عربي ودولي

المحور يستعدّ للاستباق؟ عقيدة جديدة ومضيقان وتقويم يضيق

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

نشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، في الرابع من أيلول، أن المؤسسة الأمنية في تل أبيب تتابع بقلق ما تعتبره استعداداً إيرانياً لمرحلة جديدة من المواجهة، تقوم على استخلاص دروس السابع من تشرين الأول 2023، والانتقال إلى سيناريو يعتمد تشغيل عدة جبهات بصورة متزامنة ومنسّقة. والثغرة التي تقول التقديرات الإسرائيلية إن طهران تعمل على سدّها محددة، فحماس تحركت يومها من غزة وحدها، ولم يفتح حزب الله جبهته إلا في اليوم التالي، ولم تكن إيران ولا الحزب على علم بالتفاصيل الكاملة للخطة ولا بموعد تنفيذها. وما يقلق إسرائيل اليوم، بحسب الصحيفة، ليس تعدد الجبهات، فهي واجهته فعلاً منذ ذلك التاريخ، بل أن تكون الجولة المقبلة مختلفة في مستوى التخطيط المسبق والتزامن.

حين يوضع هذا التقدير الإسرائيلي إلى جانب ما قيل في الأسابيع الأخيرة عن بنية المحور نفسه، وعن عقيدته العسكرية، وعن الحصار الاقتصادي المطبق عليه، وعن خرائط ما بعد الحرب التي تُرسم قبل أن تنتهي الحرب، سيصبح السؤال عن استباق المحور بالمبادرة أمراً منطقياً.

من مثلث الشام إلى العراق واليمن

في التاسع والعشرين من تموز، نفذت السعودية والولايات المتحدة ضربات جوية مشتركة داخل العراق استهدفت فصائل موالية لإيران، رداً على هجمات طالت منشآت نفطية سعودية. سقط في تلك الضربات يومها، إلى جانب المقاتلين العراقيين، خمسة عناصر على الأقل من الحرس الثوري، ومعهم مقاتل حوثي. ثلاثة من مكونات المحور في خندق واحد، وعلى جبهة واحدة، في حادثة رصدها تحقيق نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية في السابع من آب، وخلاصته أن الضربات القاسية التي تلقاها محور المقاومة منذ 7 أكتوبر لم تؤدِّ إلى انهياره، بقدر ما فرضت عليه عملية إعادة تشكيل عميقة غيّرت مراكز ثقله وطبيعة عمله.

فبعد تراجع دور حزب الله وسقوط سوريا من معادلته الاستراتيجية، برزت الفصائل العراقية والحوثيون بوصفهم الركيزتين الجديدتين للمحور، فيما انتقلت علاقاتهم من مجرد التنسيق السياسي إلى تعاون عملياتي وعسكري أكثر تماسكاً. كذلك، تحولت جغرافيا المواجهة من ساحات بلاد الشام إلى الممرات البحرية الاستراتيجية، ولا سيما هرمز وباب المندب، حيث باتت الطاقة والملاحة أدوات رئيسية للضغط على خصوم إيران. والأهم أن التقرير حذر من أن استمرار الضغوط الأميركية والإسرائيلية قد يأتي بنتائج عكسية، إذ قد يدفع المحور إلى التحول من منظومة مركزية تقودها طهران إلى شبكة أكثر لا مركزية، تتغذى على صعود شعور بالهوية الشيعية المشتركة والتهديد الوجودي، بما يجعل تفكيكها أو القضاء عليها أكثر صعوبة.

في هذا السياق، لم يعد صعود اليمن الأخير في هذه المعادلة مجرد استنتاج ترسمه التقارير الغربية عن إعادة تشكيل المحور، فقد نجح الحوثيون مؤخراً في تحويل باب المندب من ممر بحري دولي إلى إحدى أهم جبهات المواجهة الإقليمية، فارضين قدرة فعلية على تهديد الملاحة والتحكم بمساراتها، ومستخدمين الجغرافيا البحرية بوصفها أداة ضغط سياسي وعسكري. وهذه ليست مسألة رمزية، فباب المندب أحد الشرايين الرئيسية للتجارة والطاقة العالمية، وقد منح الحوثيين وزناً يتجاوز بكثير حدود قوتهم داخل اليمن. وإذا كان حزب الله قد خرج من الحرب الأخيرة مثقلاً بالخسائر، وسقطت سوريا من موقعها السابق في المعادلة، فإن اليمن يبدو، على العكس، مساحة يراكم فيها أحد أطراف المحور القوة والنفوذ والقدرة على المبادرة.

محور يندمج أم يتفكك؟

ينقسم المحللون حول هذه المسألة. في الرابع من أيلول، خلصت "الإيكونوميست" إلى استنتاج معاكس تقريباً، أن الشبكة الإيرانية مرشحة للتفكك لا للانهيار، وأعضاؤها يلاحقون أجندات مستقلة بصورة متزايدة، فيما تتراجع قدرة طهران على توجيههم. صحيح أن حزب الله بات أكثر اعتماداً على طهران، بحسب التقرير، لكن الحوثيين، في المقابل، صاروا أكثر استقلالية، ينتجون جزءاً من سلاحهم بأنفسهم ونسجوا صلات مع عناصر في الصومال واتصالات مع روسيا والصين. أما الفصائل العراقية فتقع بين الحدين، إذ انتقل راعيها الأساسي إلى الدولة العراقية التي تدفع رواتب أكثر من مئتي ألف عنصر، وقد أنشأ الحرس الثوري، بحسب التقرير، خلايا أصغر لأن الفصائل الكبرى تحفظت على تنفيذ بعض العمليات.

التناقض بين القراءتين قد يكون ظاهرياً أكثر منه حقيقياً. ما تصفه "لوموند" بأنه اندماج عملياتي، وما تصفه "الإيكونوميست" تفككاً سياسياً، يمكن أن يجتمعا في بنية واحدة. ثمة شبكة تزداد ترابطاً في الميدان وتزداد تفلتاً في القرار، وهذا بالضبط ما التقطه بيتر سالزبوري في "فورين أفيرز" حين كتب عن محور "تعافى"، لا لأن مركزه استعاد قوته، بل لأن أطرافه بنت روابط مباشرة في ما بينها. ولعل هذا هو أعقد ما في المشهد، ذلك أن خصماً لامركزياً بقيادات متعددة أصعب في التعامل معه بكثير من هرم عسكري يسقط بضرب رأسه، كما حاولت واشنطن وتل أبيب في الساعة الأولى من حرب الثامن والعشرين من شباط/ فبراير.

حرب المضائق والخنق المقابل

تبدلت ساحة المعركة إذن بعد أن انتقلت المواجهة الرئيسية إلى مضيق هرمز الذي فرضت إيران عليه سيطرة استراتيجية، وإلى باب المندب الذي تحول إلى جبهة بحرية موازية بعد إعلان الحوثيين في العشرين من تموز حصاراً بحرياً يستهدف السفن المرتبطة بالسعودية. ورهان طهران أن هذا الخنق المزدوج سيجبر ترامب في النهاية على العودة إلى الطاولة بمطالب أقل.

في المقابل، تمسك واشنطن بأداة الخنق الأخرى. أطلق وزير الخزانة سكوت بيسنت في أواخر آب عملية سماها "المنبوذ الاقتصادي"، استهدفت أصول إيران الرقمية وذهبها وطيرانها التجاري وشحنها. وفي الحادي والثلاثين من آب أعلنت بروكسل انضمامها رسمياً إلى الحملة، فيما تقدر مصادر أميركية أن عائدات النفط الإيرانية تراجعت بين ثلاثين وأربعين في المئة منذ إطلاقها، مع دفع عدد من المصارف الإيرانية الكبرى إلى حافة الانهيار. ثم جاءت عقوبات بنك "غولدن غلوبال" التركي التي قال بيسنت إنها قطعت "شرايين مالية حيوية" للنظام في تركيا.

ووصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الخطوة الأوروبية بأنها استسلام لـِ "الإرهاب الاقتصادي" الأميركي، أما المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاكتفت بالقول إن "العقوبات المشددة أثرت على تأمين الموارد وتنفيذ المشاريع". في المقابل، وسع ترامب تهديداته في مقابلة مع "جي بي نيوز"، معلناً أن واشنطن تراقب "جبل رأس الفأس" بالأقمار الاصطناعية وتعرف من يدخل إليه ومن يخرج، وأن إيران "لن تصمد طويلاً". ونقلت "فايننشال تايمز" أن إدارته أبلغت الوسطاء أنها لن تعود إلى مذكرة التفاهم السابقة، وتريد اتفاقاً جديداً يجمع الملف النووي وترتيبات هرمز معاً.

عقيدة الاستباق

وسط هذا الضجيج، مرّ تصريح شبه صامت قد يكون أهم ما قيل في الأسبوعين الأخيرين. في السادس والعشرين من آب، ثم في الرابع من أيلول، أعلن المتحدث باسم الجيش الإيراني العميد محمد أكرمي نيا أن العقيدة العسكرية الإيرانية "تتحول نحو الدفاع الاستباقي وعمليات الردع"، وأن قواته ستنفذ "عمليات استباقية كلما شعرت بوجود تهديد"، وذلك في إطار القانون الدولي وحق الدفاع عن النفس.

جملة نابعة من مصدر دال، فالجيش النظامي، لا الحرس الثوري، هو من يعلنها، أي أن المؤسسة العسكرية بكاملها باتت موجهة نحو الاستباق، ما يعني ربما أن المسافة بين التقدير والتنفيذ أقصر من المسافة التي تحتاجها الدبلوماسية لتتدخل!

ما بعد إيران قبل أن تنتهي الحرب

المفارقة أن خريطة "ما بعد الحرب" تُرسم بينما الحرب مستمرة، فقد كشفت "أكسيوس" أن إدارة ترامب تعدّ استراتيجية لمرحلة ما بعد المواجهة تقوم على ثلاثة عناصر: تحالف إقليمي يضم حلفاء واشنطن لاحتواء إيران تكون الولايات المتحدة ضامنه، وجهد منسق لإنهاء تداعيات السابع من تشرين الأول عبر المرحلة التالية من خطة غزة واتفاق أمني إسرائيلي-سوري وتنفيذ الاتفاق الإسرائيلي-اللبناني، ثم توسيع اتفاقيات أبراهام والوصول إلى تطبيع سعودي-إسرائيلي. وقال ترامب في مجالسه الخاصة إنه يعمل على "شيء أكبر بكثير".

سترى طهران في خطة مثيلة طوقاً يُحكَم من كل الجهات. فمن الشمال، صرح نائب سكرتير مجلس الأمن الروسي أليكسي شيفتسوف في منتدى الشرق الاقتصادي بأن تنفيذ ما يسمى "طريق ترامب" عبر الأراضي الأرمينية يتيح للأميركيين نشر قواتهم أو شركاتهم العسكرية الخاصة وبنيتهم التحتية الاستخبارية "مباشرة على الأراضي الأرمينية وبالقرب من الحدود الإيرانية". ومن الغرب، انضمام أوروبي إلى الحصار المالي. ومن الجنوب، تحالف إقليمي قيد التشكيل ومنطقة أمنية إسرائيلية يراد تثبيتها.

في مواجهة ذلك، حضر عرض مضاد من بكين. في الثاني من أيلول، وخلال أول زيارة له إلى المنطقة منذ أربع سنوات، طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ في القاهرة مبادرة من أربع نقاط لبنية أمنية جديدة في الشرق الأوسط، قوامها أن "يبقى أهل المنطقة أسياد شؤونهم" ورفض التدخل الخارجي، مع استعداد صيني للعمل مع دول المنطقة على تأمين طرق الملاحة. عرضان متنافسان على البنية الأمنية نفسها، وطهران تراهن على أن أحدهما يفتح لها هامشاً.

