عوده: أجمل تكريم للعذراء أن نتعلم منها التواضع والرحمة والطاعة لله
ألقى متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده، عظة في قداس ميلاد السيدة مريم العذراء، في كنيسة دير دخول السيدة، وقال فيها :" أحبائي، في عيد ميلاد والدة الإله لا تحتفل الكنيسة بميلاد امرأة قديسة وحسب، بل ببداية ظهور فجر الخلاص الذي أشرق منه المسيح شمس العدل ومخلص العالم. لذلك تهتف الكنيسة في ترنيمة العيد: «ميلادك يا والدة الإله، بشر بالفرح كل المسكونة، لأنه منك أشرق شمس العدل، المسيح إلهنا».
أضاف :"إن ميلاد العذراء هو ميلاد الفرح، لأن تلك الطفلة التي ولدت من يواكيم وحنة ستصير، بإرادة الله، وباستجابتها الكاملة لمشيئته، الهيكل الحي الذي فيه يتجسد الكلمة الإلهي. لهذا، يقول القديس يوحنا الدمشقي في عظته حول ميلاد والدة الإله: «هلموا، يا جميع الأمم، وكل جنس البشر، وكل لسان، وكل عمر، وكل رتبة، لنعيد لميلاد الفرح للعالم كله».
الكنيسة لا ترى في مريم شخصية من الماضي، بل ترى فيها إعلانا لما يستطيع الله أن يصنعه في قلب الإنسان الذي يهب نفسه لله".
العذراء مريم نذرت قلبها والحياة للرب: «هوذا أنا أمة الرب؛ ليكن لي كقولك» (لو 1: 38). في هذه الكلمات تظهر عظمة مريم. لم تجعل حياتها مشروعا لإثبات ذاتها، ولم تطلب إخضاع مشيئة الله لمشيئتها، بل سلمت نفسها لله. إنسان اليوم يجعل حياته المركز لأنه يطمح أن يحقق ذاته، يفعل ما يريد، ويبني حياته كما يشاء. العذراء تعلمنا أن الحرية الحقيقية ليست أن أفعل ما أريد، بل أن أقول لله: «ليكن لي كقولك». هنا تبدأ القداسة وهنا يبدأ الإنسان اكتشاف ذاته الحقيقية".
وتابع :"يصف القديس أمبروسيوس العذراء مريم وصفا بالغ العمق فيقول إنها «كانت عذراء ليس في الجسد فقط، بل في العقل أيضا»، ثم يصف تواضعها وحكمتها وقلة كلامها واهتمامها بالعمل ورجاءها في الله ومحبتها للجميع وعدم تكبرها. كانت مريم تسمع كلمة الله وتحفظها كما ورد في إنجيل اليوم. هذه الصورة مهمة جدا لإنسان عصرنا، لأن القداسة عند مريم لم تكن مظهرا خارجيا، بل كانت نظاما داخليا للقلب. كانت أفكارها وكلماتها وأعمالها متجهة نحو الله. ولكي نكون مثلها، لا يكفي أن نضع أيقونتها في بيوتنا أو أن نكرمها بألسنتنا، بل علينا أن نتعلم منها كيف يصبح القلب مسكنا لله بأن نضبط أفكارنا، ونطهر ألسنتنا، ونبتعد عن الإدانة والكبرياء، ونمارس الرحمة، ونعيش الصلاة كشركة حقيقية مع الله".
وأردف عوده :"ميلاد العذراء كان بداية جديدة للبشرية لأن تدبير الله لخلاص البشر بدأ يتحقق مع مولدها. القديس يوحنا الدمشقي يربط بين حواء ومريم: حواء سمعت كلام الحية وعصت وصية الله فكان السقوط، أما مريم فسمعت من الملاك: «إفرحي أيتها الممتلئة نعمة، الرب معك» (لو 1: 28)، فأجابت: «ليكن لي كقولك». من خلال طاعة مريم بدأ طريق استعادة ما أفسدته معصية الإنسان. إنها لا تعلمنا أن نهرب من العالم، بل أن نعيش فيه بطريقة مختلفة: أن يكون جوابنا لله مختلفا عن جواب آدم وحواء، وأن يكون اختيارنا للحق أقوى من ضغط الجماعة، وأن تكون طاعتنا للمسيح أعمق من رغبتنا في إرضاء الناس.
يقول القديس غريغوريوس بالاماس متأملا في سر والدة الإله أنها كانت «مختارة من بين المختارين»، وجد الله فيها «أمة لائقة تماما» لتكون إناء التجسد. هو يرى فيها «القدس الأقدس» الحي، لأنها صارت موضعا لحلول الكلمة وبابا لخلاص الإنسان. فإذا كانت مريم قد صارت مسكنا للمسيح، يستطيع المسيح أن يسكن في كل قلب أصبح كقلبها طاهرا، خاليا من ضجيج العالم والحقد والأنانية والخوف ومحبة المال والإنشغال الدائم بالأرضيات".
واستطرد : "لقد حملت مريم المسيح أولا في قلبها، ثم حملته في أحشائها وقدمته للعالم. هذه دعوتنا نحن أيضا: أن نقبل المسيح في داخلنا، وأن نحمله إلى العالم من خلال حياتنا. لذلك، بعد بشارة الملاك، لم تنغلق العذراء على نفسها، بل «ذهبت بسرعة إلى الجبال» (لو 1: 39) لخدمة أليصابات. من يحمل المسيح حقا لا يعيش لنفسه. الصلاة تتحول فيه إلى محبة، والمحبة إلى خدمة، والنعمة إلى عطاء.
وختم المطران عوده :"يا أحبة، إن أجمل تكريم نقدمه لوالدة الإله في ميلادها هو ألا نكتفي بمديحها، بل أن نتعلم منها التواضع في عالم الكبرياء، والهدوء في عالم الضجيج، والطاعة لله في عالم التمرد، والرحمة في عالم القسوة، والأمانة للمسيح في عالم تبددت فيه القيم ورخصت الأخلاق. لقد قالت للخدام في عرس قانا: «مهما قال لكم فافعلوه» (يو 2: 5). فإذا أردنا أن نكون مثلها، فلنسمع هذه الكلمات ونجعلها قانون حياتنا، فتصبح حياتنا شهادة مضيئة في عالم يحتاج إلى النور. عندئذ يصبح عيد ميلاد والدة الإله عيدا لميلاد الإنسان الجديد فينا، الذي لا يعيش لذاته بل لله، وللآخر، ولملكوت السماوات".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|