حملة واسعة في بعلبك… "الجمارك" تصادر كميات كبيرة من البضائع المهرّبة
الانتخابات أولاً والتنفيذ شمال الليطاني بدأ
ليست المسألة موعداً انتخابياً فحسب، بل اختبار لجوهر الدولة نفسها: هل ما زال في لبنان مرجعية دستورية تعلو على المصالح، أم أنّ كل استحقاق قابل للتعليق بقرار سياسي عابر؟
في لحظة يختلط فيها النقاش الدستوري بالمصالح والحسابات الظرفية، لتأجيل الانتخابات النيابية، يرسم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خطاً فاصلاً بين مفهوم الدولة ككيان مؤسساتي دائم، ومنطق التعطيل كأداة ضغط عابرة.
الرئيس الذي أقسم على الدستور، اختار أن يعود إليه لا كنص محفوظ، بل كعقدٍ مُلزِم، متمسكاً بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها، ضمن معادلة مفادها أنّ صدقية الدولة تبدأ من احترام المهل. وكل تأجيلٍ يُضاف إلى سجلّها هو اقتطاع جديد من رصيد الثقة، داخلياً وخارجياً.
الانتخابات البلدية والاختيارية أُنجزت في مناخ شبيه من التشكيك والتخويف. قيل يومها إنّ الظروف لا تسمح، وإنّ الأولويات مختلفة. لكنّ الدولة مضت، ولم يسقط السقف. اليوم، يُعاد المشهد نفسه. الفارق أنّ رئيس الجمهورية حَسَم مبكراً بأنّ الاستحقاق النيابي ليس ورقة تفاوض ولا مادة مقايضة، بل واجب دستوري. وليس دقيقاً أنّ الموفدين العرب والدوليِّين طرحوا التأجيل.
في البُعد الأمني، لا تقلّ الصورة وضوحاً. المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة شمال الليطاني بدأت، وهي ليست تفصيلاً تقنياً، بل مؤشر إلى أنّ قرار احتكار الدولة للقوّة الشرعية خرج من دائرة الخطاب إلى مسار التنفيذ. قد يكون التنفيذ متدرّجاً، وقد تحدّه الإمكانات، لكنّ الاتجاه ثابت: لا سيادة من دون سلاح شرعي واحد، ولا استقرار طويل الأمد من دون مرجعية أمنية موحّدة.
وفي موازاة ذلك، يتحرّك الرئيس على خط خفض التوتر الإقليمي. دعواته المتكرّرة إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية، ولو تدريجياً وضمن مهلة محدَّدة، ليست طرحاً إنشائياً. فكل تهدئة على الحدود توسّع هامش الدولة في الداخل، وتُسقط ذرائع الخارج عن الداخل. من هنا، فإنّ أي تقدّم على هذا المسار يعزّز مناخ استكمال خطة حصرية السلاح بدل تعطيلها.
صحيحٌ أنّ لبنان لا يعيش في فراغ. المفاوضات الأميركية - الإيرانية في جنيف ترسم جزءاً من المشهد الإقليمي، وقد تنعكس على توازنات المنطقة. لكنّ ربط الاستحقاق الدستوري بنتائج تلك المفاوضات هو تكريس ضمني لعجز الدولة عن إدارة شؤونها بذاتها. الدولة التي تنتظر تسوية الخارج لتُجري انتخاباتها، تكون قد اعترفت ضمناً بأنّها لم تستعد قرارها.
ثمّة مَن يرى في هذا المسار جرأة زائدة، أو مثالية سياسية. غير أنّ مراجعة الوقائع تُظهر مساراً متكاملاً لإنجازات لم نكن لنحلم بها قبل سنة: قرار حصرية السلاح وتنفيذه جنوب الليطاني، بدء التنفيذ شمال الليطاني، ترسيم الحدود مع قبرص، إقرار قانون استقلالية القضاء، تحديث الإطار التشريعي للقطاع المصرفي، الفجوة المالية وإنجاز الموازنة ضمن مهلة دستورية. قد لا تُنهي هذه الخطوات أزمة متجذرة منذ عقود، لكنّها تُعيد الانتظام إلى مؤسسات اعتادت الفوضى.
لا أحد يملك عصا سحرية لإعادة بناء دولة أنهكها تراكم الفساد والحروب والانقسام على مدى عقود. لكنّ التاريخ لا يرحم اللحظات التي يُتاح فيها الخيار ثم يُهدَر. والرهان اليوم ليس على شخص، بل على فكرة: إمّا دولة تحترم مواعيدها وتستعيد تدريجياً قرارها السيادي، وإمّا استمرار ثقافة التأجيل وربط كل استحقاق بتوازنات الخارج.
جورج سولاج - الجمهورية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|