الوقت يضيق

لماذا قد تحمل الأسابيع المقبلة تحديداً لحظة فاصلة؟ التقويم يكاد يكون مصمماً للانفجار. في التاسع والعشرين من حزيران، أمهلت الحكومة العراقية الفصائل المسلحة ثلاثة أشهر لتسليم سلاحها إلى مؤسسات الدولة، أي حتى تشرين الأول، وهو الموعد نفسه المقرر لانسحاب التحالف الدولي. وقد وضعت الفصائل شروطاً، من بينها انسحاب أميركي كامل بحلول الثلاثين من أيلول، فيما نُقل عن قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني أن تسليم السلاح فعلياً "خط أحمر" لطهران.

بالتزامن، في السابع والعشرين من تشرين الأول تجري الانتخابات الإسرائيلية، وفي الثالث من تشرين الثاني الانتخابات النصفية الأميركية. وقد نقلت "بوليتيكو" عن مسؤول في البيت الأبيض أن ملف إيران سيظل حاضراً في خلفية المشهد الانتخابي حتى تشرين الثاني. كذلك ألمح ترامب مؤخراً.

انطلاقاً من كل ما تقدم، ثمة ثلاثة احتمالات. الأول أن يبادر المحور فعلاً قبل نهاية تشرين الأول/ أكتوبر، لأن نزع سلاح الفصائل العراقية يعني خسارة الركيزة التي صعدت حديثاً، ولأن الخنق المالي يجعل الوقت يعمل ضد طهران لا لصالحها. والثاني تصعيد مضبوط يبقى تحت عتبة الحرب الشاملة بحيث يصار إلى ضغط بحري في المضيقين، واستهداف محسوب لقواعد أميركية، من دون منح واشنطن ذريعة لضربة كبرى قبل صناديق الاقتراع. والثالث أن تبتلع طهران التصعيد كله انتظاراً لما بعد الانتخابات، رهاناً على أن ترامب، الذي يسعى إلى إغلاق ملف أوكرانيا، سيكون أكثر ميلاً إلى صفقة حين يفرغ من جبهة ويحتاج إلى إنجاز في أخرى.

كما أن السيطرة الحوثية على باب المندب تضيف مؤشراً لا يمكن تجاهله إلى هذه الصورة، فقد أثبت الحوثيون أن أحد أطراف المحور الجديد قادر على تحويل السيطرة الجغرافية إلى أداة ضغط إقليمي ودولي، وأن المبادرة لا تحتاج دائماً إلى ضربة عسكرية مباشرة على إسرائيل أو الولايات المتحدة. تعطيل الملاحة، ورفع كلفة التجارة والطاقة، وفرض واقع أمني جديد في أحد أهم المضائق العالمية، كلها أشكال من المبادرة الاستراتيجية. وهذا يعني أن الاستباق المحتمل من جانب المحور قد لا يبدأ بالضرورة من صاروخ يُطلق على قاعدة أميركية. يكفي استخدام الأوراق الجغرافية التي بات يملكها لفرض شروط جديدة على المواجهة الأوسع.

لعل الشواهد المتاحة لا تسمح بالجزم بأن قراراً بالحرب قد اتُخذ، والتقديرات الإسرائيلية نفسها تقول ذلك صراحة. لكنها تسمح بالقول إن البنية التي تجعل الاستباق ممكناً صارت جاهزة أكثر مما كانت في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر. ثمة تنسيق أوثق بين الأطراف، وعقيدة معلنة تبيح الضربة الاستباقية الأولى، ومضيقان تحت اليد، وثمة أيضاً تقويم يضيق. تلك مؤشرات لا ينبغي الاستهانة بها!

ملاك عبد الله - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا