أين إيران من استقالة صفا؟
أحدث الإعلان يوم الجمعة الماضي عن استقالة وفيق صفا من منصبه القيادي في “حزب الله” ضجة ما زالت تردداتها تتوالى حتى الآن. وذكرت الأنباء أمس أنّ خروج صفا من منصب رئاسة “وحدة الاتصال والتنسيق” يرتبط بعملية إعادة تنظيم صفوف الحزب الذي ضربه الزلزال الإسرائيلي عام 2024 فأفقده قائده التاريخي حسن نصرالله، وألحق بالتنظيم خسائر فادحة لم يعرف لها مثيلاً منذ نشأته في منتصف ثمانينات القرن الماضي. وقفز إلى الواجهة تكهّن بأنّ مرجعية الحزب في طهران هي التي تقود الآن عملية إعادة تأهيل الحزب بما ذلك عزل صفا عن منصبه.
ماذا حدث حتى جاءت قصة استقالة رئيس أحد أبرز الأجهزة في “حزب الله” لكي تفتح ملف إعادة تنظيم الحزب في صورة علنية بشكل ليس مألوفاً لدى كيان يعيش في العتمة على غرار هيكل الجمهورية الإسلامية التي يقودها الآن المرشد علي خامنئي؟
يقول متابعون لـ”حزب الله”، أنّ نبأ استقالة صفا الذي وزعته الجمعة وكالة (رويترز) سلط الأضواء على أنّ الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم يعاني من مشكلة عدم القدرة على الإمساك بمفاصل النفوذ في الحزب منذ تسلمه منصبه عقب اغتيال نصرالله في أيلول 2024 وخليفته هاشم صفي في الشهر التالي من ذلك العام على يد إسرائيل. ويعترف قاسم شخصيا بأنّ صفات سلفه نصرالله ليست متوافرة عنده، ما يعني أنّ هناك صدمة لم تخمد حتى الآن في صفوف الحزب الذي ما زال مصدوماً من هذا التبدّل القسري في أعلى الهرم في الحزب. وأشار هؤلاء المتابعون على سبيل المثال لا الحصر، أنه كان مألوفاً في زمن نصرالله أن يلوذ قياديو الحزب بالصمت عندما يعلن أنّ أمينه العام بصدد إلقاء كلمة. لكن هذه القاعدة اختفت كلياً منذ تولي قاسم منصب الأمانة العامة في الحزب، وصار مألوفاً في اليوم الذي يطل فيه قاسم لإلقاء كلمة، أن يطل أيضاً قياديون في الحزب لإلقاء كلمات حتى ولو بدا أنّ الأمر بمثابة “دوبلة” على خطاب قاسم.
غير أنّ هذا التفلت بلغ مستوى لم يعد قاسم معه قادراً على التعايش معه. وبدا أنّ سلوك صفا تعامل معه الأمين العام لـ”حزب الله” وكأنه خطر يهدد نفوذه وسيؤدي إذا لم يتم احتواؤه إلى تهديد سلطة قاسم الفعلية داخل الحزب. وتفيد بعض المعلومات أنّ حادثة إضاءة صخرة الروشة التي قادها صفا مباشرة على المستوى الميداني العام الماضي هي عينة من الأزمة، حيث ضرب خلالها صفا بعرض الحائط كل التفاهمات التي أنجزها “حزب الله” مع السلطات الرسمية كي يحيي المناسبة. وأدى الأمر إلى طلب قاسم تدخل طهران كي تخرجه من هذه الورطة.
في موازاة ذلك، استعاد المراقبون كيفية تثبيت قاسم في منصبه أميناً عاماً للحزب، وفُهِم أنّ المرشد خامنئي شخصياً أشرف على تثبيت قاسم في منصبه في ضوء التململ الذي رافق قرار انتخاب قاسم خلفاً لنصرالله وصفي الدين. وعلى ما يبدو ومنذ البداية، لم تكن علاقة وفيق صفا بالأمين العام الجديد على ما يرام. إذ لم يكن سهلاً أن يصبح قاسم آمراً لصفا بعدما اعتاد الأخير لفترة طويلة أن يعمل لدى رب عمل واحد منحه كلّ الثقة منذ بداية مشواره الحزبي ألا وهو نصرالله. وهنا، تعود إلى الذاكرة الواقعة الشهيرة التي ارتبطت بصفا عندما هدّد من قصر العدل المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت في آب 2020. وأتى التهديد بتكليف مباشر من نصرالله.
في أي حال، تدخلت طهران كي تحمي نفوذ نعيم قاسم الذي صار في دائرة عناية خامنئي. لكن في الوقت نفسه سارع رئيس المجلس السياسي في “حزب الله” محمود قماطي، إلى الإعلان “إنّ وفيق صفا كان له تاريخ ودور كبير في مهمته التي كان مكلفًا بها”، موضحًا أنّه “من الممكن أن يستلم دوراً أهم من دوره السابق”. وشدد على أنّ “صفا شخصية أساسية في “حزب الله”، واستقال من مهامه، وليس من حزب الله”. وبدا تصريح قماطي بمثابة وضع اليد على ملف لم يعتد الحزب عليه من قبل. علماً أنّ تقاليد الاستقالة الطوعية ترتبط بالعالم الديموقراطي الذي لا صلة لـ”حزب الله” به على الإطلاق.
ما حصل مع القيادي في “حزب الله” ليس سوى جزءاً من أحداث يستعد الحزب لملاقاتها في مرحلة تجعله في مهب عاصفة تغيير تطاول الآن إيران نفسها التي تمر باختبار المفاوضات مجدداً مع الولايات المتحدة الأميركية. وفي تحليل نشرته “نيويورك تايمز” أمس حمل عنوان “يعود ترامب إلى الدبلوماسية مع إيران، لكن الطريق صعب”. وجاء في تحليل الصحيفة الأميركية: “المطالب الأميركية، كما صيغت في الأصل، هي أن تسلم إيران كل اليورانيوم المخصب لديها، خاصة حوالي 440 كيلوغراماً بدرجة قنبلة تقريبا، وهو ما يكفي لـ 10 أسلحة؛ وأن تحدّ من مدى صواريخها الباليستية بحيث لا تصل إلى إسرائيل؛ وأن يتم إنهاء دعم إيران لميليشياتها الإقليمية الوكيلة مثل “حماس” و”حزب الله” والحوثيين”.
وقالت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاثام هاوس للصحيفة: “ما هو مثير للاهتمام حقاً هو أنّ إيران تواصل الإصرار على إطار تفاوضي كما لو لم يتغير شيء أو أنه لا يوجد تهديد داخلي من الاحتجاجات أو من أسطول ترامب وتهديداته”.
وتتابع النيويورك تايمز: “لكن هناك أيضاً شكوك حول ما يمكن أن يحققه التدخل العسكري. حتى لو قطع الأميركيون رأس الجمهورية الإسلامية، وقتلوا المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والعديد من كبار جنرالات الحرس الثوري الإسلامي، فإنّ فرص ظهور حكومة ديمقراطية ضئيلة. ويقترح المحللون أنّ الحكومة العسكرية الأكثر تشدداً تحت العلم الإسلامي هي من قد تقرر السباق نحو سلاح نووي كأفضل ردع ضد الهجمات المستقبلية”.
وفي السياق، قالت تريتا بارسي، الباحثة في إيران في معهد كوينسي للحكم المسؤول في واشنطن: “هناك وجهة نظر قوية من الجانب الإيراني بأنّ ترامب لديه نظرة مفرطة ومبالغ فيها عن ضعف إيران. وإذا كان من المقرر أن تنجح الدبلوماسية، يعتقد هؤلاء الإيرانيون أنّ حرباً قصيرة ومكثفة قد تكون ضرورية لتصحيح تصور ترامب وإجباره على تبني مطالب أكثر واقعية. حتى لو تكبدت إيران خسائر كبيرة في مثل هذه الحرب، سيتكبد أيضاً الأميركيون والإسرائيليون خسائر، في وقت يبدو إنّ ترامب أقل تسامحاً مع الخسائر أو الحرب الطويلة”.
بالعودة إلى لبنان، تشير المعطيات المستقاة من النيويورك تايمز أنّ خيار الحرب ما زال وارداً عند إيران، ما يعني أنّ “حزب الله” سيكون طرفاً فيها بقرار إيراني. وهنا، يجب الإدراك أنّ تدخل إيران لترتيب البيت الداخلي لـ”حزب الله” وتنحية وفيق صفا من منصبه هو من أجل ضمان انتظام الحزب في الحرب المقبلة من دون أية عوائق.
أحمد عياش -”هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|