الطلب الأميركي لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل يتطوّر... فماذا عن لبنان؟
الهروب من الصواريخ إلى الانتحار: نازحون يتمنّون الموت
لم يمت "سامر" (30 عاماً) بسبب الصاروخ الذي أصاب منزله في حارة حريك، لكنه جعله يشعر وكأنه قتل ألف مرّة. ذاك الصاروخ قلب حياته وتسلل إليه الشعور القاتل بـ"انعدام الجدوى"، فيما هو غارق بحزنه بين جدران أحد مراكز الإيواء الباردة في بيروت.
في حديث خاص لـ"المدن"، يروي سامر كيف أمضى شبابه يجمع مدخراته ليؤسس مستقبلاً، ثم وجد نفسه فجأة بلا سقف، وبلا دور، وبلا رصيد، بعدما التهمت الحرب "تحويشة العمر" في أسابيعها الأولى. خسر أفراداً من عائلته، وتحول من "سند" البيت إلى شخص عاجز يحتاج من يسنده، ولا يملك ثمن ربطة خبز، وسط انهيار عالم عائلته الصغير أمام عينيه.
الانتحار يراوده
في تلك اللحظة من اليأس الحاد، وبينما كان يقلّب في كفه ما تبقى من ليرات لم تعد تكفي لسد رمق يومه، اعترف سامر أن فكرة الانتحار بدأت تراوده وأنها ربما تكون خلاصه الوحيد هرباً من جحيم العجز الذي ينهش رجولته وقدرته على حماية من يحب.
لم يكن سامر يبحث عن الموت لذاته، بل كان يبحث عن نهاية لـ"انعدام الجدوى" الذي استوطن روحه بعدما جردته الحرب من صفة "المعيل" وحولته إلى رقم إضافي في طوابير النزوح الطويلة.
قصته هذه ليست مجرد مأساة فردية عابرة، بل هي مرآة لجميع هؤلاء الذين يعيشون ضغوطاً كبيرة، يرزح تحتها المجتمع اللبناني اليوم؛ حيث تتداخل الصدمات النفسية مع الانهيار المعيشي المتمادي.
وسط الفراغ القاتل بين الدولة الغائبة والوجع الحاضر، تحوّل "خط الحياة 1564" إلى خيط رفيع، ومجاني بالكامل، للاستماع إلى هؤلاء الأشخاص الذين سأموا الحياة، وحاولوا الانتحار. وهذا "الخط" انتشل سامر وعشرات الأرواح غيره من حافة السقوط الحر في الهاوية، معيداً بناء جسور الثقة في لحظة كان فيها كل شيء ينهار.
أرقام صادمة
تقول ماري جوزيه نوفل، الأخصائية الاجتماعية الأقدم في "خط الحياة" بجمعية "إمبرايس"، لـ "المدن": "خلف سماعة الهاتف، لا نستمع فقط إلى أصوات متعبة، بل نرصد انفجاراً في الحاجة النفسية".
وتشرح أن الإحصاءات الميدانية الصادرة عن الجمعية تؤشر إلى مدى خطورة الأوضاع. فقد تضاعف عدد المكالمات التي تتلقاها الجمعية طلباً للمساعدة النفسية خلال التصعيد الحالي مقارنة ببدايات الحرب في 2024. الاتصالات لم تعد لأفراد من هنا وهناك، كما كان سابقاً، بل باتت تأتي في "أمواج" مرتبطة بحدة القصف وموجات النزوح المباغتة.
وتكشف أنه في أول 10 أيام فقط من موجة النزوح الأخيرة، استقبل الخط أكثر من 500 مكالمة. وبحسب تقرير الاستجابة الطارئة لـ"إمبرايس" تكشف الأرقام أن 55 بالمئة من المتصلين يعانون من ضيق عاطفي حاد ناتج عن النزوح، ونحو 30 بالمئة منهم أبلغوا عن ورود أفكار بالانتحار، ونحو 40 بالمئة من المتصلين يحتاجون إلى إحالات عاجلة لخدمات الطوارئ نظراً لخطورة حالتهم.
تضيف نوفل نقطة جوهرية: "هناك وعي متزايد اليوم بأن العقل المنهك لا يمكنه حماية العائلة؛ فالنازح يتصل لأنه يدرك أنه إذا فقد توازنه النفسي، لن يستطيع اتخاذ قرارات منقذة للحياة أو حماية أطفاله تحت القصف".
بروتوكول "اللحظة الصفر"
وتشير نوفل إلى أن العمل الميداني واللوجستي لا يبدأ بالمواعظ. عندما يخبرنا شخص أنه يمسك بيده وسيلة للأذى، نطبق بروتوكولاً صارماً: "ابتعد عن الوسيلة فوراً". تأمين السلامة الجسدية هو الأولوية المطلقة قبل أي غوص في المشاعر.
وإذا لم يفلح "صوت الهاتف" في تهدئة العاصفة، يتحرك فريق الطوارئ الميداني (Mobile Crisis Team). هذا الفريق، المكون من طبيب نفسي وممرض، نفذ 9 تدخلات طارئة خلال 15 يوماً فقط في مناطق ببيروت وجبل لبنان والشمال. إنهم يتعاملون ميدانياً مع حالات الذهان الحاد، وخطر الانتحار الفوري، وتهديد النفس وسط ركام مراكز الإيواء.
خريطة العجز: أين تكمن الحاجات؟
يكشف تقرير "إمبرايس" عن فجوات بنيوية هائلة يواجهها النظام الصحي النفسي في لبنان:
-
بنية تحتية مشلولة: تضرر النظام الصحي في أكثر من ثلث مساحة البلاد، مما يهدد استدامة الرعاية النفسية.
-
انهيار الروتين: يعاني النازحون من حالة "فقدان التوجه" (Disorientation) وتفكك أنظمة الدعم الاجتماعي.
-
عائق الكلفة المالية: أصبحت الاستشارات عبر الإنترنت (Online) "مرساة نجاة" وحيدة لمن لا يملك ثمن المواصلات.
وهنا، لا يقتصر التحدي على تأمين آذان صاغية، بل في استدامة هذا الإنصات. ففي وقت تضررت فيه البنية التحتية الصحية في أكثر من ثلث البلاد، يبرز سؤال وجودي: إلى متى يمكن لـ"خيوط الحياة" أن تصمد أمام "أمواج" المكالمات التي تنهمر عقب كل غارة؟ الوعي الشعبي ارتفع؛ بات النازح يدرك أن عقله المشتت لن يحمي عائلته، لكن هذا الوعي يصطدم بجدار الحاجة المادية، حيث تصبح الاستشارة "أونلاين" هي الملاذ الأخير لمن لا يملك رصيداً في هاتفه أو ثمناً لانتقاله إلى عيادة.
صرخة من مراكز الإيواء
وترسم نوفل مشهداً مثقلاً بالخسارات لما يدور خلف جدران المدارس المكتظة؛ حيث تختفي الخصوصية تماماً. وتقول: "نحاول هناك ترميم ارواحاً مشوهة بعثرتها أصوات الانفجارات ومرارة النزوح".
هذا الوجع الميداني تؤكده أيضاً عاملة اجتماعية في إحدى الجمعيات الناشطة (فضّلت عدم الكشف عن اسمها) لـ "المدن"، مستذكرةً موقفاً يختصر مرارة النزوح. فقد طرحت طفلة نازحة سؤالاً عقب انتهاء جلسة دعم نفسي قائلة: "هل يمكنني العودة معكِ إلى المنزل؟ لا أريدكِ أن تذهبي الآن". بدت كم هي بحاجة لمن يواسيها. لكن هذه العبارة يمكن تعميمها كصرخة لـ 1.2 مليون نازح يبحثون عن أمانٍ مفقود.
ويؤكد العاملون في مجال الدعم النفسي أن الأمل ينبع من شجاعة من يطلب المساعدة، وصمود من يستجيب لهم. لكن، كي يستمر هذا الأمل، يحتاج لبنان إلى رؤية تتجاوز منطق "الطوارئ" نحو دمج الصحة النفسية كجزء من إعادة بناء الإنسان، لأن الندوب التي لا تُرى، هي غالباً الأكثر فتكاً بمستقبل جيلٍ كامل.
المصدر: المدن
الكاتب: مالك دغمان
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|