الصحافة

شبكة أمان داخلية وخارجية تحافظ على السلم الاهلي في لبنان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تحوّل الحفاظ على السلم الأهلي في لبنان إلى ضرورة تتقاطع عندها إرادات دولية وعربية ومحلية، في ظل إدراك واسع بأن أي انزلاق أمني أو صدام داخلي لن يبقى محصوراً ضمن الحدود اللبنانية، بل سيشكل مدخلاً لاضطرابات أوسع في منطقة تعيش أصلاً على وقع تحولات استراتيجية متسارعة. هذا التقاطع يعكس قراءة متقدمة لمخاطر المرحلة، حيث بات واضحاً أن استقرار لبنان، ولو بالحد الأدنى، يشكل جزءاً من منظومة توازنات إقليمية دقيقة، ما دفع عواصم القرار إلى إعطاء أولوية لتثبيت الاستقرار الداخلي ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهات مفتوحة.

في هذا السياق، برز موقف حازم للسلطات الدستورية اللبنانية، التي تعاملت مع التحديات الداخلية من منطلق منع الانزلاق إلى أي صدام، سواء ارتبط ذلك بملف حصرية السلاح أو بالاستحقاقات الدستورية والسياسية. هذا الموقف يعكس إدراكاً رسمياً بأن أي معالجة متسرعة أو تصادمية لهذه الملفات قد تؤدي إلى نتائج عكسية تهدد الاستقرار. وفي هذا الإطار، تَعتبر أوساط سياسية مطلعة أن المقاربة المعتمدة تقوم على مبدأ التدرج والاحتواء بدل المواجهة، وعلى أولوية حماية السلم الأهلي كقاعدة أساسية لأي إصلاح أو إعادة تنظيم للحياة السياسية والمؤسساتية.

وتشير هذه الأوساط إلى أن السلطات الدستورية، وفي مقدمها رئاسة الجمهورية والحكومة، تتعامل مع الملفات الحساسة ضمن إطار سياسي وطني جامع، يوازن بين متطلبات السيادة ومتطلبات الاستقرار، وبين الضغوط الخارجية والواقع الداخلي المعقد. وتؤكد أن القرار واضح بعدم السماح بتحويل أي خلاف سياسي إلى مواجهة داخلية، وأن ثمة التزاماً رسمياً بإدارة التباينات ضمن المؤسسات الدستورية ومن خلال الحوار، بعيداً من أي تصعيد قد يهدد التوازنات القائمة.

في موازاة ذلك، تشهد الساحة اللبنانية نقاشات معمّقة بين مختلف القوى السياسية، في محاولة لتحصين الواقع الداخلي ومنع انتقال التوترات السياسية إلى الشارع. وقد أخذت هذه النقاشات طابعاً أكثر جدية في الفترة الأخيرة، بعدما وصلت حدة الخطاب السياسي والإعلامي إلى مستويات غير مسبوقة، ما أثار مخاوف جدية من تداعيات أمنية محتملة. غير أن المؤشرات الأخيرة توحي بأن هذه الحوارات بدأت تؤتي ثمارها، حيث سُجّل تراجع ملحوظ في منسوب التوتر السياسي والإعلامي، في انعكاس مباشر لتفاهمات غير معلنة تقوم على ضبط السجالات وتفادي أي خطوات استفزازية.

وتوضح الأوساط نفسها أن هذا التراجع في التصعيد لم يكن عفوياً، بل جاء نتيجة جهود سياسية مركزة شاركت فيها السلطات الدستورية إلى جانب قوى سياسية أساسية، بهدف إعادة ضبط الإيقاع الداخلي ووضع خطوط حمراء أمام أي مسار تصعيدي. كما أن الاتصالات التي جرت بعيداً من الأضواء أسهمت في تبديد الكثير من الالتباسات، وفتحت الباب أمام إعادة بناء حد أدنى من الثقة بين القوى المختلفة سياسيا، بما يسمح بإدارة الخلافات ضمن سقوف سياسية قابلة للاحتواء.

في البعد الخارجي، يتضح أن الاهتمام الدولي والعربي باستقرار لبنان لم يتراجع رغم انشغال المنطقة بأزمات متعددة، بل على العكس، ثمة حرص واضح على منع انهيار الوضع الداخلي، باعتبار أن لبنان يشكل نقطة تماس حساسة في معادلة التوازنات الإقليمية. ويعكس هذا الحرص إدراكاً بأن أي انفجار داخلي سيؤدي إلى تداعيات تتجاوز البعد اللبناني، سواء لجهة التأثير على أمن الحدود أو على مسار التسويات الإقليمية الجاري العمل عليها.

وفي هذا السياق، تتقاطع التقديرات السياسية عند نقطة أساسية مفادها أن الحديث عن فصل الملفات الإقليمية عن بعضها البعض لا يعكس الواقع الفعلي، إذ إن مختلف أزمات المنطقة مترابطة بشكل عضوي، وأي تقدم في أحدها ينعكس تلقائياً على المسارات الأخرى. ولبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، يشكل جزءاً من هذه المنظومة المتشابكة، ما يجعل استقراره مرتبطاً إلى حد كبير بمسار التطورات الإقليمية.

وتشير القراءة السياسية إلى أن أي تسريع في مسارات التسوية في المنطقة، سواء على مستوى النزاعات المفتوحة أو إعادة ترتيب العلاقات بين القوى الإقليمية، سينعكس إيجاباً على لبنان، من خلال تخفيف الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها. كما أن هذا المناخ سيساهم في تعزيز فرص تثبيت الاستقرار الداخلي، ويفتح الباب أمام إعادة تفعيل المؤسسات الدستورية ومعالجة الملفات العالقة ضمن مناخ أقل توتراً.

في المحصلة، يبدو لبنان في هذه المرحلة تحت تأثير شبكة أمان متعددة المستويات، تتقاطع فيها الإرادات الداخلية مع الضمانات الدولية والعربية، بهدف منع الانزلاق إلى الفوضى. ورغم استمرار التباينات السياسية العميقة، إلا أن ثمة قناعة متزايدة لدى مختلف الأطراف بأن كلفة الانفجار الداخلي ستكون أكبر بكثير من أي مكاسب سياسية محتملة، ما يدفع الجميع إلى التعامل مع المرحلة بمنطق الاحتواء والتبريد. وبين الضغوط الإقليمية والضرورات الداخلية، يتقدم خيار التهدئة كمسار إلزامي، ليس فقط لتجنب الأسوأ، بل لتهيئة الظروف أمام مرحلة جديدة قد تحمل فرصاً لإعادة بناء الاستقرار على أسس أكثر صلابة.

داود رمال – "اخبار اليوم"

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا