ما الذي يعنيه أن تُدمَّر قرية؟ رحلة في بلدة حولا الجنوبية
في ذاكرة ملاك شريم، لا تستعاد حولا من خلال البيوت والشوارع وحدها، بل من خلال العلاقات التي كانت تجمع أهلها وتفاصيل الحياة اليومية بينهم. تستحضر ملاك صور التكافل التي ميّزت البلدة، من مشاركة الأهالي في مراسم تشييع أحد أبنائها والذهاب إلى الدفن والجبانة.
ومن أبرز مظاهر هذا التكافل عادة «النقايضة» التي تقوم على تبادل المساعدة بين الجيران، ولا سيما خلال مواسم زراعة التبغ. فعندما ينشغل أحدهم بالزراعة، يهبّ جيرانه لمساعدته، وحين يحين دورهم، يردّ لهم المساعدة.
وتستعيد ملاك أيضًا مشهدًا كان يتكرر بعد ظهر كل يوم، حين كان نحو ثلاثة أرباع أبناء البلدة يخرجون للتنزه على «الخط»، وهو الطريق العام الذي يربط حولا بمركبا وميس الجبل، هناك، كان الأهالي يلتقون ويتبادلون الأحاديث، قبل أن يجتمعوا مساءً حول النار للسهر معًا.
وحين تحاول ملاك استحضار المكان الذي تشتاق إليه، لا تختار زاوية بعينها من حولا، بل تستعيد صورتها كاملة. تبرز تلة العباد أولًا في ذاكرتها، ومنها يمتد المشهد إلى تلال البلدة وبيوتها وحركتها وأهلها. تقول: «أنا لا أشتاق إلى مكان واحد بعينه، بل أشتاق إلى حولا كما كانت، بكل تفاصيلها والحياة التي كانت تجمعنا فيها قبل الحرب».
إذًا، فالرحلة إلى حولا، خلال هذا التقرير، ليست محاولة لاستعادة صورة قرية جنوبية دمّرتها الحرب فحسب، بل محاولة لفهم ما الذي يعنيه أن تُدمَّر قرية؟ وماذا يبقى من القرية حين تُقتلع مقومات الحياة فيها؟ وهل تكفي إعادة بناء الحجر كي تعود حولا إلى أهلها؟
هنا يصبح السؤال عن إعادة إعمارها أكبر من مجرد بناء ما تهدّم وحتى نفهم ما الذي يعنيه أن تُدمَّر حولا، أو أي قرية أخرى، لا بد من العودة أولًا إلى صورة البلدة التي كانت قائمة قبل الحرب بكل ما تختزنه؛ العودة إلى جغرافيتها وبيوتها وأحيائها ومساحاتها الخضراء وناسها وذكرياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والثقافية، وإلى ما كان يمنحها خصوصيتها بوصفها قرية ذات طبيعة ريفية وتراث عمراني غني.
حولا التي كانت قبل الحرب: عمران وذاكرة ومقومات حياة
الآن، سأخذكم في جولة على البلدة، وهي من ضمن 24 قرية يفوق دمارها 90%، وبذلك تكون حولا نموذجًا يمكن القياس عليه.
تمتد القرية موضوع البحث على مساحة تقارب 15 كيلومترًا مربعًا، وتتوزع مبانيها السكنية على عدد من التلال والأحياء، فيما تُعرف نواتها الرئيسية باسم: «حارة تحت الحجة». وتضم البلدة أحياءً وتلالًا عدة، أبرزها: الوسيطة، الساقية، الأرئاف، القعدة، العباد، تل الهمبل، الرويسة، المرج، الدير، الشمالية، والطيري، حيث يتركز القسم الأكبر من المساكن على المرتفعات.
أما عمرانها، فكان يحمل ملامح من الذاكرة المعمارية للقرى الجنوبية، من خلال البيوت التراثية ذات القناطر، إلى جانب البيوت الطينية التي احتفظت بعناصر البناء التقليدي، مثل التبانة والمحمل والخشب والكواير. وهي ليست مجرد مكونات من الباطون والحديد، بل تفاصيل تشكل جزءًا من هوية المكان وذاكرته وطريقة عيش أهله، إلا أن هذه البيوت والمعالم التراثية لم تسلم من الحرب، إذ دُمّرت وفق ما يرويه مختار البلدة محمد شريم.
وفي مقابل هذا الإرث العمراني، شكّلت المساحات الحرجية الخضراء إحدى أبرز سمات حولا الطبيعية، فقد احتضنت أشجار السنديان والبطم والملول، إلى جانب أشجار معمّرة، وتوزعت أحراجها بين وادي إسطبل، الواقع جنوب غربي البلدة، والسلوقي، والجابية، والساقية، وخلة النبعة، وخلة البلوط، ووادي البياض، والكساير.
مع الإشارة إلى أن البلدة كانت قد شهدت عمليات تشجير قبل الحرب في عدد من المواقع والمحميات، أبرزها دبشة البير ودبشة الملاحة ودبشة القعقور، بمبادرات وجهود من أبناء البلدة أنفسهم. ولم تكن المساحات الخضراء محصورة بالأحراج، بل امتدت إلى الحدائق والساحات العامة المجهّزة بألعاب للأطفال والمقاعد، والتي احتضنت مناسبات واحتفالات مختلفة، لتشكّل مساحات للقاء الأهالي والتفاعل الاجتماعي.
حين تُدمّر مقومات الحياة
فماذا كانت تضم القرية موضوع البحث؟ على سبيل المثال لا الحصر، يوجد في حولا ثلاث محطات للمحروقات، وعددًا من التعاونيات الاستهلاكية الكبرى، وخمسة أفران للمناقيش، ومعصرتين للزيتون، إلى جانب الملعب البلدي والنادي الثقافي ودار للعجزة، كما انتشرت فيها مؤسسات متخصصة في بيع الأدوات الصحية والبلاط والتجهيزات المنزلية، وقد دمرت كلها.
وامتدت الخدمات إلى تأمين المياه، إذ ضمّت البلدة محطتين لتكرير المياه وتوفيرها مجانًا للأهالي؛ الأولى قدّمتها الكتيبة الإسبانية، والثانية تبرّعت بها عائلة آل قطيش. وكانت هذه المرافق جزءًا من شبكة خدمات اعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية، قبل أن تطالها الحرب وتدمرها وتخفي معالمها، شأنها شأن المؤسسات التربوية والصحية والاجتماعية.
ونتابع هنا ما خلفته الحرب من خسائر بالتفاصيل، لأن التفاصيل وحدها قادرة على إعطاء نظرة معمقة إلى الواقع. فقد دُمّرت المدرسة الرسمية في البلدة، والمؤلفة من ثلاثة مبانٍ، ودمرت مدرسة إعدادية جبل عامل الخاصة، إلى جانب تدمير مستوصف مؤسسة الدكتور راجح الخيرية. كذلك جُرفت الآبار الارتوازية، ودُمّر مشروع المياه الذي يتألف من ثلاثة خزانات، فيما لم تسلم المعالم الأثرية في البلدة، إذ دُمّرت جميعها، مع تدمير وتجريف وأضرار طالت المقابر الثلاث: جبانة الوزاني، وجبانة المرج، وجبانة الحارة الشمالية.
ولا تقتصر صورة الدمار على الأبنية التي سُوّيت بالأرض، إذ تشير الصور الجوية، بحسب المختار، إلى أن بعض المباني التي لا تزال قائمة جزئيًا قد لا تكون صالحة للسكن، ويُرجّح أن بعضها بقي نتيجة استخدام الجيش الإسرائيلي له، فيما تعرّض بعضها الآخر للحرق، ما أفقده إمكانية الاستفادة منه.
ويعد طقس حولا وموقعها الجغرافي، إلى جانب طابعها العمراني، من عوامل استقطاب الزوار إليها، بحسب ما يصرح المختار محمد شريم لموقع جنوبية. فارتفاعها عن سطح البحر بحوالي 700 إلى 900 متر، وتساقط الثلوج سنويًا، أضفى عليها طابعًا مناخيًا وطبيعيًا مميزًا، ولتقريب الصورة أكثر، فالبلدة يحدّها شرقًا مستوطنة المنارة وموقع العباد وبلدة هونين المحتلة، وشمالًا بلدة مركبا، وجنوبًا ميس الجبل، وغربًا بلدتا شقرا ومجدل سلم.
ولا تقتصر خصوصية حولا على طبيعتها الجغرافية، بل تمتد إلى تركيبتها الاجتماعية والعائلية. فبحسب مختار البلدة محمد شريم، تضم حولا 52 عائلة موزعة على نحو 324 سجلًا، ويزيد عدد سكانها على 13 ألف نسمة، فيما يبلغ عدد المقيمين الدائمين فيها نحو 6 آلاف نسمة. وتضم البلدة ستة مخاتير، إلى جانب بلدية مؤلفة من 15 عضوًا، وتُعدّ عائلات ياسين وطاهر وقاسم ومرتضى من أكبر عائلاتها.
