"شبكة نسائية" لل"إيقاع" بمؤيدي المقاومة وتجنيد عملاء في الداخل
ترامب والنصر السّهل: من كاراكاس إلى هافانا
في السياسة الخارجيّة لدونالد ترامب، لا تكفي إدارة الأزمات. الرجل يريد انتصارات تحمل اسمه. يريد ملفّات يقول فيها للأميركيّين وللتاريخ: “فعلتُ ما عجز عنه الآخرون”. هكذا قدّم نفسه في الملفّ الإيرانيّ، وهكذا احتفل بما اعتبره “استعادة فنزويلّا” إلى الفلك الأميركيّ بعد الإطاحة بنيكولاس مادورو. ترتفع اليوم في واشنطن نبرة جديدة توحي بأنّ الدور قد يكون على كوبا.
ليس صدفة أن تعود هافانا فجأة إلى واجهة الخطاب الأميركيّ بعد سنوات بدت فيها أشبه ببقايا جغرافيا من زمن الحرب الباردة. لا تتعامل إدارة ترامب مع كوبا كجزيرة فقيرة تعاني انقطاع الكهرباء ونقص الوقود فقط، بل كرمز أخير يجب إسقاطه، آخر نظام معادٍ لواشنطن في نصف الكرة الغربيّ، وآخر “قلعة” لا تزال ترفع إرث فيدل كاسترو في وجه الولايات المتّحدة.
صعّد ترامب ووزير خارجيّته ماركو روبيو خلال الأيّام الماضية لهجتهما بصورة لافتة. لمّح ترامب علناً إلى أنّه قد يقوم في كوبا “بشيء لم ينجح فيه أيّ رئيس أميركيّ سابق”، فيما قال روبيو إنّ فرص الحلّ التفاوضيّ مع النظام الكوبيّ “ليست مرتفعة”. بالتوازي، فرضت واشنطن عقوبات جديدة على مؤسّسات مرتبطة بالمؤسّسة العسكريّة الكوبيّة، وجرى توجيه اتّهامات قضائيّة إلى راؤول كاسترو في خطوة بدت أقرب إلى تمهيد سياسيّ وقانونيّ لمعركة أكبر.
استعادة سيناريو فنزويلّا؟
لكنّ قصّة كوبا بالنسبة لماركو روبيو أعمق بكثير من ملفّ في وزارة الخارجيّة. الرجل ابن عائلة كوبيّة هاجرت إلى الولايات المتّحدة هرباً من النظام الكاسترويّ، وكوبا بالنسبة إليه ليست خصماً جيوسياسيّاً وحسب، بل جرح تاريخيّ وشخصيّ وسياسيّ في آنٍ واحد. يُنظر داخل واشنطن إلى روبيو منذ سنوات على أنّه أحد أكثر السياسيّين الأميركيّين تشدّداً تجاه هافانا، ليس فقط انطلاقاً من حسابات الأمن القوميّ، بل ومن ذاكرة المنفيّ الكوبيّ في فلوريدا.
لهذا السبب تحديداً، لن يكون أيّ تحرّك كبير ضدّ النظام الكوبيّ بالنسبة لروبيو نجاحاً دبلوماسيّاً عابراً وحسب، بل لحظة شخصيّة وتاريخيّة قد تُعرّف إرثه السياسيّ بالكامل. يصف بعض الجمهوريّين في واشنطن الملفّ الكوبيّ بأنّه “قضيّة حياة سياسيّة” بالنسبة لروبيو المرشّح المحتمل للرئاسة. يدرك الرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من صعوده السياسيّ على خطاب إسقاط الأنظمة اليساريّة في أميركا اللاتينيّة، أنّ نجاحه في هافانا قد يحوّله من وزير خارجيّة قويّ إلى أحد أبرز مهندسي العقيدة الترامبيّة الجديدة في السياسة الخارجيّة.
بهذا المعنى، تبدو العلاقة بين ترامب وروبيو شديدة الأهميّة. يريد ترامب نصراً إعلاميّاً وسياسيّاً سريعاً قبل الانتخابات النصفيّة. أمّا روبيو فيرى في كوبا معركة عقائديّة مؤجّلة منذ عقود. حين يلتقي الطموح الشخصيّ للرئيس مع القناعة الأيديولوجيّة لوزير خارجيّته، تصبح احتمالات التصعيد أعلى بكثير.
في واشنطن، لا أحد يقرأ هذه التطوّرات كإجراءات منفصلة. ثمّة شعور متزايد بأنّ الإدارة الأميركيّة تعيد استخدام “السيناريو الفنزويلّيّ” نفسه: خنق اقتصاديّ، ضغط نفسيّ، حرب شرعيّة، تحريك للمعارضة، تسريبات عن اتّصالات سرّيّة، وعرض “مساعدة إنسانيّة” مشروطة بتغيير سياسيّ جذريّ. حتّى الخطاب بات متشابهاً: نحن لا نحارب الشعب، نحن نحارب النظام.
لكنّ السؤال الأهمّ ليس: هل تستطيع واشنطن إسقاط النظام الكوبيّ؟ بل: لماذا الآن تحديداً؟
قد يبدأ الجواب من إيران.
الحرب مع طهران، على الرغم من الضربات الضخمة، لم تتحوّل إلى النصر الساحق الذي حلم به ترامب. نعم، أُصيبت البنية النوويّة الإيرانيّة. نعم، تعرّضت طهران لضغط غير مسبوق. لكنّ الحرب بقيت معلّقة بين “الردع” و”الحسم”. لا استسلام إيرانيّاً كاملاً، ولا اتّفاق نهائيّاً، ولا صورة “Mission Accomplished” التي يحبّها ترامب. الأسوأ بالنسبة للبيت الأبيض أنّ الحرب بدأت تترك آثاراً اقتصاديّة ونفسيّة داخليّة، من أسعار الطاقة إلى تعب الرأي العامّ الأميركيّ.
هنا تصبح كوبا مغرية سياسيّاً، فهي هدف أضعف بكثير من إيران. لا برنامج نوويّاً معقّداً. لا شبكة إقليميّة ضخمة من الميليشيات. لا مضيق هرمز. لا حرب قد تشعل الشرق الأوسط. بل جزيرة منهكة اقتصاديّاً، تعاني انهياراً كهربائيّاً حادّاً ونقصاً في الوقود والغذاء، فيما تزداد الهجرة والغضب الشعبيّ.
بالنسبة لترامب، قد تبدو كوبا “النصر السهل” الذي يعوّض التعقيد الإيرانيّ.
الأهمّ أنّ كوبا تحمل قيمة رمزيّة هائلة داخل الوعي الأميركيّ المحافظ. إسقاط النظام الكوبيّ لا يُباع في الخطاب الجمهوريّ كتغيير نظام فقط، بل كإعلان نهاية فصل كامل من الحرب الباردة. نهاية آخر أثر حيّ لكاسترو وتشي غيفارا والشيوعيّة اللاتينيّة على بعد تسعين ميلاً فقط من فلوريدا.
اختبارات استراتيجيّة معقّدة
لكنّ ما يجعل الأزمة أخطر هو أنّ كوبا اليوم ليست قصّة أميركيّة – كوبيّة. الصين وروسيا تراقبان. بكّين تعتبر الجزيرة موطئ نفوذ استراتيجيّ قرب السواحل الأميركيّة، تماماً كما تعتبر واشنطن تايوان تهديداً قرب الصين. أيّ تغيير جذريّ في هافانا سيُقرأ عالميّاً كجزء من مشروع أميركيّ أوسع لإعادة فرض “عقيدة مونرو” بنسختها الترامبيّة: لا خصوم لواشنطن في نصف الكرة الغربيّ.
هنا يصبح السؤال أكثر إثارة: هل يريد ترامب فعلاً إسقاط النظام الكوبيّ أم يكفيه التلويح بذلك لتحقيق مكاسب سياسيّة داخليّة؟
ربّما الاثنان معاً.
يفهم ترامب جيّداً أنّ السياسة الخارجيّة في سنة الانتخابات النصفيّة ليست فقط إدارة ملفّات، بل صناعة صور، صورة الرئيس القويّ، الرئيس الذي لا يتردّد، الرئيس الذي ينجز ما فشل فيه الآخرون. من إيران إلى فنزويلّا، والآن ربّما كوبا، يحاول ترامب بناء رواية متكاملة: أنا الرجل الذي أعاد الهيبة الأميركيّة وأسقط خصوم واشنطن واحداً تلو الآخر.
لكنّ التاريخ يحمل تحذيراً قاسياً. كلّ رئيس أميركيّ تقريباً اعتقد أنّ كوبا سهلة… اكتشف أنّها جزيرة صغيرة قادرة على إنتاج أزمات أكبر من حجمها. من أزمة الصواريخ النوويّة إلى خليج الخنازير، لطالما كانت هافانا المكان الذي تتحوّل فيه الحسابات الأميركيّة السريعة إلى اختبارات استراتيجيّة معقّدة.
مع ذلك، تكشف عودة الحديث عن “تغيير النظام” في كوبا عام 2026 شيئاً أعمق بكثير من الأزمة الكوبيّة نفسها: الولايات المتّحدة تدخل مرحلة جديدة من السياسة الخارجيّة، أقلّ صبراً على الاحتواء، وأكثر ميلاً إلى فرض النتائج بالقوّة الاقتصاديّة أو الأمنيّة أو حتّى العسكريّة.
في عقل ترامب تحديداً، لا يبدو أنّ الحرب الباردة انتهت فعلاً. يريد فقط أن يكون الرئيس الذي يعلن نهايتها رسميّاً، وهذه المرّة من هافانا.
موفق حرب - أساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|