ثلاثة مسارات لنسف الاتفاق: حرب إسرائيلية صامتة في غزة
غزة | مع إكثاره من التهويل في شأن الاقتراب من «نقطة الصفر»، والعودة إلى حرب الإبادة في قطاع غزة، يبدو أداء الإعلام العبري أقرب إلى ذرّ للرماد في العيون. ويُظهر الواقع الميداني أن الاحتلال كرّس، مذ بدء حربه مع الولايات المتحدة على إيران ولبنان، نمطاً من «تطبيع» الرأي العام الدولي مع فكرة الحرب المستدامة المنخفضة الوتيرة والضجيج، وهو ما أخرجه من حرج البحث عن ذرائع لتنفيذ الاغتيالات والمجازر. وهكذا، لم تعُد عمليات القتل اليومية تُصنّف تحت مسمّى «الخروقات»، إذ إن توصيفها كذلك يعني بالضرورة وجود اتفاق فعلي لوقف إطلاق النار، وهو ما لا تعترف إسرائيل بوجوده حالياً.
وفي هذا الإطار، جرى تفكيك مركز مراقبة وقف إطلاق النار في «كريات غات»، والذي غادره المراقبون الدوليون، فيما رُفع هاجس عريض ومستدام، مفاده «استغلال حماس لوقف إطلاق النار لإعادة بناء قدراتها». وتحت ذلك العنوان، مرّرت إسرائيل عمليات الاغتيال اليومية التي استهدفت نشطاء إغاثة وعناصر من الصفوف الدنيا في المقاومة، وحتى نشطاء إعلاميين، فيما بات قتل ما معدّله عشرة مواطنين يومياً حدثاً لا يستدعي التوقف عنده. وحتى وثيقة «مجلس السلام» أشارت إلى أن «حماس» هي التي ترفض تسليم سلاحها، معتبرةً أن هذه النقطة هي التي «تهدّد» تطبيق الاتفاق، ومتحدثةً عن وجود «خروقات» من دون الإشارة إلى أن إسرائيل هي من يرتكبها.
أمّا المستوى الثاني من المسار الذي يجري تطبيع حتى الغزيين عليه كحدث يومي، فيتعلّق بالتوسعة المستمرة لنطاق ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، الذي بات يقضم أكثر من 64% من مساحة قطاع غزة، بزيادة تبلغ 13% عمّا كان عليه الحال عند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025. وفي هذا الإطار، فرض جيش الاحتلال سيطرة شبه كاملة على شارع صلاح الدين، وهو الشريان الحيوي الذي يربط شمال القطاع بوسطه وجنوبه، في خطوة تمهّد لقضم كامل المخيمات والأحياء المحاذية لـ«الخط الأصفر» شرقاً.
وبالفعل، بدأت هذه الخطة تُطبَّق بشكل متدرّج؛ إذ سُجّل أمس قيام مجموعات العملاء التابعة لشوقي أبو نصيرة بطرد عشرات الأسر من منطقة أبو العجين شرقي مدينة دير البلح وسط القطاع، قبل أن ينفّذ جيش الاحتلال عمليات نسف وتدمير لثلاثة منازل. وفي إطار تثبيت حال نزع الأمان من شارع صلاح الدين أيضاً، تقدّمت ميليشيا العملاء قرب منطقة سوق السيارات في حي الزيتون، حيث أطلقت الرصاص على سيارة مدنية، ما أدى إلى إصابة طفلة بطلق ناري في الوجه.
ويتمثّل المستوى الثالث، وهو الأكثر خطورة، في الاستعادة التدريجية لسياسة تدمير المنازل والمربّعات السكنية عقب إخلائها. وخلال الأسبوع الماضي، سُجّلت ثلاث عمليات إخلاء لمربعات سكنية: الأولى في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، والثانية في مخيم جباليا، والثالثة في مخيم المغازي. ويُنذر هذا التدرج في العمليات بمساعٍ إسرائيلية لتحويل سياسة الإخلاء والتدمير إلى جزء من يوميات القطاع، التي لا تسترعي انتباه أحد. كذلك، قلّص جيش الاحتلال كمية المساعدات والبضائع المسموح بإدخالها إلى غزة، إلى 250 شاحنة يومياً بدلاً من 600 شاحنة جرى الاتفاق على دخولها، فيما يُحرم القطاع، لليوم العاشر على التوالي، من إدخال الوقود وغاز الطهي.
وفي المحصلة، ينبئ ما تقدّم بأن إسرائيل استعادت الحرب على القطاع، بكلّ فصولها وممارساتها، باستثناء وحيد، هو غياب الضجيج والحضور الإعلامي والإدانات الدولية، فيما تمرّ جريمة الإبادة وقضم الأرض والاغتيالات اليومية وتدمير الحياة المدنية، بكثير من الهدوء والتصالح. ورغم التهويل الإعلامي الإسرائيلي المدعوم بتحليلات تربط التصعيد بالوضع الداخلي لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، تساءلت صحيفة «هآرتس»، في مقال نشرته أول أمس، عن الدافع الذي قد يحمل إسرائيل على شن حرب واسعة على غزة، ما دامت تنفّذ كلّ ما تريده من دون أن تواجه إدانات تُذكر.
يوسف فارس - الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|