الصحافة

فائض الاستعلاء..حين يطالب الحزب الدولة بإعادة المتفجرات

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تعد المشكلة في أن حزب الله يرفض تسليم سلاحه فحسب. المشكلة في أنه يخاطب الدولة كأنها تجاوزت حدودها حين ضبطت متفجراته. هنا ننتقل من خلاف على السلاح إلى ادّعاء امتلاك سلطة تحدّد للدولة ما يحق لها فعله، ومتى يجب عليها التراجع.

حين أعلن النائب حسن فضل الله أن الشحنة المضبوطة في ضهر البيدر تعود إلى الحزب وطالب باستعادتها، قدّم نموذجاً مكثفاً لهذا الاستعلاء: الإعلان عن الملكية يفترض أن يُنهي الإشكال. عرفتم أنها لنا، فأعيدوها. كأن المشكلة كانت في سوء التعرّف إلى أصحاب الحمولة، وكأن الحاجز كان يحتاج إلى تعريف حزبي ليستكمل واجب التحيّة. وقد أعلن فضل الله أن المواد مخصّصة لمواجهة الاحتلال، فيما يبقى تحديد وجهتها الفعلية والمسؤوليات عنها من اختصاص التحقيق.

هذا هو الفائض الذي يستحق النقاش: قدرة على مطالبة الدولة بأن تتراجع، واستعداد للتعامل مع امتياز الحزب باعتباره أمراً بديهياً لا يحتاج إلى تبرير.

فما الذي يجعل حزباً يتوقع من الأجهزة الأمنية والقضاء إعادة ما ضبطته لمجرّد أنه أعلن ملكيته؟ ولماذا يفترض أن اعترافه يُلزم الدولة، فيما قرارات الدولة تبقى خاضعة لموافقته؟

من فائض القوة إلى فائض القدرة على الضغط
في تقديري، الجواب في علاقة راكم فيها الحزب حق الاعتراض، وراكمت السلطة عادة المسايرة. كلما تحوّل تطبيق القانون إلى تسوية، ارتفع سقف المطالبة التالية. وكلما استُبدل تنفيذ القرار بمفاوضة مَن يرفضه، ترسّخ الاعتقاد بأن القرار الحقيقي عنده.

هكذا يتحوّل النفوذ إلى استعلاء: حين يعتاد صاحبه أن الآخرين سيبحثون له عن مخرج، يبدأ بالتصرّف كأن إخراجه من المأزق أحد واجباتهم.

ولهذا لا أرى أن عبارة «فائض القوة» تكفي لوصف الحال. الأدق هو فائض القدرة على الضغط في الداخل. فحماية الناس من اعتداء خارجي، وإرباك حكومة أو إحراج جهاز أمني، قدرتان مختلفتان. قد تتراجع الأولى وتستمر الثانية. وقد يخسر تنظيم جانباً من قدرته العسكرية، لكنه يحتفظ بقدرة على جعل تطبيق القانون يبدو مغامرة لا تحتملها البلاد.

وهنا تكمن الخديعة السياسية: تُقدَّم القدرة على تعطيل الدولة باعتبارها دليلاً على استمرار القوة، فيما يدفع المواطن ثمن الاثنين معاً؛ ضعف الحماية، وضعف الدولة.

القوة التي يُفترض أن تُقاس بأمن الناس تصبح مقاسة بمقدار ما تستطيع انتزاعه من تنازلات في الداخل. هل تراجعت الحكومة؟ هل تريّث القضاء؟ هل انتظر الجهاز الأمني إشارة سياسية؟ عندها يستطيع الحزب إعلان انتصار جديد، ولو كان موضوع الانتصار تضييق المساحة المتاحة للدولة كي تعمل.

سردية المقاومة بمواجهة الدولة
أما الاستعلاء، فيبدأ من افتراض أن على الجميع فهم ظروف الحزب، فيما لا يلزمه فهم حقوقهم. على الدولة أن تتفهم حاجته إلى السلاح، وعلى المواطنين أن يتفهموا قراره، وعلى أهل المناطق المتضررة أن يتفهموا الكلفة. وحين تطلب الدولة منه الالتزام بقراراتها، تصبح فجأة مطالبة بإثبات وطنيتها واستقلالها.

بهذا المعنى، تؤدي سردية «المقاومة» وظيفة تتجاوز الدفاع عن خيار عسكري. إنها تمنح الحزب، في خطابه، حق تقييم وطنية مَن يراقبه ومشروعية مَن يحاسبه. هو يحدّد معنى المقاومة، ثم يحدّد الموقف المقبول منها، ثم يعترض على صلاحية الدولة إذا لم تتبنَّ تعريفه.

وجود الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية حقيقة تستوجب عملاً وطنياً جدياً للحماية والتحرير. لكن هذه الحقيقة لا تجيب عن السؤال الذي يتهرّب منه الحزب: مَن فوّضه احتكار القرار؟ وبأي حق يتحوّل تقديره العسكري إلى التزام على اللبنانيين، ويتحوّل تقدير الدولة إلى اقتراح ينتظر موافقته؟

رفض تسليم السلاح: الخوف من خسارة الاستثناء
من هنا نفهم رفض تسليم السلاح. ففي قراءتي، يخشى الحزب خسارة الموقع الذي يسمح له بفرض الاستثناء بقدر خشيته خسارة الوسيلة العسكرية. السلاح يحفظ له هامشاً يتجاوز ما تمنحه الانتخابات لأي حزب، ويتيح له الدخول إلى المؤسسات مع الاحتفاظ بأداة ضغط مستقلة عنها.

تسليمه يعني قبول المساواة: قرار حكومي يُطبَّق عليه، وقضاء يستطيع مساءلته، وجيش لا يحتاج إلى التفاوض معه على حدود صلاحياته. وهذا انتقال ثقيل على تنظيم اعتاد مخاطبة الدولة من موقع مَن يمنحها الإذن.

لذلك تبدو المطالبة باسترداد المتفجرات بالغة الدلالة. فهي تختبر إن كانت السلطة ستتعامل مع إعلان الملكية كمعلومة تستوجب التحقيق، أم كتعليمة تستوجب التنفيذ.

والجواب المطلوب يجب أن يظهر في الأفعال: المضبوطات تبقى تحت سلطة القضاء، والتحقيق يتتبع مصدرها ووجهتها وسلسلة المسؤولية عنها، والنتائج تُنفَّذ وفق القانون. لا يقرّر الحزب مصير التحقيق لأنه يملك الشحنة، ولا يختار للدولة اللحظة المناسبة لتطبيق صلاحياتها.

المحاسبة القضائية: لا حصانة ولا أحكام مسبقة
أما النائب الذي أعلن الملكية وطالب بالاسترداد، فيجب أن يُسأل سياسياً عن معنى مطالبته، وأن تُدرس تصريحاته قضائياً في ضوء الأدلة. لكن الحزم يقتضي الدقة: نسبة الشحنة إلى الحزب لا تثبت وحدها اشتراك النائب شخصياً في نقلها أو حيازتها. المسؤولية الجزائية تحتاج إلى وقائع تخصّه، مع مراعاة أحكام الحصانة والتمييز بين الرأي المحمي والفعل الجرمي إذا ثبت. فالدستور يحمي الآراء والأفكار التي يبديها النائب مدة نيابته، وينظّم إجراءات ملاحقته أثناء دور الانعقاد.

المحاسبة الجدية تستهدف كشف المسؤوليات وإثباتها. أما إعلان الأحكام قبل التحقيق فيمنح الحزب فرصة نقل النقاش من المتفجرات إلى المظلومية. فلا يجوز تقديم هذه الخدمة له.

وزراء الحزب: التزام بسلطة الحكومة أم حماية للازدواجية؟
والسؤال نفسه يجب أن يصل إلى وزرائه: هل المشاركة في الحكومة التزام بسلطتها، أم موقع إضافي لحماية الحزب من قراراتها؟

هؤلاء يمثّلون حزبهم سياسياً، ولا يختزلون تمثيل الطائفة الشيعية. لا يملك حزب الله حق تحويل مساءلة وزرائه إلى اعتداء على الشيعة، ولا يملك أحد منح الوزراء حصانة طائفية من المحاسبة. المقعد الوزاري ليس ملكاً للحزب، وحضور الشيعة في الدولة لا يتوقف على رضاه أو استمرار ممثليه فيها.

المعيار هو أداء كل وزير: هل ينفّذ قرارات الحكومة ويحترم سلطة القضاء، أم يستخدم موقعه لانتزاع استثناء حزبي؟ إذا اختار التعطيل وحماية الازدواجية، تسقط في رأيي حجته السياسية للبقاء، وتُسلك الإجراءات الدستورية لمحاسبته أو إقالته.

فلا يستقيم أن تتحمل الحكومة مسؤولية قراراتها أمام اللبنانيين، ثم تتحول مشاركة بعض أعضائها إلى وسيلة لإفراغ تلك القرارات من مضمونها. ولا يستقيم أن يبقى الحزب داخل السلطة ليستفيد من شرعيتها، وفوقها ليقرّر حدود عملها.

الامتحان: هل تستطيع الدولة تنفيذ القانون؟
إن فائض الاستعلاء يستمد جزءاً من قدرته من توقع التراجع. ويمكن للدولة أن تبدأ بتبديده حين تجعل القانون قابلاً للتنفيذ، وتحمي الموظف الذي يطبّقه، وتترك القضاء يستكمل عمله من دون مساومات.

والامتحان واضح: حين يقول الحزب «هذه المتفجرات لنا»، يجب أن يعرف أن الدولة ستسأله عن مسؤوليته عنها.

أما أن ينتظر منها إعادتها، ثم يشكّك بوطنيتها إذا رفضت، فذلك اختصار فظّ للمشكلة كلها: يريد مؤسسات الجمهورية في خدمته، ويستكثر عليها ممارسة سلطتها عليه.


جاد الأخوي - جنوبية
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا