهار هشاشة التوافق الحكومي. فإرجاء البتّ في إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وانسحاب وزراء القوات اللبنانية احتجاجاً، عكسا اختلافاً يتجاوز الإجراءات القضائية. ثمة من رأى في الإرجاء تراجعاً أمام حزب الله، وثمة من اعتبره محاولة لتجنّب مواجهة داخلية قد تعرقل التقدّم التدريجي نحو حصرية السلاح. وبين الموقفين يطرح السؤال عن الحدّ الذي تتحوّل عنده التسويات، الضرورية أحياناً لاستمرار الحكم، إلى وسيلة لتعليق القرارات التي يفترض أن يستند إليها هذا الحكم.
ويتصل بذلك اختلاف القراءات للتقارب بين عون وسلام ونبيه بري. ففريق يخشى أن يصبح الحفاظ على التفاهم مع رئيس المجلس مقدّماً على تنفيذ أجندة حصرية السلاح، وفريق آخر يراهن على مؤشرات التباعد بين بري وحزب الله بوصفها فرصة لإحداث تحوّل تدريجي في المواقف داخل البيئة الشيعية.
وقد عزّز تصريح بري بأن علاقته بالحزب كانت أوثق في عهد حسن نصرالله هذه القراءة، من دون أن يثبت حصول افتراق بين الحليفين. فالتمييز ضروري بين التمايز السياسي والقطيعة الاستراتيجية. وقد تكون لدى حركة أمل حسابات تتصل بموقعها في المؤسسات وبالأكلاف الاجتماعية والاقتصادية للمواجهة تختلف عن حسابات حزب الله. لكن بري، الذي يؤكد دعمه للجيش، لا يزال معنياً بالحفاظ على التحالف، وبمنع تحوّل الخلافات إلى صدام داخلي. ويظلّ السؤال عما إذا كان هذا التمايز قادراً على تغيير قواعد العلاقة بين الدولة والسلاح، أم سيبقى محصوراً في إدارة التوتر بينهما.
وتزداد حراجة الوضع مع اقتراب انتهاء العمليات الاعتيادية لقوات اليونيفيل في كانون الأول، تمهيداً لانسحابها التدريجي. فانتشار الجيش اللبناني في الجنوب لا ينفصل عن قدرته على تأمين الاستقرار وعودة السكان وإعادة الإعمار. والسيادة لا تُقاس بحضور الدولة العسكري وحده، بل بقدرتها على إعادة الحياة إلى المناطق التي تتولّى حمايتها.
لعلّ عمق المشكلة يكمن في استمرار الفصل بين الدولة باعتبارها نظاماً لإدارة التوازنات، والدولة باعتبارها سلطة سيادية تملك القرار وتتحمّل نتائجه. فالأولى يمكن أن تستمرّ بالتسويات، أما الثانية فتحتاج أيضاً إلى قواعد لا يُعاد التفاوض عليها عند كل أزمة. وليس المطلوب إلغاء التسويات، بل تحديد ما يمكن أن يكون موضوعاً لها، وما ينبغي أن يخرج من نطاق المساومة. بعد كل شيء، لا استعادة الأرض تصلح ذريعة دائمة لتأجيل احتكار الدولة للسلاح، ولا هذا الاحتكار يمكن اعتباره بديلاً من استعادة الأرض. وبين الأمرين يتحدّد امتحان السلطة الحالية: أن تنتقل من إدارة التوازن بين القوى القائمة إلى بناء قدرة الدولة على الفعل، من دون انتظار أن يحسم الآخرون، في الخارج، شروط سيادتها.
ما يطبع هذا الخريف اللبناني ليس الانتقال من إدارة التوازنات إلى بناء سلطة سيادية، بل الانتقال من إدارة التوازنات إلى إدارة الترقّب. فقد كان نظام التسويات اللبناني، على عِلّاته، يفترض قدرة الأطراف على التفاوض وتبادل الضغوط والتنازلات، ولو ضمن هوامش ضيّقة. أما اليوم، فيبدو أن قدرة الداخل على المبادرة تتضاءل بقدر ما تتعاظم رهاناته على ما سيقرّره الآخرون. هكذا يتحوّل الانتظار من مهلة لالتقاط الأنفاس إلى طريقة في الحكم، وتغدو التسوية أقلّ اتصالاً بتحديد الممكن وأكثر اتصالاً بإرجاء البتّ فيه.
وسام سعادة - القدس العربي
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|