هيئتا المهندسين في "التيار" في بيروت وطرابلس تضعان كامل إمكانياتهما بتصرّف السلطات
مارون والموارنة…. والدور الضائع
تتخطّى ذكرى عيد القديس مار مارون الأبعاد الدينية الليتورجية في لبنان، لتعيد تسليط الضوء على دور الموارنة في فكرة قيام لبنان، مع البطريرك الأول يوحنا مارون، وعلى الدور المسيحي في بلورة كيان لبناني مستقل. كيانٌ شكّل مع الوقت محطة التقاء وتعايش بين جميع مكوّناته، التي وصلت، عن قناعة، إلى رفع شعار “لبنان أولاً”، خلافاً لإرهاصات “حزب الله” التدميرية ومحاولات قيادته المتعاقبة ربط جزء من المكوّن الشيعي بولاية الفقيه وإيران.
تكتسب استعادة سيرة مار مارون اليوم أهمية كبرى، عشية إعادة رسم ملامح الشرق الأوسط ومستقبل المنطقة… ولبنان. لم يكن مار مارون سياسياً بالمعنى الرخيص الذي تمارسه الطغمة الحاكمة المتحكمة بمصير اللبنانيين وأموالهم ومستقبلهم. إنما ساهمت سماته الروحية والإنسانية في بلورة أنموذج سلوكي وفكري تُرجم بخيارات وطنية وسياسية راقية، تتخطى الاستثمار الرخيص في التعداد الطائفي والمذهبي، ولا سيما عشية الانتخابات النيابية، ودفع المسيحيين إلى الخوف على الشراكة والنفوذ في ظل المعادلات الديموغرافية المستجدة.
اختار مار مارون حياة النسك في العراء، متقشفاً في الصلاة والتأمل، بعيداً عن السلطة والنفوذ والمكاسب الدنيوية. عاش حراً من الداخل، متحرراً من أي قوة زمنية.
ورغم نسكه، لم يكن منغلقاً. عاش بين الناس، استقبلهم، صلّى لأجلهم وخدمهم، ولم يعتزل بيئته وناسه.
تجذّر في الأرض، وفي الطبيعة الجبلية وصلابتها. واستعادة هذا التجذّر، رغم التحديات التي واجهها، رسالة إلى الجيل الشاب للاقتداء بمار مارون، ومواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية، والحد من الهجرة، والعمل على استعادة الدور الذي أرساه تاريخياً للموارنة من أجل التلاقي والشراكة الحقيقية مع باقي المكوّنات الوطنية. وذلك بعيداً عن القصور والقلاع التي يتحصّن خلفها بعض موارنة اليوم لتأجيج خوفهم من المستقبل، وانغلاقهم عن الآخر، واتخاذ قرارات سياسية بعيدة كل البعد عن الهوية المسيحية المارونية ودورها.
لم يستمد مار مارون قوته من الصدام، بل من الهدوء. لم يكن قائداً عسكرياً ولا صاحب سلطة زمنية، لكن تأثيره وقوته الروحية الهادئة والعميقة وغير الاستعراضية حجزت حضوره عبر القرون، وفرضت للموارنة من بعده دوراً ريادياً، جعلوا من لبنان رسالة ومختبراً للعيش المشترك.
لم يربط الحضور بحقوق الجماعة (الطائفة)، ولم يبنِ مجده على خطاب الخوف من الآخر. بل أرسى دوراً ريادياً للموارنة من بعده، وللبطاركة منذ البطريرك الأول يوحنا مارون إلى البطريرك الياس الحويّك ومار نصرالله بطرس صفير، ليؤكد كلٌّ منهم، رغم التحديات والصعاب، أنّ الموارنة ولبنان توأمان متلازمان، لا وجود لأي منهما دون الآخر.
لم يُصب بمرض “موارنة المرحلة” وخوفهم من الآخر… أيّاً يكن. كان زاهداً في السلطة، واختار التأثير عبر أعماله لا عبر تسليط نفسه قائداً على جماعته. لم يكن متمسكاً بموقع، ولم يسعَ إلى مركز أو نفوذ.
وحّد الجماعة حول دور ورسالة، لا حول زعيم. تلاميذه من بعده حملوا نهجه وروحانيته، وبشّروا بالمارونية كحركة إيمانية وروحية جامعة. لم يعبدوا شخصاً ولا سلطة ولا مالاً… ولا زعيماً، أسوةً بكثير من الموارنة والمسيحيين اللبنانيين الذين يستغلون انتماءهم الطائفي لتحقيق مكاسب سلطوية وانتخابية. وينتهج بعض موارنة اليوم خطاب الخوف من الآخر، في إسقاطٍ لأبرز ما قام به الموارنة عبر التاريخ، وتقويضٍ للكيان اللبناني الذي كانوا سبّاقين في المطالبة بقيامه والعمل لأجله.
أمام التحديات الجمة التي يعيشها لبنان، وعشية الاستعداد لإعادة تكوين السلطة التشريعية، تبرز حاجة مسيحية ووطنية للتوقف عند دور مار مارون والاقتداء به، من أجل بلورة خطاب ماروني – مسيحي وطني، يرسّخ الوحدة الداخلية والمصلحة الوطنية، ويؤمن مشاركة فاعلة في النقاشات الوطنية الكبرى، للخروج من الفجوة التشريعية والمالية والسياسية التي ارتضتها الطغمة الحاكمة أن تكون على حساب اللبنانيين وأموالهم، وديمومة مؤسساتهم واقتصادهم.
في هذا المسار، لا يكفي التمسك بأمجاد الماضي؛ بل ينبغي العمل بحكمة ورؤية استراتيجية تؤمّن للبنان مستقبل الدولة المدنية الحاضنة للجميع، وتضمن للموارنة والمسيحيين، كما لجميع الشركاء، مكانتهم، ليكونوا جزءاً فاعلاً في صناعة سلام المنطقة واستقرارها.
طوني كرم ـ”هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|