من هنا يمكن فهم أن القرية ليست مجرد مجموعة من الأحياء السكنية المحاطة بالمساحات الزراعية والحرجية. ويصفها المختار بقوله: «كانت حولا بلدة متكاملة تتوافر فيها مقومات الحياة اليومية والخدمات الأساسية، وتؤدي دورًا يتجاوز تلبية احتياجات سكانها إلى استقطاب أبناء القرى المجاورة للتسوق وتأمين مستلزماتهم».
العودة تصطدم بحجم الدمار
بالعودة إلى ملاك شريم، لم تكن الصور الجوية التي وصلتها مجرّد توثيق لما حلّ بحولا، بل مواجهة مباشرة مع حجم دمار لم تستطع تصوّره، رغم قربها من البلدة ومتابعتها لما يجري فيها. فهي تقيم نازحة في بلدة لا تبعد سوى مئات الأمتار عن حولا، وتسمع وترى إحراق الأراضي وتفجير المنازل وتجريفها.
وتستعيد ملاك اللحظة التي رأت فيها تلك الصور، قائلة: «حينها شكرت ربي أنهم أرسلوا إلينا الصور الآن، حتى نكون مستعدين نفسيًا لما قد نراه عند العودة». وتضيف في تصريحها لجنوبية: «مهما كنت مدركة لوجود الدمار، ومهما تابعت الأخبار وشاهدت ما يجري، تبقى الصورة الحقيقية أقسى بكثير من كل ما يمكن أن أتخيّله».
ومع هذا المشهد، لا تنفصل فكرة العودة عن شروطها الأساسية، فالأمان، بحسب ملاك، هو المدخل الأول لعودة الأهالي وبدء إعادة بناء حياتهم، تليه المياه والكهرباء والإنترنت، بوصفها من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها.
يُقال، الشيطان يكمن في التفاصيل. في الحالة اللبنانية، ولا سيما في جنوب لبنان، وتحديدًا في القرى التي تجاوزت نسبة الدمار فيها 75%، تبرز صعوبات كبيرة أمام إعادة إعمارها، فالمسألة اليوم تختلف عمّا كانت عليه في الحروب السابقة، وتحديدًا في حربي 2006 و 2024، إذ إن حجم ما جرى تجريفه خلال الحرب الأخيرة عام 2026 وحتى اليوم في القرى الحدودية، وكميات الأنفاق ومخازن الأسلحة والمراكز العسكرية لحزب الله التي جرى تفجيرها من قبل العدو الإسرائيلي في قرى مثل محيبيب وبيت ليف ومارون الراس وعديسة وكفركلا وغيرها، أمور يصعب إدراك حجمها، وتتطلب تفكيرًا هندسيًا متقنًا لابتكار الحلول المناسبة لها، إن وُجدت مثل هذه الحلول الهندسية.
إعادة إعمار القرية أبعد من ترميم المنازل
من النافل القول، أن عملية إعادة الإعمار يجب أن تضمن عودة الحياة إلى القرية، وهذا يتطلب توفير عوامل إضافية مرافقة لها، من بينها الضمانات التي ستُعطى للسكان للعودة إلى هذا المكان. فالحنين والتمسّك بالأرض والتغني بالإرادة والصمود والمقاومة لا تكفي أحيانًا لحل هكذا أزمات. هناك أسئلة يجب أن تنوجد لها إجابات: هل ستعود الحرب من جديد؟ وهل ستكون الحياة بعد إعادة الإعمار شبيهة بتلك التي عاشها سكان هذه المدينة أو القرية قبل النكبة التي حلّت بهم وبقراهم؟ وكم بلغت مدة القطيعة التي قضاها سكان هذه القرية بعيدًا عن منازلهم؟
فالتهجير لمدة سنة يختلف عن التهجير لمدة عشر سنوات أو عشرين سنة، إذ إن البشر يتكيفون مع الظروف، ويبدأون بتأسيس حيوات جديدة كلما طالت مدة ابتعادهم عن منازلهم. وعندها، يصبح من الصعب عليهم اقتلاع أنفسهم مرة بعد مرة، وإعادة توطين أنفسهم في المكان. لذلك، يُعدّ الوقت عاملًا مهمًا ومؤسسًا في هذه المسألة، وله تبعات نفسية واجتماعية. لذا، فإن مفهوم إعادة إعمار المنزل لا يعني إعادة الإعمار بمفهومها الشامل، فالأمران مختلفان كليًا.
سنوات لترميم ما دمّرته الحرب
في هذا الصدد، يعتبر المهندس محمد عمر، الحاصل على دبلوم في الهندسة المعمارية والماجستير في هندسة الحدائق، أن: «إعادة إعمار القرى المدمّرة كليًا قد تتطلب سنوات حتى في حال انسحاب العدو الإسرائيلي اليوم وتوافر التمويل غدًا»، ويلفت إلى أنه بحسب حجم الدمار الذي لحق بكل قرية يمكن حينها تحديد المدة اللازمة لعملية إعادة إعمارها.
من الناحية الهندسية والعلمية، يشدد عمر على أنه حين يشمل الدمار قرية بأكملها، لا بد من البدء بوضع تخطيط جيد لضمان نجاح عملية إعادة الإعمار، مع الأخذ في الاعتبار العوامل السياسية والمالية ومتطلبات الشفافية في هذه العملية، سيما في بيئة غير مساعدة كالبيئة اللبنانية لما فيها من تقاطعات فساد وقضايا هدر على حساب المواطن.
ويشير إلى أنه لا يمكن تحديد ميزانية لإعادة إعمار مدينة أو قرية من دون إجراء تقييم ومسح شاملين لحجم الدمار، إذ توجد تكاليف غير مباشرة قد يتعذّر توفيرها. ويتطلب التقييم النظري في طبيعة الدمار، وأنواع المباني وتاريخها ومواقعها، وعدد الوحدات السكنية التي تضمّها، وما إذا كانت ذات طابع تراثي أم لا، إضافة إلى كلفة إعادة بناء الحيّز العام المحيط بها.
ومن هنا، بحسب تصريحه لجنوبية: «تنطلق النظرة من المستوى الجزئي إلى المستوى الأشمل؛ فإعادة إعمار منزل يقع وسط حيّ مدمّر بالكامل، أو إعادة بناء قرية تقع ضمن مجموعة من القرى المحيطة بها والمُدمّرة أيضًا، كلها عوامل يجب فحصها ودراستها».
ويلفت إلى أن هناك خدمات أساسية وحيوية لا غنى عنها في كل قرية: إعادة تأهيل البنية التحتية، بما يشمل الكهرباء وشبكات الصرف الصحي والإنارة والمواصلات، وإنشاء شبكة من الطرقات تربط أجزاء القرية بعضها ببعض، وتصلها بالعالم الخارجي المحيط بها. كل ذلك، بحسب رأيه: «يجب أن يأتي وفق منهجية علمية وضمن سلة متكاملة».
هل يمكن أن تستعيد القرية روحها بعد إعادة الإعمار؟
إعادة الإعمار لا تقف عند هذا الحد الهندسي، هي ليست مسألة تقنية بحتة. بالنسبة للمهندس محمد عمر، هناك جانب إنساني جوهري في الهندسة وفي إعادة الإعمار: فالقرية، كما يرى، عبارة عن علاقات اجتماعية، روابط عائلية، نسيج عمراني، إرث عائلي وثقافي، تراث، وذاكرة تاريخية ممتدة، ونسيج متشعب ومعقد من العلاقات بين المكان والناس التي تشكل هذه القرية، وليست: «مجرد مجموعة من الأبنية والطرقات».
ويتابع المهندس شرحه التفصيلي معتبرًا أنه في القرية هناك نقاط التقاء تجمع الناس فيها كساحة القرية وساحة المسجد والكنيسة والحديقة والملعب والجبانة والسهل والجرد والبيدر والأنهار والأمكنة الأثرية والمعالم التراثية والمعالم الطبيعية، والمدرسة والمستوصف والسوق التجاري، إلى جانب المهن التراثية والأشغال اليدوية، ويتساءل: «هل المال يمكن إعادة كل ذلك إلى طبيعته الأصلية؟!».
ويُضاف إلى ذلك كل ما يتعلق بالزراعة، من أراضٍ وغيرها، وهي قطاعات ومكونات معرّضة للتلوث والحرق والقطع والتدمير، وتتطلب إعادة إحيائها وقتًا طويلًا، لأن استعادة مقوماتها ليست مسألة سهلة.
أرض بلا حياة!
لم تكن الزراعة في حولا نشاطًا اقتصاديًا هامشيًا، بل شكّلت مصدرًا أساسيًا لدخل عدد كبير من سكانها، وارتبطت بها دورة حياة اقتصادية واجتماعية امتدت عبر أجيال. فقد تنوّعت المحاصيل بين الأشجار المثمرة وكروم العنب والخضراوات المزروعة في الخيم الزراعية، إلى جانب القمح والحبوب والتبغ والزيتون. وكانت البلدة تضم أشجار زيتون معمّرة يزيد عمر بعضها على 500 عام، اقتُلع معظمها خلال الحرب الإسرائيلية.
ولم تقتصر خسارة هذا القطاع على الأشجار والمحاصيل، إذ كانت حولا تنتج سنويًا نحو 50 طنًا من زيت الزيتون، يُسوّق جزء منها في القرى المجاورة، فيما يُصدّر الجزء الآخر إلى الخارج. ويقدّر المختار خسائر قطاع الزيتون بنحو 60%، في ظل اقتلاع معظم الأشجار المعمّرة وتضرر الأراضي الزراعية.
في حولا كانت هناك أربع برك زراعية، هي بركة الحجر وبركة الطيري وبركة القدام وبركة الأرئاف، كانت تؤدي دورًا في دعم النشاط الزراعي، إذ تتجمع فيها مياه الأمطار خلال الشتاء ويستفيد منها المزارعون في ريّ محاصيلهم، ولا سيما التبغ. لكن الخيم الزراعية تعرّضت للتجريف، فيما أُحرقت الأحراج وجُرّفت وفُجّرت، وأصيبت الثروة الحرجية والأشجار المثمرة بأضرار واسعة.
أما الثروة الحيوانية، فكانت لها حصة كبيرة من الخسائر. فقد اضطر السكان إلى مغادرة البلدة خلال شهر رمضان، عند وقت السحور، من دون أن يتمكنوا من أخذ ممتلكاتهم أو إنقاذ مواشيهم. ويشير المختار إلى أن مربي الأبقار والأغنام والدواجن لم يتمكنوا من إنقاذ مصادر رزقهم، فنفقت أعداد كبيرة من الحيوانات، بينها مئات الأبقار والأغنام. كذلك دُمّر مصنع إنتاج الأجبان والألبان في البلدة، والذي كان يشكّل جزءًا من النشاط الإنتاجي المحلي.
وامتدت الأضرار إلى زراعة القمح والحبوب، التي يعتمد عليها عدد من أبناء البلدة، وإلى مطحنة كانت مخصصة لهذه الغاية. كما دُمّرت مئات خلايا النحل، فيما لا يزال مصير الخلايا المتبقية مجهولًا. ويلفت المختار إلى أن حولا تضم نحو 15 إلى 20 مربّي نحل، وتُعدّ مناحلهم من الأكبر في الجنوب، ما يجعل الخسارة التي لحقت بهذا القطاع جزءًا إضافيًا من تراجع النشاط الاقتصادي والإنتاجي في البلدة.
أما عن ملاك شريم وعائلتها، فلم تكن الزراعة عملًا يمارسه أفراد هذه العائلة لتأمين دخلهم فحسب، بل كانت جزءًا من يومياتهم، مهنة نشأت عليها وتعلّمت تفاصيلها منذ الصغر. بين التبغ وكروم العنب والملوخية في حولا والوزاني ومرج الخيام، تشكّلت علاقة عائلتها بالأرض، التي كانت تحتاج إلى رعاية مستمرة وصبر حتى تعطي محصولها. لكن النزوح فرض مسافة قسرية بينها وبين تلك الأراضي، بعدما بات الوصول إليها متعذرًا بسبب الاحتلال.
بلدة تُمحى من الخريطة
بعد أن بلغت نسبة الدمار فيها نحو 60% خلال حرب إسناد غزة عام 2024، وفق تقديرات المختار، جاءت حرب إسناد إيران عام 2026 لترفع نسبة الدمار إلى أكثر من 98%، وتطال ما تبقى من المباني والبنى التحتية. وتشير معلومات المختار إلى أن شبكات المياه والكهرباء اقتُلعت بالجرافات، وأن الحرب الأخيرة قضت على ما تبقى من البلدة، فبحسب الصور الجوية والمشاهدات التي تُنقل عبر الكاميرات والمناظير من البلدات المحيطة، فإن الدمار يبدو شاملًا.
لا يرى المختار أن بالإمكان تقدير الكلفة الإجمالية للأضرار في الوقت الراهن، قبل إجراء مسح شامل على الأرض، خصوصًا أن عمليات التجريف والتفجير والتدمير والحرق والتخريب لا تزال مستمرة، وتتغير معها معالم المكان يومًا بعد يوم. وفي وصفه لما آلت إليه حولا، يستعيد المختار صورتها قبل الحرب، حين كانت، على حد تعبيره: «حديقة مثمرة بأهلها وناسها وشجرها وحجرها وشبابها».
فالبلدة لم تكن بالنسبة إلى سكانها مجرد مساحة سكنية، بل مكانًا احتضن مبادرات اجتماعية وثقافية وترفيهية سعى أبناؤها من خلالها إلى جعلها «بلدة نموذجية». ويستحضر المختار في هذا السياق العشاء القروي والأنشطة الثقافية والمسابقات الشعرية والألعاب الترفيهية، ومنها سباقات الدراجات والحمير، وهي مناسبات كانت تجمع الأهالي وتمنح الحياة العامة في البلدة طابعًا خاصًا.
الكلفة التي لا تنتهي عند الدمار: النزوح وإعادة بناء الحياة
يحكي المحامي وفيق غنوي، 70 عامًا، لموقع جنوبية، عن الذكريات التي فقدها. ففي ساحة البلدة، كان يتجمع أهالي البلدة من الختايرة للنقاش، وكانوا يطلقون على الجلسة اسم «المحككة»، وكان ينضم إلى والده في تلك الجلسات. هي أمكنة تحمل ذكريات، وقد تغيّرت ملامح هذه الأمكنة أو اندثرت كليًا.
يشير غنوي إلى أنه خسر منزل أهله وخسر بنايته «سنتر غنوي»، المؤلفة من عدة طوابق، كان قد خصصها لأولاده، وكان يتأمل الاستقرار في حولا. فهو كان قد انتقل للعيش كليًا في البلدة حين ناهز الـ65 عامًا، لكن حسابات البيدر لم تكن كحسابات الحقل. يصرّح غنوي في حديثه عبر الهاتف، بالقول: «كل تعبي وشغلي وتعويضاتي وضعتها في حولا، وتركت قريتي غصب عني، وحتى مكتبي ومنزلي في الضاحية الجنوبية قد دُمّرا».
يتأمل غنوي بأسى، كحال كثر من أهل الجنوب، أن تعود الأرض، مشيرًا: «صحيح راحت البيوت، بس يا ريت ترجع الأرض، صح أنا كبير بالعمر بس ممكن بعد إلحق أعمل شي بالحياة، مستعد إبني غرفتين أو إشتري بيت حديد أو بيت خشب جاهز، المهم إزرع أرضي وإلتقي أهل بلدي، بس يمكن هذا صار صعب أو حلم يحلم به أهالي الجنوب». ويختم بالقول: «السؤال الأساسي: هل سنعود؟». لكن شروط العودة بالنسبة إليه مشروطة بتوفر الخدمات، في الوقت الذي دُمّرت فيه كل معالم البلدة.
من جهته، يرى الكاتب والصحافي الاقتصادي منير يونس، أن كلفة الحرب لا تقتصر على ما تدمّر من منازل وممتلكات وبنى تحتية، بل تمتد إلى الخسائر الاقتصادية والاجتماعية التي يخلّفها النزوح، وإلى الوقت والموارد اللازمين لاستعادة الحياة في القرى المتضررة.
وفي هذا السياق، يشرح يونس أن: «النزوح القسري من قرية ما لا يعني خسارة مكان الإقامة فحسب، بل خسارة جزء من دورتها الاقتصادية والاجتماعية». فسكان القرى ليسوا مجرد مقيمين فيها، بل هم منتجون في قطاعات مختلفة، زراعية وتجارية وخدماتية. ومن هنا، تقع الخسارة على مستوى الأفراد من حيث الدخل، وعلى مستوى القرية من حيث الناتج المحلي.
ويضيف يونس أن الأسر المهجّرة تضطر إلى الانتقال إلى مساكن جديدة وتحمل نفقات غير متوقعة قد تفوق قدرتها، ما يجعل النزوح عبئًا مضاعفًا عليها.
ويختصر يونس هذه المعادلة بالقول: «هناك كلفتان: كلفة دمار المكان في القرية، وكلفة النزوح إلى مكان جديد». فالنزوح الطويل، وفقًا له، لا يغيّر مكان إقامة العائلات فحسب، بل يؤثر في دورتها الاقتصادية والاجتماعية، ويشكّل «محاولة اقتلاع من الجذور»، تستتبعها محاولة للتأقلم مع واقع جديد.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|