الإجتماع الرّباعي بين تسرّع إسلام أباد وهُدوء طهران
لا يمكن إلا التوقف ملياً عند الإجتماع الرباعي الذي عُقد أمس، وجمع وفداً من الدول الموقّعة على اتّفاقية مكة للدفاع المشترك، ضمّ الوفد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير ورئيس الإستخبارات التركي إبراهيم قالن، بمسؤولين إيرانيين في مقدّمهم رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسعود بازشكيان، والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي.
يندرج هذا الإجتماع في سياق المبادرة التي طُرحت خلال زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران، غير أن النتائج المتوخاة منه بدت محكومة بالفشل قبل أن يبدأ . فوفقاً لما أعلنته مصادر سعودية يتمثّل الهدف من اللقاء في دعم جهود الوساطة التي تقودها قطر وباكستان، وتعزيز مسارات الحوار والحلول الدبلوماسية، بما يتيح احتواء التوترات القائمة بين واشنطن وطهران، والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية جديدة. في المقابل أعلنت الخارجية الإيرانية إنها ستتناول ما وصفته بالنهج التوسعي الإسرائيلي، وتداعيات الإعتداء العسكري على إيران. كما أكّدت أن اللقاء قد يشكّل أرضية لتوسيع نطاق التعاون في مجال ضمان الأمن الإقليمي بين دولها.
يطرح التباين بين الأهداف المعلنة للإجتماع، في ظلّ الإخفاق في التوصل الى حدّ أدنى من التفاهمات، جملةً من التساؤلات حول خلفيات الدعوة إليه، ومدى الإستعداد المسبق لتوفير مقوّمات نجاحه ودوافع الإرتجال التي أحاطت بالدعوة فضلاً عن تداعيات هذا التعثّر على الموقف الميداني في اليمن، وعلى ما تبقّى من فرص أمام الدبلوماسية لاحتواء المواجهات القائمة وفتح مسارات للحل. فما هي المتغيرات الإقليمية والدولية التي فرضت عقد هذا الاجتماع؟ وهل كان انعقاده محاولةً لاحتواء التصعيد، أم أنه جاء استجابةً لضغوط فرضتها تطورات الميدان وحسابات الأطراف المعنية؟
قد يصعب الإجابة على هذه التساؤلات، لكن المبادرة بحد ذاتها لا يمكن قراءتها إلا من قبيل التأكيد على الدور المحوري لدول اتفاقية مكة في ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليميين. غير أنّ ما أخرج الاجتماع عن سياقه المفترض هو تزامنه مع النجاحات الميدانية التي حققتها القوات الحكومية اليمنية في السيطرة على مضيق باب المندب الاستراتيجي وجزيرة ميون ومطار ذو باب غربي محافظة تعز بدعم من قوى التحالف. هذا التطور يشكل عامل قلق لطهران التي تراهن على دور مستدام للحوثيين في المواجهة المرتقبة مع واشنطن وتل أبيب. وفي هذا السياق يبدو من غير المعقول أن ترحب طهران باستثمار ما يجري في اليمن نحو تطوير اتّفاقية مكة لتصبح المظلة الأمنية، بما يتجاوز الحرب القائمة مع الحوثيين نحو الفصل بين الحرب القائمة مع دول الخليج والمواجهة مع الولايات المتحدة.
الرد الإيراني على المبادرة الباكستانية المتسرعة أتى من خلال استثمار اللقاء في طهران ومحاولة إعادة الإعتبار لعناوين وقفت خلفها طهران ثم تلاشت شيئاً فشيئاً مع تطورات الحرب في غزة وتحت وقع الخسارات الميدانية التي منيّ بها حزب الله والتي أدت إلى تدمير جزء كبير من بنيته التحتية وتدمير عشرات القرى في الجنوب. لقد وجدت طهران في اللقاء الذي جمعها بدول اتّفاقية مكة فرصة سانحة لا تعوض لإستعادة العناوين التي رفعتها في إسلام أباد ــــ من لبنان إلى غزة ــــ وجهدت للربط بين وقف إطلاق النار في الخليج وفي الجنوب والضاحية وأعلنتها جزءاً من التفاوض مع واشنطن بالرغم من إصرار الأخيرة على الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني والتوصل إلى اتفاق إطار مع لبنان. هذا بالإضافة الى الإعلان عن عنوان جديد من قبل علي باقري نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني « أن الإجتماع الرباعي في طهران يمكن أن يشكّل خطوة مهمة وفعّالة في بناء أمن إقليمي مستدام، ونأمل أن تساهم هذه المبادرة في بناء منطقة مستقرّة». وبمعنى آخر تحويل اللقاء مع حلفاء الولايات المتحدة إلى دعوة لإخراجها من المنطقة.
فهل وقعت إسلام أباد في وهم القدرة على الفصل بين ما يجري في البحر الأحمر وما يجري في الخليج العربي؟ أم هي محاولة لتعويض الفشل الذي آل إليه اتفاق الإطار في إسلام أباد من خلال لقاء طهران؟ وهل يمكن للقاء المرتقب اليوم الثلاثاء في موسكو بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكلّ من الرئيس بزشكيان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حول صون المصالح المشتركة وسبل تعزيز السلام والإستقرار الإقليمي أن يبدد جزءاً من الفشل الذي مُني به إجتماع طهران؟.
لقد نجحت دبلوماسية الهدوء الإيراني في تسجيل نقطة ثقيلة في مرمى الدبلوماسية الباكستانية المتسرعة.
العميد الركن خالد حماده - اللواء
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|