إقتصاد

عن غالون البنزين الذي أسقط الجمهوريين

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يكن غالون البنزين مجرد تفصيل اقتصادي في الانتخابات الأميركية النصفية التي جرت أمس. لقد تحوّل إلى عنوان سياسي اختصر جانباً أساسياً من المزاج الشعبي الأميركي، وأظهر كيف يمكن لقرار عسكري يُتخذ في الشرق الأوسط أن يعود بتداعياته إلى الداخل الأميركي، وصولاً إلى صناديق الاقتراع.

فالرئيس دونالد ترامب الذي دخل الانتخابات مدعوماً بأكثرية جمهورية في مجلسي النواب والشيوخ، خرج منها أمام واقع سياسي مختلف تماماً. الديمقراطيون انتزعوا السيطرة على المجلسين، في نتيجة عكست غضباً شعبياً من ارتفاع تكاليف المعيشة، ومن تداعيات الحرب مع إيران، فضلاً عن ملفات أخرى تتصل بأداء الإدارة والفساد والسياسات الداخلية. ولم يكن تفصيلاً أن يقرّ ترامب بأن الحرب وارتفاع أسعار الوقود أثّرا في أداء الجمهوريين الانتخابي، بعدما أصبح الأميركي يلمس كلفة المواجهة في حياته اليومية، عند كل محطة وقود.

بهذا المعنى، لم تكن الانتخابات مجرد تبديل في موازين القوى داخل الكونغرس، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي لسياسات الإدارة الأميركية، وخصوصاً لمدى استعداد الناخب الأميركي لتحمّل أعباء اقتصادية إضافية نتيجة انخراط بلاده في مواجهة عسكرية مفتوحة أو طويلة الأمد.

لكن السؤال الذي يتجاوز واشنطن هو: ماذا يعني أن يدخل ترامب عاميه الأخيرين في البيت الأبيض أمام كونغرس يسيطر عليه خصومه الديمقراطيون، وهل ينعكس هذا التحول على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وتحديداً على الحرب مع إيران، والعلاقة مع إسرائيل، والملف اللبناني؟

من الناحية الدستورية، لا تعني خسارة الجمهوريين الأكثرية في مجلسي النواب والشيوخ أن ترامب فقد صلاحياته الرئاسية، أو أن الديمقراطيين أصبحوا قادرين على فرض سياسة خارجية جديدة على البيت الأبيض. فالرئيس لا يزال يمتلك صلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية وقيادة القوات المسلحة، كما يستطيع استخدام حق النقض ضد القوانين التي لا يوافق عليها.
لكن ما تغيّر هو البيئة السياسية والتشريعية التي سيعمل ضمنها. فالديمقراطيون باتوا قادرين على إدارة اللجان البرلمانية، وفتح تحقيقات في قرارات الإدارة، واستدعاء المسؤولين، وممارسة رقابة أشد على الإنفاق والسياسات الحكومية. وفي مجلس الشيوخ، تصبح المصادقة على التعيينات العليا، بما فيها التعيينات الدبلوماسية والقضائية، أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الإدارة.
والأهم أن الكونغرس يملك نفوذاً أساسياً في إقرار الموازنات وتخصيص الأموال. وهذا يعني أن أي مواجهة عسكرية طويلة أو طلب تمويل إضافي للعمليات الخارجية قد يتحول إلى مادة اشتباك سياسي وتشريعي بين البيت الأبيض والكونغرس.

بمعنى آخر، يستطيع ترامب أن يواصل إدارة الملفات الخارجية، لكنه لن يتمتع بالهامش التشريعي والسياسي نفسه الذي كان متاحاً له في ظل أكثرية جمهورية في المجلسين. وقد يجد نفسه مضطراً إلى احتساب كلفة كل خطوة خارجية على جبهته الداخلية، بعدما أظهرت الانتخابات أن الناخبين لا يفصلون بالضرورة بين السياسة الخارجية وكلفة المعيشة.

ومن الطبيعي أن يكون الملف الإيراني في صدارة الملفات التي ستتأثر بهذا التحول. فالحرب مع إيران كانت من العوامل التي ساهمت في ارتفاع أسعار الطاقة، وأصبحت كلفتها الاقتصادية والسياسية جزءاً من النقاش الانتخابي الأميركي.

ومع انتقال الأكثرية إلى الديمقراطيين، يُتوقع أن يزداد الضغط البرلماني على الإدارة لتوضيح أهداف الحرب، ومدتها، وكلفتها، والآفاق التي تسعى إلى بلوغها. وقد يستخدم الديمقراطيون صلاحيات الرقابة والتمويل للضغط في اتجاه خفض التصعيد، أو لمنع تخصيص أموال إضافية لعمليات لا تحظى بتوافق سياسي واسع.

لكن ذلك لا يعني أن الحرب ستتوقف حكماً، أو أن واشنطن ستتخلى عن أهدافها في مواجهة إيران. فالرئيس يحتفظ بهامش واسع للتحرك العسكري، فيما يبقى تأثير الكونغرس مرتبطاً بطبيعة القرارات المطروحة، وحجم الاعتمادات المطلوبة، ومدى وجود تأييد كافٍ داخل المجلسين لتقييد خيارات الإدارة.

وهنا تبرز مفارقة أخرى: قد يكون الناخب الأميركي قد عبّر عن رفضه لتحمّل كلفة الحرب، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يطالب بانسحاب أميركي كامل من المنطقة، أو بالتخلي عن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة فيها.

وفي رأي المراقبين السياسيين أنه لا يمكن فصل تداعيات الانتخابات عن العلاقة الأميركية - الإسرائيلية. فالديمقراطيون داخل الكونغرس ليسوا كتلة واحدة في مقاربة إسرائيل، لكن الأصوات المطالبة بمراجعة المساعدات العسكرية، أو وضع شروط على بعض أشكال الدعم، باتت أكثر حضوراً في النقاش السياسي الأميركي.

ومع سيطرتهم على المجلسين، يصبح في إمكانهم توسيع الرقابة على صفقات السلاح والمساعدات، وفتح نقاشات حول شروط استخدامها، والضغط على الإدارة لتقديم توضيحات بشأن العمليات العسكرية والسياسة الإسرائيلية في المنطقة. إلا أن أي تغيير تشريعي كبير سيصطدم بدوره بحق النقض الرئاسي، وبالانقسامات داخل الحزبين، وباستمرار صلاحيات البيت الأبيض في إدارة العلاقة مع إسرائيل.

لذلك، لا ينبغي قراءة النتائج باعتبارها انقلاباً تلقائياً في السياسة الأميركية تجاه تل أبيب، بل باعتبارها انتقالاً إلى مرحلة قد تصبح فيها المساعدات والقرارات العسكرية أكثر عرضة للنقاش والمساءلة داخل المؤسسات الأميركية.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا