تأجيل الانتخابات بين "الزمن التأسيسي" وهواجس إعادة رسم تمثيل المسيحيين
عاد في الأيام الأخيرة بقوة طرح مفاده أنّ موافقة القوى المسيحية على تأجيل الانتخابات النيابية قد لا تكون خطوة تقنية عابرة، بل هي مدخل إلى مسار أوسع يقود بعد عامين إلى انتخابات مختلفة جذرياً: لبنان دائرة واحدة خارج القيد الطائفي مع الحفاظ على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بالتوازي مع إنشاء مجلس شيوخ تطبيقاً لاتفاق الطائف.
هذا المناخ تعزز بعد كلام النائب نعمة افرام عن أن التأجيل قد يفتح الباب أمام "زمن تأسيسي عميق"، في إشارة فُهمت على أنها تمهيد لانتخابات خارج القيد الطائفي وإعادة النظر في قواعد التمثيل السياسي.
في الظاهر، يبدو الربط بين التأجيل وتغيير القانون قفزة في الاستنتاج، إذ لا نص دستوريا يفرض تلقائياً الانتقال إلى نظام جديد في حال التمديد أو التأجيل. غير أنّ التجربة اللبنانية تظهر أن كل فراغ أو استحقاق مؤجّل يتحول سريعاً إلى مساحة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول النظام. وهنا يكمن جوهر القلق المسيحي: الخشية أن يتحول التأجيل إلى فرصة لإعادة تركيب قواعد اللعبة تحت ضغط توازنات ديموغرافية وسياسية يعاد التذكير بها كلما اقترب موعد الانتخابات.
الحديث عن لبنان دائرة واحدة خارج القيد الطائفي ليس جديدا، بل هو جزء أصيل من فلسفة اتفاق الطائف الذي نصّ على إلغاء الطائفية السياسية كهدف مرحلي، مقابل إنشاء مجلس شيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية، فيما ينتخب مجلس النواب على أساس وطني غير طائفي. إلا أن هذا المسار بقي حبراً على ورق، فلم تنشأ الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، ولم يقر قانون مجلس الشيوخ، واستمر العمل بقوانين انتخاب تراعي القيد الطائفي في توزيع المقاعد.
الانتقال إلى نظام جديد يحتاج إلى توافق سياسي واسع وتشريعات متكاملة، وهو ما لم تتوافر مؤشراته العملية حتى الآن، لكن مجرد إدراجه في التداول السياسي في لحظة حساسة يعطيه بعداً مختلفاً.
اللافت في المرحلة الأخيرة هو عودة التركيز الإعلامي على "قضية العدد"، ولا سيما في وسائل إعلامية قريبة من "حزب الله"، حيث يطرح سؤال التمثيل على قاعدة التحولات الديموغرافية. هذا الخطاب استُخدم سابقاً ورقة ضغط تفاوضية يعلم معظم اللاعبين أنها غير قابلة للترجمة الفورية، غير أنّه اليوم يتقاطع مع ملف أكثر حساسية هو ملف السلاح.
في الكواليس معطيات عن أفكار طرحت ضمن مقاربات إقليمية، من بينها طرح مصري عن تنفيذ إصلاحات الطائف كنوع من التعويض الداخلي. لم يصدر موقف لبناني رسمي يتبنى هذا الربط، لكن اقترابه من الاستحقاق الانتخابي جعله يبدو كأنه جزء من معركة القانون نفسه.
من هنا يصبح السؤال أعمق من مجرد تعديل تقني. فالمناصفة التي كرّسها الطائف هي بين المسلمين والمسيحيين كطائفتين، لا بين المذاهب. حتى في نظام خارج القيد الطائفي يمكن نظرياً الحفاظ على 64 نائباً مسيحيا و64 مسلما، لكن طبيعة الدائرة الواحدة تعني لوائح عابرة للمناطق، وتحالفات كبرى، وتأثيرا أكبر للأحجام التصويتية الكبرى، كالكتلة الشيعية الموحدة في رسم النتائج.
الهواجس المسيحية لا تنطلق فقط من عدد المقاعد، بل من كيفية اختيار شاغليها ومن يتحكم في التحالفات الوطنية التي ستحدد هوية الكتل داخل المجلس.
حتى اللحظة، ما من مبادرة تشريعية متكاملة مطروحة رسمياً لإقرار قانون انتخاب جديد قبل الانتخابات المقبلة، ولا مسار واضحا لإنشاء مجلس الشيوخ. لكنّ المناخ السياسي يوحي بأن أي تأجيل، إن حصل، لن يقرأ بوصفه إجراء تقنيا، بل سيكون إشارة إلى استعداد لفتح ملفات تأسيسية. وهنا تتقاطع الحسابات الداخلية مع التوازنات الإقليمية، ويتحوّل قانون الانتخاب من نص قانوني إلى ورقة تفاوض في بازار أوسع يتصل بمستقبل النظام ودور السلاح وحدود الدولة.
الخلاصة أن الربط الحتمي بين تأجيل الانتخابات والذهاب إلى لبنان دائرة واحدة خارج القيد الطائفي ليس مساراً آليا ولا قرارا متخذا، لكنه احتمال يستخدم اليوم في سياق شدّ الحبال السياسي. وبين من يعتبره ابتزازا ظرفيا يعرف الجميع أنه صعب التحقق، ومن يراه مدخلا فعلياً إلى إعادة صياغة العقد الوطني، يبقى الثابت أن أي مساس بالاستحقاق الانتخابي سيعيد طرح السؤال الأكبر: هل نحن أمام استكمال بنود الطائف المؤجلة، أو أمام إعادة توزيع أوراق القوة داخل الصيغة نفسها؟
اسكندر خشاشو - "النهار"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|