الصحافة

“حماس” تخسر كلّ أوراقها: هل وقعت في فخ ترامب؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

حركة حماس خارج السلطة في غزّة رسميّاً، إلّا أنّ خطابها السياسيّ بات أيضاً خارج الواقع الذي صنعته عمليّة طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل 2023. تعاند الوقائع في وقت تفتقر فيه إلى خطاب مناسب للمرحلة وتوازناتها. لم تبارح “حماس” موقع الدفاع عن نفسها كحالة تنظيميّة، فيما المطلوب منها أن تكون على مستوى الحدث، سياسيّاً على الأقلّ.

أوضحت حركة حماس داخل فلسطين وخارجها مواقفها الرافضة لمتطلّبات المرحلة الثانية لخطّة ترامب، قبيل انطلاق أعمال “مجلس السلام” في 19 الشهر الجاري. هذا المجلس أعلن الرئيس الأميركيّ إنشاءه في 15 كانون الثاني الماضي، وتشكّل فعلاً على هامش مؤتمر دافوس من 20 دولة في الأقلّ، مع عدد آخر يتردّد في الانضمام، أو حتّى المشاركة في أعماله، لأسباب مختلفة.

كان مجلس الأمن الدوليّ قد وافق في قراره رقم 2803 الصادر في تشرين الثاني 2025 على تأسيس “مجلس السلام” وعلى دوره بشأن غزّة، وهو إعادة إعمار القطاع، وإدارته، وإنعاش اقتصاده. لكنّ الجهاز التنفيذيّ، لهذا المجلس أو قوّة الاستقرار، مكلّف بتطبيق المرحلة الثانية من الخطّة الأميركيّة، التي تقضي بنزع سلاح “حماس” والفصائل بشكل أساسيّ، ووقف إطلاق النار بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين، وإدارة الشؤون الأمنيّة والإنسانيّة.

حركة حماس خارج السلطة في غزّة رسميّاً، إلّا أنّ خطابها السياسيّ بات أيضاً خارج الواقع الذي صنعته عمليّة طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل 2023

حرق ورقة الأسرى

اضطرّت حركة حماس إلى الموافقة على المرحلة الأولى من الخطّة، في خطوة براغماتيّة لوقف حرب الإبادة الإسرائيليّة. لكنّها قدّمت تنازلات خطيرة عندما قبلت بإطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليّين الـ48 الباقين لديها مع تسليم جثث الموتى كلّهم حتّى الذين قضوا قبل الحرب الأخيرة، مقابل 250 أسيراً فلسطينيّاً من أصحاب الأحكام المؤبّدة، و1,700 فلسطينيّ من غزّة اعتُقلوا بعد 7 تشرين الأوّل 2023، من دون الحصول على كلّ جثث الشهداء الفلسطينيّين.

أعلنت “حماس” استعدادها لتسليم السلطة في غزّة إلى تكنوقراط فلسطينيّين مستقلّين. باختصار، تخلّت الحركة عمّا ظنّته طوال الحرب ورقة الضغط الأساسيّة بيدها، أي الأسرى الإسرائيليّين، أحياء وأمواتاً، فيما تبيّن أنّ هذه الورقة كانت دائماً الذريعة الإسرائيليّة لإبادة غزّة بشراً وحجراً. وبالإضافة إلى أنّها لم تحصل على ما يتناسب بالمقابل مع حجم التضحيات الهائلة، باتت الحركة ملزَمة بالتنازل عن السلاح وعن الحكم، من دون ضمانات حقيقيّة بالتوصّل إلى سلام عادل نسبيّاً مع إسرائيل، بما يعني سلوك الطريق نحو حلّ الدولتين وفق القرارات الدوليّة، أي انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلّة عام 1967.

هذا الوضع المستجدّ، والشديد الاختلال، وغير المسبوق تاريخيّاً، منذ نكبة عام 1948، وبما ينسف كلّ منجزات المقاومة الفلسطينيّة ومكتسباتها حتّى بعد اتّفاقيّات أوسلو بين عامَي 1993 و1995، تواجهه حركة حماس بنبرة عالية لا تتوافق مع موازين القوى العسكريّة الراهنة، بعد خسارة الشعب الفلسطيني لآخر منطقة جغرافيّة كان فيها المقاومون يحظون بخلاف الضفّة الغربيّة بهامش معقول من تراكم القوّة الدفاعيّة، وذلك على الرغم من الحصار المفروض على قطاع غزّة منذ فوز “حماس” بالانتخابات التشريعيّة عام 2006. وهذا الوضع على مساوئه كان أفضل نوعيّاً وبما لا يُقاس من الحالة الأخيرة بعد طوفان الأقصى.

مطالب “حماس” غير المتوازية

تطالب حركة حماس “مجلس السلام”، الذي أنشأه ترامب، بتطبيق المرحلة الثانية من خطّة الرئيس الأميركيّ كما تراها هي أو تتخيّلها، وكأنّها خطّة رديفة تفرضها “حماس” بقواها الذاتيّة، بينما من المعلوم أنّ الهدف الموازي لهذه الخطّة بعد وقف إطلاق النار وإعمار القطاع، هو فعل كلّ ما هو ممكن لضمان أمن إسرائيل، ويعني ذلك تجريد غزّة من السلاح الثقيل على الأقلّ، ومن الأنفاق.

