حكاية هاليفي وأدرعي.. ومنزل الدكتور سرحان في كفركلا
"أتذكر كيف كنت أعمل في الأرض، وبعد ثلاثين سنة قال لي أبي: هذه الأرض… عمّر فيها بيت". بهذه العبارة يلخّص الدكتور أحمد سرحان، ابن بلدة كفركلا الحدودية، مسار حلمٍ بدأ من طفولة بعيدة وانتهى بيتاً على تخوم النار.
هذا البيت نفسه، الذي وُلد من الحلم، تحوّل في حرب 2024 إلى موقع عسكري إسرائيلي. خلال التوغل الأول في تشرين الأول 2024، تمركز فيه الجيش الإسرائيلي لمدة 5 أشهر، واتُّخذ مقراً عسكرياً. من داخله صُوّر فيديو للرئيس السابق لأركان الجيش الإسرائيلي هيرتسي هاليفي، كما ظهر المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي في مقطع مصوَّر آخر أعلن فيه أنه في كفركلا.
ثم، عشية دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 17 شباط 2025، انسحبت القوات منه، قبل أن يتم تفجيره بالكامل.
وكفركلا، واحدة من أكبر قرى بلدات قضاء مرجعيون. وضعتها لعنة الجغرافيا على تخوم مستوطنة المطلة. لا يفصل بين كفركلا والمطلة، إلا بضعة أمتار.. وشهدت في تحرير العام 2000، خروج القوات الإسرائيلية وعملائها من بوابة فاطمة الفاصلة بين المنطقتين على ضفتي الحدود. ولا تزال القنوات المحلية تبث مقاطع في ذكرى تحرير 2000 للحظة الانسحاب: "كانوا عم يكبّوا أغراضهم حتى ما يفوتوا شي معهم… تركوا كل شيء وغادروا الأراضي اللبنانية".
تعرضت كفركلا، منذ الحرب الماضية، لأكبر موجة تدمير، وبلغت نسبة الدمار 88% وفق أرقام "المجلس الوطني للبحوث العلمية"، منذ نحو ثلاثة أشهر. وربما باتت نسبة الدمار 100% في الحرب المستمرة حالياً.
قصة المنزل
هذا المنزل الذي شيّده سرحان لم يكن مجرّد بناء، بل فكرة صاعدة من قلب الصخر. في 25 أيار 1978، بدأ العمل على قطعة الأرض القريبة جداً من الحدود، لا يفصلها عنها سوى الطريق العام. يومها، لم يكن الوصول إلى المكان سهلاً، حتى إن المختار اضطر إلى فتح ممر لتأمين العبور، إذ كان هذا أول بيت يُبنى مباشرة على الخط الحدودي في فترة الاحتلال، وبقي الوحيد حتى تحرير العام 2000.
كان الدكتور سرحان يدرس في تلك الفترة لمرحلة الماجستير، فيما كان العمل في بناء البيت قد بدأ فعلياً. حيث كان العامل يشيّد البيت وفق المخطط الذي رسمه بنفسه. يقول سرحان: "أنا رسمت الخريطة، حتى يُبنى البيت كما أريده تماماً"، مضيفاً أنّه كان يتقاضى 312 ليرة في نهاية كل شهر، يدفع منها 200 ليرة، ولا يبقى له سوى 112 ليرة فقط.
ويتابع: "كنت من دمي أسكب حتى أُعمّر البيت… عمرته بتعبي وعرق جبيني". كان يضع تفاصيل المخطط بنفسه، ويختار بعناية اتجاه الواجهة لتكون نحو كفركلا، أي أنه أعطى ظهره للجانب الإسرائيلي. واجهة البيت، تشبه وجهة سرحان: وجهه إلى وطنه وبلاده، وعمقه الوطني هنا.
منذ العام 1982، بات يجد مسكناً لعائلته الصغيرة داخل أروقة المنزل- الحلم. وعلى مدى سنوات، واظب على بنائه، فلم يكتمل المنزل نهائياً إلا عام 2020، "بعد طلوع الروح"، كما يعبّر الدكتور سرحان. على مدى الحروب، تعرض لأضرار وتهشيم..
صنوبرات نزار قباني
حول البيت، زرع سرحان ما يشبه سيرته الشخصية على هيئة أشجار: 56 شجرة زيتون معمّرة، و40 شجرة رمان، و4 شجرات جوز، إضافة إلى أصناف أخرى. أبناؤه جلبوا له بذور صنوبر من المدرسة، فزرعها حتى نمت، فصارت خمس صنوبرات ارتبطت في ذاكرته ببيت شعر كان يردّده عن البيت: "حرسته خمس صنوبرات فانزوى وتصوّفا"، تكريساً لقصيدة "بيتي" الشهيرة للشاعر الراحل نزار قباني.
وفي كل تلك المراحل، كان سرحان وعائلته يغادرون منزلهم مؤقتاً.. ويعودون عندما تهدأ الأحوال. البيت هنا، وطن صغير. رمز للصمود والسُكنة.. يسنك البيت كما يسكنه، وهو على أي حال نموذج من مئات العائلات الجنوبية التي احتارت الصمود، وبنته حجراً بحجر، وبنت أحلامها في المكان، قبل أن تقضي الحرب الأخيرة عليها، ولم تبقِ منها إلا الذكريات. حتى الصنوبرات، اقتلعتها القوات الإسرائيلية، فيقول: "زعلت كتير… تغذّوا من دمي وروحي، والنصبة اللي بتنشلح من أرضها كأنها انشلحت من قلبي".
وفي الداخل، كانت هناك مكتبة تضم نحو ألفي كتاب، بين الأدب والشعر والمراجع والدراسات، إضافة إلى كتب من تأليفه. يصفها قائلاً: "هذه المكتبة جزء من قلبي… كنت ألجأ إليها في كل الأوقات". ولم ينجُ منها سوى بضعة كتب كانت محفوظة في بيروت.
اليوم يقلب سرحان بما تبقى من صور. ويختصر الحال بالقول: "هذه الحرب هي الأقسى.. كل الاحتلالات السابقة مرّت وبقي شيء من البلدة، أما اليوم، فلم يبق أي شيء".
الدكتور سرحان، الذي يتحدث عن كفركلا كما لو أنها فرد من العائلة، يقول إن حياته كلها ارتبطت بها ولم يغادرها فعلياً: "وقت المحاضرات بنزل وبطلع… معلّق كتير بالضيعة". يختم حديثه مع "المدن" قائلا "نحن دفعنا تاريخنا وارضنا ثمن شيء لا دخل لنا به، وهذا الثمن كبير وغالي ولا يُعوض".
مغاور الحقبة الرومانية
وكفركلا، كان ينظر اليها في السبعينيات على أنها "بلد النضال"، بالنظر الى أن كل الأحزاب كانت فيها، لكن أهلها ظلّوا أقرب إلى الوطن من أي انقسام حزبي. وطنيون قبل أن يكونوا متحزبين. صعدت البلدة الى الضوء في أغنية خالد الهبر (كفركلا) التي يقول فيها: "قرية جنوبية تجابه الموت بقبضة وحدتها، فتحيى وتحييك معها".
في ذاكرة أهلها، كانت البلدة تضجّ بالحياة: نوادٍ، لقاءات، شباب، ونشاط سياسي واجتماعي كثيف، إلى جانب حضور تاريخي قديم يتجلّى في مغاور تعود إلى الحقبة الرومانية، ومعالم أثرية متناثرة، أبرزها تلة العويضة التي تشرف على المشهد الحدودي كله.
في كفركلا، لا يخسر الناس منازلهم فقط. يخسرون الوقت الذي وضعوه داخل الحجر، والأشجار التي سقوها، والطرقات التي شقوها بأيديهم، والمكتبات التي بنوها "برموش العين". ولهذا تبدو البلدة، اليوم، كأنها لا تقف على الحدود مع فلسطين فقط، بل على الحدّ الفاصل بين ذاكرة كاملة وما تبقى منها.
نغم ربيع - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|