الانتخابات الإسرائيلية.. نتنياهو وآيزنكوت وبينيت أين يتفقون وأين يختلفون؟
ستة صواريخ أخرى..مَن يمنع الكارثة؟
منذ اندلاع الحرب الأخيرة في لبنان، مطلع آذار الماضي، كنت أقول إن مَن أمر بإطلاق الصواريخ الستة ومَن نفّذ العملية لا يمكن أن يكونا من أبناء الجنوب؛ أولئك الذين يعرفون معنى البيت، وتعب مواسمه، والخوف على أطفاله، وثمن اقتلاع أهله منه.
فبعد دقائق من فتح تلك المعركة الانتحارية، وصدور أوامر الإخلاء الإسرائيلية، اندفع الناس هاربين من بيوتهم إلى مصير مجهول. أمضى بعضهم سبعاً وعشرين ساعة على الطريق قبل الوصول إلى بيروت، في رحاب رمضان؛ شهر الله والعبادة والرحمة.
تبهدلوا على الطرقات: بلا منامة، ولا حمّامات، ولا طعام، ولا سحور، ولا قدرة على انتظام الصيام، ولا شروط تحفظ للصلاة سكينتها. عائلات كاملة محاصرة بين خوفين: خوف مما تركته وراءها، وخوف مما ينتظرها عند نهاية الطريق.
وحين وصلوا إلى بيروت، لم تنتهِ محنتهم. افترش بعضهم الشوارع، ومُنع آخرون من السكن في مناطق كثيرة؛ خوفاً من الاستهداف أحياناً، وانتقاماً من تأييدهم لحزب الله أحياناً أخرى، وكرهاً طائفياً في أحيان لا يجوز تجاهلها.
مفاتيح بيوت لم يعد خلفها أبواب
ولم تنتهِ المأساة عند التهجير وعذاب الطرقات وذلّ البحث عن مأوى. فبعد اقتلاعهم، طُحنت قراهم، وسُوّيت بيوتهم بالأرض، وتبدّد كلّ أمل بالعودة. حملوا مفاتيحها طوال الطريق، ثم لم يعد خلف تلك المفاتيح بابٌ يُفتح، ولا بيتٌ ينتظر. وكأنّ أعماق مياه عين المريسة امتلأت بمفاتيح بيوت الجنوب؛ مفاتيح أثقلها اليأس، بعدما صار البحر أقرب من العودة.
لا، لا يمكن أن يكون مطلق تلك الصواريخ ابناً لوجع هؤلاء المعذّبين. فمَن يكون؟ ولحساب مَن قرّر أن يعيدهم إلى دروب النزوح؟
من «إسناد غزة» إلى انهيار القيادة
للإجابة، لا بدّ من العودة إلى التسلسل الكارثي الذي عاشه حزب الله منذ فتح جبهة «إسناد غزة»: اغتيال فؤاد شكر، والضربات التي دمّرت غالبية الترسانة الصاروخية، وتفجير أجهزة البايجر، واستهداف قيادة الرضوان، وصولاً إلى تفكيك متلاحق للبنية القيادية والعسكرية والأمنية.
في خضمّ هذا الانهيار، تأكّد حسن نصرالله أن القدرة على مواصلة المعركة باتت معدومة، فطلب تدخّلاً إيرانياً عاجلاً لإنقاذ ما تبقّى. لكن جواب القيادة الإيرانية كان، في جوهره: عليكم أن تقاتلوا بما تيسّر.
ويروي الصحافي سركيس نعوم، نقلاً عن وزير الخارجية آنذاك عبدالله بو حبيب، أن الأخير التقى نظيره الإيراني عباس عراقجي، وأبلغه أن نصرالله طلب من الرئيس نبيه بري التفاوض لوقف إطلاق النار. ذُهل عراقجي ولم يصدّق.
تكشف هذه الرواية عمق سوء التفاهم بين قيادة حزب الله آنذاك والقيادة الإيرانية: طرف يطلب مخرجاً من كارثة تتّسع، وطرف لا يزال ينتظر منه مواصلة القتال.
لكن التطورات سبقت أي مخرج. اغتيل نصرالله، ثم هاشم صفي الدين، وتوالى استهداف ما تبقّى من قيادات الصفّين الأول والثاني.
المقاتلون بين مطحنة الحرب والفرار
ليس استحضار هذه الوقائع استعراضاً للخسائر. المقصود أن الحرب صدمت حزب الله، ودفعت مَن بقي من قيادته ومقاتليه إلى تفضيل الحياة على الانتحار من أجل وليّ فقيه لا يريد منهم سوى الموت.
وكان من الصادم أيضاً أن يفرّ معظم مقاتلي الحزب من معارك الجنوب، بعدما تحوّلت المواجهة إلى مطحنة لأجسادهم. تفرّقوا في مناطق لبنانية مختلفة، وعبر بعضهم إلى سوريا قبل فرار الأسد، ووصل آخرون إلى العراق.
لقد اصطدمت التعبئة بواقع الميدان. والمقاتل الذي قيل له إنه ذاهب إلى النصر، وجد نفسه أمام آلة قتل، فيما القيادة التي تدفعه إلى المواجهة لا تملك جواباً عن نهايتها.
ولا بدّ أن قيادة الحرس الثوري، التي تسلّمت ما تبقّى من حزب الله، استوعبت درس سقوط نظام الأسد. لذلك نشرت أعداداً كبيرة من وحداتها في لبنان، لتعويض خسائر الحزب وتدارك انهيار آخر، إذا استعرت الحرب مجدداً.
من هنا، نعود إلى الصواريخ الستة التي أعقبتها أكبر نكبة عرفها الجنوب منذ تأسيس حواضره. نكبة أقسى من اغتصاب فلسطين، لأن المعايير والوعود قبل الحرب كانت معكوسة تماماً: قيل لنا إن النكبة، إن وقعت، فستقع جنوب الجنوب. فإذا بأهل الجنوب أنفسهم يُقتلعون من أرضهم، ويحملون مفاتيح بيوتهم إلى المجهول.
«فلتحترق طهران ويبقَ الجنوب»
وفي هذه الأيام الخطرة، يختار الرئيس نبيه بري أن يقول إن العلاقة مع الحزب كانت أفضل في أيام نصرالله. كانت العلاقة، إلى حدّ ما، لبنانية ـ لبنانية؛ أما اليوم، فقد باتت محكومة بشريعة الموت من أجل «الإمبراطورية».
ولم يعد جمهور حركة أمل قادراً على ابتلاع هذا المسار بصمت. خرجت أصوات من داخله، ونُفض الغبار عن قبر داوود داوود، وعادت كلمته التي كلّفته حياته: «فلتحترق طهران ويبقَ الجنوب».
تعود العبارة اليوم من قلب الخوف على ما تبقّى: على الناس والبيوت والقرى، وعلى حقّ الجنوبي في أن تكون حياته أغلى من حسابات طهران.
مَن هؤلاء الذين يتحرّكون بين الحقول والبيوت؟
وفي إحدى القرى، أثناء قطاف الزيتون، مرّت بالأهالي مجموعة من المقاتلين. لم يحسن أفرادها فهم شيء من كلامهم سوى «السلام عليكم».
مَن هؤلاء؟ وماذا يفعلون بين الحقول والبيوت؟ وهل أزعجهم وجود أصحاب الأرض، فيما كانوا يتحضّرون لإطلاق ستة صواريخ أخرى؟
ستة صواريخ قد تكفي لقذف ما تبقّى من الجنوب إلى صفحات التاريخ؛ تاريخ قد لا يبقى مَن يقرأه، ولا مَن يعتبر.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|