هل ينجح باراك في ثلاثية دمشق – السويداء – تل أبيب؟
في وقت تستمر حالة الاستعصاء السياسي والعسكري في محافظة السويداء جنوب سوريا، رفع الشيخ حكمت الهجري سقف مواقفه، بوجه السلطات السورية، إلى مستوى غير مسبوق. فهو تحدث عن “حق تقرير المصير” و”الحقوق السيادية الكاملة”، وقال إن الدروز “جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل”، وإن ملف السويداء تعمل عليه الولايات المتحدة ودول أوروبية، معتبراً أن الأمر المركزي بالنسبة إليه أن يتم ذلك “عبر دولة إسرائيل”. ثم تحدث عن “شيء جديد”، لم يسمه، سيحصل خلال الأيام المقبلة، مضيفاً: “نحن ننتظر النتائج”.
يقول مصدر في السويداء لـ”أساس” إن ثمة مساراً أميركياً – إسرائيلياً قائماً يتبلور، ويُنتظر أن تتضح ملامحه خلال الأيام المقبلة. وبالتوازي مع هذا المسار، يدور النقاش داخل السويداء حول شكل الوضع الذي يمكن أن تستقر عليه المحافظة، وسط اتجاهين أساسيين:
ـ الأول، يدفع نحو صيغة أمنية وإدارية خاصة، تمنح السويداء صلاحيات محلية أوسع.
ـ الثاني، تمثله أصوات داخل المحافظة تطالب بالذهاب أبعد، نحو صيغة شبيهة بوضع إقليم كردستان العراق.
لا يعني تداول نموذج “إقليم كردستان” داخل السويداء أنه جزء من الصيغة الأميركية –الإسرائيلية الجاري بحثها، أو أن واشنطن أو إسرائيل تبنتاه. لكنه يكشف حجم المسافة بين السقوف المطروحة داخل المحافظة، في وقت لم تُحسم بعد الصيغة النهائية لعلاقتها بدمشق.
في موازاة ذلك، يدفع سفير الولايات المتحدة في تركيا والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ولبنان توم باراك باتجاه صيغة مختلفة. وبحسب مصادر مطلعة على محادثات عمّان، كانت أزمة السويداء وعلاقة إسرائيل بدروز المحافظة من الملفات التي طُرحت خلال المباحثات السورية – الإسرائيلية الأخيرة التي جمعت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ومدير الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان.
تضيف المصادر أن تصور باراك يقوم على “اتفاق دمج” تبقى بموجبه السويداء ضمن الدولة السورية، مقابل تولي شخصيات درزية كانت على خلاف مع دمشق مناصب متقدمة في إدارة المحافظة وقوات الأمن المحلية. وتستند هذه الصيغة، من حيث المبدأ إلى ترتيبات مشابهة لتلك التي اعتمدت مع الأكراد في شمال شرقي سوريا، إذ أعلن أول أمس قائد قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، مظلوم عبدي بعد لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، حل القوات كقوة عسكرية مستقلة، في إطار اتفاق مع السلطات السورية لدمج مؤسساتها العسكرية والأمنية في مؤسسات الدولة.
أي إن طرح باراك لا يرتقي إلى مستوى صيغة “إقليم كردستان”، لكنه يمنح أبناء السويداء من المعارضين للنظام السوري السابق دوراً محورياً أساسياً في إدارة محافظتهم وأمنها.
تبقى العقدة الأهم مصير “الحرس الوطني”، وهو تشكيل عسكري أُعلن في السويداء ويضم عشرات الفصائل المحلية الموالية للهجري، ومصير سلاحه: هل يُدمج في بنية أمنية جديدة، أم يحتفظ بوضع خاص؟
ماذا تريد إسرائيل؟
أما التصور الإسرائيلي، فبحسب معلومات “أساس”، فيقوم على تثبيت واقع أمني في جنوب سوريا يحول دون عودة دمشق عسكرياً إلى المنطقة بالشكل الذي كان قائماً سابقاً. وتتمحور المطالب الإسرائيلية حول أربعة عناوين:
1 ـ الحؤول دون عسكرة جنوب سوريا ومنع انتشار القوات العسكرية السورية والأسلحة الثقيلة فيه.
2 ـ ضمانات خاصة لحماية دروز السويداء.
3 ـ الإبقاء على إدارة المحافظة وأمنها في إطار محلي إلى حدٍ كبير.
4 ـ تأمين ممر إنساني إلى السويداء، وهو مطلب سبق أن طرحته إسرائيل ورفضته سوريا باعتباره مساساً بسيادتها.
تقول مصادر مطلعة إن المصلحة الإسرائيلية لا تستوجب بالضرورة قيام كيان درزي مستقل. فمن وجهة النظر الإسرائيلية، يمكن لدروز السويداء أن يشكلوا حاجزاً أمام سيطرة أي “قوة معادية” على المنطقة القريبة من الدولة العبرية، فيما يحقق الحؤول دون عسكرة الجنوب السوري وإبقاء الأمن محلياً جزءاً أساسياً من أهداف تل أبيب.
بحسب المعلومات، حمل اجتماع عمّان إشارات إيجابية في ما يتعلق بملف السويداء، ووصلت إلى الهجري رسائل أعطته قدراً من الاطمئنان إلى استمرار الدعم الإسرائيلي لحماية دروز المحافظة، من دون أن يعني ذلك حصوله على التزام بتحقيق سقفه السياسي المتعلق بتقرير المصير أو بقيام كيان مستقل.
من يملك الأرض؟
لا تنفصل هذه الطروحات عن ميزان القوى داخل السويداء. فالهجري يستند إلى سلطة أمر واقع نشأت في المحافظة خلال الأشهر الماضية.
تقول آخر المعلومات، إن القوات الحكومية تسيطر على 36 قرية وبلدة في الريفين الشمالي والغربي، فيما يسيطر “الحرس الوطني” المدعوم من الهجري على نحو 80% من مساحة المحافظة، بما فيها مدينة السويداء وأجزاء واسعة من الريف المدمرة منازل السكان فيه، مع الإشارة إلى أن هذه السيطرة جاءت بفعل التدخل العسكري الإسرائيلي عبر سلاح الطيران بعد نجاح قوى الامن العام السوري بالسيطرة على مدينة السويداء.
في المناطق الخارجة عن سلطة دمشق، تدير المؤسسات المرتبطة بالهجري جانباً كبيراً من الشؤون الأمنية والإدارية. لذلك يصبح مصير السلاح والإدارة المحلية جزءاً أساسياً من أي اتفاق.
تتمسك دمشق بوحدة سوريا وسيادتها، وترفض أي صيغة تقود إلى كيان مستقل أو تخرج السويداء من سلطة الدولة. ويقول مصدر في دمشق إن إسرائيل تستفيد من إبقاء سقف الهجري مرتفعاً لتعزيز موقعها في التفاوض مع سوريا من دون أن تضطر إلى تبني مطالبه.
يضيف المصدر أن الهجري “يعتقد أن مصالحه ومصالح إسرائيل متطابقة، وأن استعداد إسرائيل لتقديم الحماية والدعم يعني أنها قادرة أو مستعدة لتحقيق ما يطرحه”.
أما الموقف السوري العلني، فجاء على لسان أحمد موفق زيدان المستشار الإعلامي للرئيس. فبعد إعلان اندماج “قسد” في مؤسسات الدولة، قال إن ما حصل يشكل “رسالة واضحة للسويداء”، ووصف طروحات الهجري بأنها “هروب إلى الأمام … وأضغاث أحلام”.
بحسب المعلومات فإن الجهود الأميركية تنصبّ حالياً على محاولة حل عقدة السويداء، بعدما نجحت واشنطن في دفع مسار دمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية. ويؤدي باراك دور الوسيط بين دمشق والقوى الدرزية وإسرائيل للوصول إلى صيغة تجمع بين بقاء السويداء في إطار الدولة السورية، وبين منح أبنائها دوراً أساسياً في إدارتها وأمنها.
لكن المهمة أكثر تعقيداً على واشنطن هي التوفيق بين سيادة دمشق، وضمانات الدروز، والمصالح الأمنية الإسرائيلية في الجنوب.
الهجري يقول إنه “ينتظر النتائج”. وباراك يضع ثقله الآن في عقدة السويداء. وما ستكشفه الأيام المقبلة سيحدد ما إذا كانت النتيجة ترتيباً أمنياً جديداً، أم صيغة ما تعيد رسم علاقة السويداء بدمشق. في المقابل، رفضت مشيخة العقل لـ “طائفة الموحدين الدروز” في لبنان ما وصفته بـ”الشراكة المصطنعة” بين الموحدين الدروز وإسرائيل، محذّرة من مواقف قالت إنها “متطرفة ومضرّة بثوابت العقيدة والتاريخ”، وأكدت مشيخة العقل، في بيان، أن “من غير المقبول إطلاقاً” وضع الموحدين الدروز في إطار شراكة مع إسرائيل أو اعتبارهم جزءاً لا يتجزأ منها، واعتبرت أن هذا الطرح يمثل “انحرافاً مفتعلاً” و”تمادياً متصاعداً في جرح الوجدان الدرزي”، معتبرة أنه يمسّ الهوية التوحيدية الإسلامية للطائفة وينقلب على تاريخها وتراثها العربي. ولهذا النص الوطني حديث آخر.
لارا منيف- اساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|