بحسب تصريحات الناطق الرسميّ باسم “حماس” حازم قاسم، ينبغي تحويل وقف إطلاق النار من حالة مؤقّتة إلى حالة مستدامة، ووقف خروقات الاحتلال، مع استشهاد نحو 500 فلسطينيّ منذ دخول الاتّفاق حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأوّل الماضي بمعدّل 5 شهداء يوميّاً، وإلزام الاحتلال الإسرائيليّ بفتح المعابر، ورفع القيود المفروضة على إدخال المساعدات والإغاثة العاجلة، ووقف القصف والنسف داخل الخطّ الأصفر وخارجه، أي في المنطقة التي تحتلّها القوّات الإسرائيليّة حاليّاً وفي النصف الآخر.

شدّد قاسم على ضرورة “تجنيد دعم سياسيّ وماليّ واقتصاديّ لإطلاق إعمار حقيقيّ يتناسب مع واقع غزّة وثقافة سكّانها وأهدافهم السياسيّة، من دون إغفال الحقوق السياسيّة والوطنيّة الأساسيّة للشعب الفلسطينيّ”. تترجم هذه العبارة إلى أقصى حدّ مستوى الخطاب الحمساويّ المنفصل عن الواقع، فهو يتحدّث عن “إعمار حقيقيّ”، وأن يكون هذا الإعمار “متناسباً” مع واقع غزّة وثقافة السكّان والأهداف السياسيّة أيضاً، كمراعاة وجود الأنفاق مثلاً. وهذا مؤدّاه أن لا يكون إعمار أبداً في المدى المنظور.

أمّا رئيس المكتب السياسيّ لحركة حماس في الخارج خالد مشعل فأكّد خلال مشاركته في جلسة بمنتدى الجزيرة السابع عشر بالدوحة أنّ حركة حماس منفتحة على مقاربات واقعيّة تقوم على “الضمانات”، وليس على نزع السلاح، مشيراً إلى أنّ الحركة طرحت عبر الوسطاء، قطر ومصر وتركيا، صيغاً تشمل تهدئة طويلة الأمد (بين خمس وعشر سنوات)، ووجود آليّات دوليّة لمنع التصعيد، رافضاً في الوقت نفسه أيّة وصاية خارجيّة أو محاولات لإعادة إنتاج الانتداب (عن طريق قوّة الاستقرار).

اعتبر مشعل أنّ إفشال مشروع التهجير كان من أعظم إنجازات هذه المرحلة. ورأى أنّ المطلوب هو استثمار نتائج “طوفان الأقصى” وحرب الإبادة، وإجبار إسرائيل على دفع ثمن جرائمها، عبر التأكيد أنّ أصل المشكلة هو وجود الاحتلال، وأنّ استمراره هو سبب عدم الاستقرار في المنطقة، بل وفي الساحة الدوليّة أيضاً. ومؤدّى هذه المواقف تعطيل المرحلة الثانية من خطّة ترامب واستئناف حرب الإبادة.

إنّ قراءة “حماس” لِما جرى منذ طوفان الأقصى يمكن اختصارها بأنّها مستندة إلى فكرة أنّ العمليّة العسكريّة في غلاف غزّة كانت إنجازاً تاريخيّاً، وأنّ القضيّة الفلسطينيّة تقدّمت إلى الأمام بفضل هذه العمليّة، ولذا لا ينبغي لحركة حماس أن تتنازل أمام الاحتلال الإسرائيليّ الذي يحتلّ مباشرة نصف القطاع الآن تقريباً، ويعتدي على نصفه الآخر، علماً أنّها فقدت معظم أوراقها الأساسيّة، وهي تضع الشعب الفلسطينيّ في الزاوية الحادّة من دون أفق واضح. فهل أوقعت “حماس” إسرائيل في الفخّ أم وقعت هي في فخّ نتنياهو؟ ومَن الذي حقّق أهدافه القوميّة أكثر، إسرائيل أم “حماس”؟

فخّ نتنياهو؟

كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أخيراً أنّ رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو كان على علم بتحضيرات “حماس” للهجوم على غلاف غزّة بين عامَي 2018 و2020، على الرغم من نفيه المتكرّر، وذلك من خلال التقارير الاستخباريّة التي حملت أخيراً اسم “جدار أريحا”. وتتضمّن الوثيقة التي كتبها “خبراء في شؤون حماس” معلومات شاملة عن هجوم منسّق ومتعدّد الجبهات ضدّ القواعد العسكريّة الإسرائيليّة والتجمّعات المدنيّة جنوبيّ إسرائيل. ليس هذا الكشف جديداً، بل تكرّر الحديث عنه في الصحافة الإسرائيليّة، وقد تكون له علاقة مباشرة بالتحضيرات للانتخابات العامّة الإسرائيليّة أواخر هذا العام. قد يؤثّر لاحقاً في تحديد المصير السياسيّ لنتنياهو، دون أن يعني بأيّ حال أنّ خليفة نتنياهو سيكون متساهلاً مع “حماس” أو مستعدّاً لنشوء دولة فلسطينيّة إلى جانب إسرائيل، فالمزاج الإسرائيليّ بات أبعد ما يكون عن السلام مع الفلسطينيّين. وهذا ما يفرض على السلطة وعلى المقاومة في فلسطين والخارج مراجعة المرحلة السابقة منذ أوسلو حتّى اليوم، لاتّخاذ القرارات الوطنيّة المناسبة على غير طريقة انفراد “حماس” بالقرار الاستراتيجيّ واحتكار الخطاب السياسيّ. كلّ محاولات الاستمرار وكأنّ شيئاً لم يحدث لا تخدم هدف الحدّ الأدنى (إقامة الدولة الفلسطينيّة في الضفّة والقطاع)، ولا حتّى ما هو أقلّ منه بكثير.

هشام عليوان -اساس

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا