الصحافة

أحمد الشرع ليس الحل

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتكاثر في الفضاء اللبناني أصوات تهدد "حزب الله" بجيش أحمد الشرع. هذه الأصوات تخطئ الحساب على المستوى التحليلي، وتجانب الصواب على المستويين الأخلاقي والوطني، وتسيء إلى مستقبل العلاقات اللبنانية السورية التي آن لها أن تستقر بعد عقود من الأزمات المتناسلة. النقمة العميقة من سلاح الميليشيا الشيعية مفهومة طبعًا، ولكنها لا تبرّر التلويح المتزايد مؤخرًا بورقة أحمد الشرع.

أقول إن الاستقواء ضد "حزب الله" بالشرع يخطئ الحساب على المستوى التحليلي لسبب بسيط: إسرائيل لن تسمح للشرع بإدخال جيشه إلى لبنان حتى ولو تحمّس هو لمغامرة سورية جديدة عندنا. معروف أن حافظ الأسد دخل لبنان عام 1976 فقط بعد الحصول على موافقة إسرائيلية. وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر أقنع الإسرائيليين يومها أن انتشار رجال الأسد في لبنان يبقى أفضل من سيطرة ياسر عرفات وحلفائه عليه، وأن الأسد قادر على لجمهم. لا شيء يشي اليوم أن أحمد الشرع يمكن أن يحصل على قبول إسرائيلي بإرسال جيشه إلى لبنان يحاكي الضوء الأخضر القديم زمن حافظ الأسد لأسباب عديدة، منها أن الدولة العبرية قادرة على منع "حزب الله" من إعادة تنظيم أموره بنفسها، وليست مضطرة لاستدعاء وكيل لا تثق به، أو بالمحور الإقليمي الذي يدعمه. ليس بدون معنى أن إسرائيل لم تسمح للشرع حتى الساعة بالتقدم صوب جبل الباشان. ومن لن يسمح لأحمد الشرع باستعادة السويداء، دع عنك الجولان، من الصعب أن يقبل به في لبنان.

ولكن حتى لو وضعنا العامل الإسرائيلي جانبًا، يبقى التلويح بدور سوري جديد في لبنان مرفوضًا ولو كاحتمال نظري. في الحقيقة، أن تدخل سوريا لبنان يعني أن نستبدل تبعية بلادنا لطهران بتبعيتها لدمشق، وأن ننتقل من حكم الأصوليين الشيعة، خريجي مدرسة الخميني، إلى حكم الأصوليين السنة، خريجي مدرسة القاعدة، ومن توتر بين شيعة لبنان والمكونات الأخرى بسبب النقمة على إيران ورفض استقواء الشيعة بها، إلى توتر بين سنة لبنان والمكونات الأخرى بسبب النقمة على سوريا ورفض استقواء السنة بها. وكل ما سبق ليس حلًا لمشاكلنا بل إعادة إنتاج لها بمعطيات مختلفة.

استطرادًا، من مصلحة لبنان، كما من مصلحة سوريا، أن تستقر العلاقة بينهما، وشرط الاستقرار مزدوج: من جهة، أن يتجاوز العقل السوري خرافة أن لبنان محافظة سليبة ينبغي استعادتها للوطن الأم، أو بالحد الأدنى السيطرة عليها. ومن جهة ثانية، أن تتوقف الهويات اللبنانية العابرة للحدود عن استدعاء سوريا إلى لبنان، لأن صديق مكوّن لبناني عدو مكون آخر، ما يجعل من استدعاء أي لاعب خارجي كاسر للتوازن القلق بين جماعات لبنان مدخلًا للحرب الأهلية فيه. ثم إن وعي اللبنانيين لم يشفَ بعد من إرث حافظ الأسد المرير عندهم، وأحمد الشرع سيصطدم لو تقدم صوبنا بعصب محلي لا يريده في لبنان تمامًا كما لم يرد حافظ الأسد قبله.

سوريا ولبنان دولتان جارتان مستقلتان. ما ارتكبته الأنظمة السورية المتعاقبة بحق لبنان جريمة. ما ارتكبه "حزب الله" بحق السوريين جريمة أيضًا. كي لا نعود إلى ما سبق، ينبغي للأمور أن تستقيم وفق معادلة واضحة: سوريا دولة أجنبية بالنسبة للبنان، والعكس صحيح. التواصل بينهما يتم عبر السفارات، ووفق أصول العلاقات الدولية وقوانينها. مشاكل سوريا تحلّها سوريا، ومشاكل لبنان يحلّها لبنان. وعندما تتداخل المشاكل، كما يحدث أحيانًا بين الدول الجارة، فالحل أيًا كان لا يكون بأن ترسل دولة جيشها لاحتلال الدولة الثانية.

ما العمل بحزب الله؟ إما سحب سلاحه فورًا، وبعدها طرح مسألة النظام. وإما ترك سلاح الشيعة للشيعة، في مناطق الشيعة، وقبرصة لبنان، ثم طرح مسألة النظام في المنطقة الخالية من "حزب الله". الأكيد أننا لا نريد العيش مع سلاح "حزب الله" إلى الأبد. والأكيد أيضًا أن النظام المركزي لا يناسب لبنان، وأن لا مفر من طرح مسألة النظام أيًا كانت الاحتمالات المقبلة. ولكن ما هو أكيد أكثر أننا لا نريد تجربة احتلال سوري جديدة في بلادنا. سيكون مفيدًا لو يحترم المستقوون اللبنانيون بأحمد الشرع ضد "حزب الله" حساسية لبنانية لن يكون استنفارها ضد السوريين لو عبروا الحدود مجددًا أقل من استنفارها الحالي ضد الميليشيا الشيعية. 

هشام بو ناصيف-نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا