هل يسبق “السّلام التجريبي” المناطق التجريبيّة في لبنان؟!
ثمّة لحظة سياسية نادرة يعيشها لبنان اليوم: للمرة الأولى منذ عقود، لم يعد السؤال الأساسي ما إذا كان يمكن أن تنتهي الحرب مع إسرائيل، بل كيف يمكن أن تنتهي؟ ومَن يملك قرار الانتقال من الحرب إلى السلام؟ وما هو الثمن الذي سيدفعه لبنان للوصول إلى تلك اللحظة؟
السؤال الأكثر إثارة، في هذا السياق، هو: هل يسبق السلام التجريبي المناطق التجريبيّة في لبنان؟
فالمناطق التجريبيّة التي يجري العمل عليها في الجنوب، والتي يُفترض أن تشكّل نموذجًا لانتشار الجيش اللبناني واستعادة الدولة سيادتها على الأرض، ليست مجرّد ترتيبات أمنيّة موضعيّة. إنّها قد تكون، في جوهرها، المختبر الأول لمرحلة سياسية جديدة. وقد نصّ الإطار الذي تمّ التوصّل إليه في حزيران على ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الجنوب بنزع سلاح حزب الله والتحقّق من ذلك، مع انتشار الجيش اللبناني في مناطق تجريبيّة.
لكن المفارقة أنّ هذه المناطق التجريبيّة قد تحتاج، لكي تنجح، إلى شيء أكبر منها: سلام تجريبي.
فالسلام لا يولد دائمًا دفعةً واحدة. أحيانًا يبدأ كترتيب أمني، ثم يتحوّل إلى تفاهم سياسي، ثم إلى علاقة مستقرّة بين دولتيْن. وما يجري اليوم بين لبنان وإسرائيل قد يكون بداية هذا المسار، حتى لو كان الطرفان لا يزالان بعيديْن عن إعلان سلام شامل ونهائي.
المُعادلة اللبنانية تبدّلت جذريًّا. فحزب الله، الذي امتلك لسنوات قرار الحرب والسّلم في الجنوب، يواجه اليوم واقعًا مُختلفًا. الحرب لم تعد تمنحه القدرة عينها على فرض معادلاتها السابقة، فيما باتت الدولة اللبنانية، على الرغم من ضعفها، موجودةً في قلب التفاوض.
وهنا تكمن النقلة النوعيّة. فالمشكلة لم تعد فقط في قدرة حزب الله على خوض الحرب، بل في السؤال الأهم: ما الذي تستطيع الحرب أن تنتجَه للبنان؟
إذا كانت النتيجة المتكرّرة هي الدّمار، والنّزوح، والخسائر الاقتصادية، واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب، فإنّ إعادة إنتاج الحرب تصبح أقلّ إقناعًا حتّى لمَن يرى فيها وسيلةً للدفاع. وفي المقابل، دخلت الدولة اللبنانية في مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل برعاية أميركية. وقد بدأت الاتصالات بهدف إنهاء الحرب والتوصّل إلى اتفاق، ثم تطوّرت إلى جولات تفاوضية وإلى إطار سياسي – أمني يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح الجماعات المسلّحة وانتشار الجيش اللبناني.
هذا يعني أنّ الدولة التي كانت، لسنوات، متأخّرة عن قرار الحرب، بدأت تستعيد شيئًا من قرار السلام.
وليس المقصود أنّ لبنان اختار السلام بكامل شروطه أو أنّ الاتفاق النهائي أصبح مضمونًا. المفاوضات نفسها تعثّرت في آب، خصوصًا حول الانسحاب الإسرائيلي ووقف النّار وآليّة التحقّق من نزع السلاح.
لكن مجرّد انتقال الملف إلى طاولة التفاوض يُشكّل تغييرًا استراتيجيًا في المشهد اللبناني.
لماذا قد يصبح السلام قدرًا؟ قد يكون السلام بين لبنان وإسرائيل، في نهاية المطاف، أقلّ خيارًا إيديولوجيًّا وأكثر خيارًا واقعيًّا. لبنان بلد صغير، مُنهك اقتصاديًّا، خرج من سنوات من الانهيار والأزمات والحروب. وهو يحتاج إلى إعادة إعمار واسعة، وإلى استثمارات عربية ودولية، وإلى عودة السياحة، وإلى استعادة دوره التجاري والمالي.
كلّ هذه الأهداف تحتاج إلى الاستقرار. فلا يمكن لمرفأ أن يزدهر في ظلّ الحرب، ولا لمطار أن يتحوّل إلى مركز إقليمي في ظلّ احتمالات التصعيد، ولا للسياحة أن تستعيد عافيتها بينما تبقى الحدود الجنوبية مفتوحةً على المواجهة.
السّلام، إذًا، ليس مجرّد مفهوم دبلوماسيّ. إنّه بنية تحتية اقتصادية. ولهذا فإنّ الحديث عن السلام لا ينبغي أن يُختزل في السؤال التقليدي: هل نتصالح مع إسرائيل أم لا؟ بل ينبغي أن يطرح سؤالًا أكثر واقعيّة: هل يريد لبنان أن يبقى اقتصاد حرب، أم أن يتحوّل إلى اقتصاد سلام؟
أولى حسنات السلام أنّه يعيد القرار الأمني إلى الدولة.
عندما تصبح الحدود خاضعةً لاتفاق واضح وآليّات مراقبة والتزامات متبادلة، يصبح الجيش اللبناني الطرف الأساسي في حماية الجنوب. وهذا يعني أن المواطن الجنوبي لا يعود مضطرًّا للاختيار بين قوة حزبية وقوة إسرائيلية، بل يصبح تحت حماية الدولة اللبنانية.
ثانية الحسنات هي إعادة إعمار الجنوب. المناطق التي تعرّضت للدمار تحتاج إلى سنوات من العمل والاستثمار. وقد أظهرت تجربة المناطق التجريبية الحالية أن العودة لا تزال صعبة؛ السلام الحقيقي يمكن أن يغيّر هذه المعادلة: من منطقة تماس إلى منطقة إنتاج؛ من قرى مهدّمة إلى قرى قابلة للحياة؛ ومن أرض تحمل آثار الحرب إلى أرض تستعيد قيمتها الاقتصادية والعمرانية.
ومن الحسنات عودة الاستثمار. المستثمر لا يحتاج إلى ضمان أنّ لبنان لن يواجه أي أزمة في المستقبل، فهذا مستحيل. لكنّه يحتاج إلى أن يعرف أنّ الدولة قادرة على إدارة الأزمات وأنّ الحدود لن تتحوّل إلى جبهة مفتوحة في كل لحظة.
إذا استطاع لبنان أن يحقّق اتفاقًا مستقرًّا مع إسرائيل، فإنّ رسالة ذلك إلى المستثمر العربي والدولي ستكون هائلةً: لبنان دخل مرحلة جديدة.
وهنا يمكن أن تستفيد بيروت من موقعها العربي، ومن علاقاتها الخليجيّة، ومن استعداد دول للمساهمة في الاقتصاد اللبناني. السّلام قد يفتح الباب أمام مشاريع في المرافئ والطاقة والسياحة والعقارات والخدمات واللوجستيات، وهي قطاعات لا تحتاج إلى شعارات سياسية بقدر حاجتها إلى الاستقرار.
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل السلام إلى كلمة مخيفة. السلام ليس بالضرورة تنازلًا عن السيادة، ولا يعني التخلّي عن الحقوق اللبنانية، ولا يعني أن على لبنان أن يقبل بأي شروط تفرض عليه.
السلام الجيّد هو الذي يُعيد للبنان قدرته على إدارة حدوده وقراره، ويضمن انسحاب القوات الأجنبية، ويثبّت سيادة الدولة، ويضع آليّات واضحة لمنع العودة إلى الحرب. ولهذا فإنّ التفاوض ليس ضعفًا بالضرورة. أحيانًا يكون التفاوض هو الشكل الأكثر واقعية لممارسة القوة.
الدولة القوية ليست الدولة التي تُطلق النار أكثر، بل الدولة التي تستطيع أن تمنع إطلاق النار عندما يكون إطلاقه ضدّ مصلحتها. وهنا تحديدًا تكمن أهميّة التفاوض اللبناني.
قد تكون المناطق التجريبيّة في الجنوب اختبارًا أكبر من حدودها الجغرافية. إذا نجحت تجربة انتشار الجيش اللبناني، ونجحت آليّات التحقّق، وعادت العائلات إلى قراها، وبدأت عملية الإعمار، فإنّ النموذج يمكن أن يتوسّع.
أمّا إذا بقي الجنوب في حالة رمادية، بين وجود إسرائيلي من جهةٍ، وسلاح خارج الدولة من جهةٍ أخرى، وجيش لبناني محدود القدرة من جهةٍ ثالثة، فإنّ المنطقة التجريبيّة ستبقى مجرّد تجربة أمنية مؤقتة.
وهنا يعود السؤال إلى بدايته: ربما يحتاج لبنان إلى سلام تجريبي حتى تنجح المناطق التجريبية.
أي أنّ السلام قد يبدأ قبل توقيع معاهدة سلام شاملة، عبر وقف النار، وتبادل الضمانات، والانسحاب التدريجي، وترسيخ سلطة الجيش، وفتح الحدود أمام حياة طبيعية، ثم بناء الثقة خطوة بعد خطوة.
هذا النوع من السلام لا يحتاج إلى الاحتفالات. يحتاج إلى نتائج. أن يبدأ المستثمر في بناء مشروع من دون أن يسأل متى تبدأ الحرب المقبلة.
أن يصبح الجيش اللبناني هو العنوان الأمني الوحيد في الجنوب.
عندها فقط يمكن القول إنّ السلام بدأ.
قد لا يكون لبنان أمام سلام مثالي، ولا أمام اتفاق سهل. المفاوضات الحالية نفسها تكشف حجم العقبات، من مسألة نزع سلاح حزب الله إلى الانسحاب الإسرائيلي وآليّات التحقّق، فضلًا عن غياب الثقة بين الأطراف.
لكنّ التاريخ لا يصنع دائمًا خيارات مثالية؛ أحيانًا يصنع خيارات ضرورية. ولبنان اليوم أمام خيار من هذا النوع.
لقد أثبتت السنوات الماضية أنّ الحرب لا تعطي لبنان دولةً أقوى، ولا اقتصادًا أفضل، ولا جنوبًا أكثر أمنًا. وفي المقابل، قد يمنح السلام فرصةً لاستعادة الدولة، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، وتنشيط السياحة، وفتح المجال أمام لبنان كي يعود إلى موقعه الطبيعي كبلد عربي منفتح على العالم.
لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل يريد لبنان السلام؟ بل: كم بقي من الوقت قبل أن يُصبح السلام الخيار الوحيد القابل للحياة؟
وإذا كان الانتقال من الحرب إلى السّلام سيجري تدريجيًّا، فقد يكون من المنطقي أن يسبق السلام التجريبي المناطق التجريبيّة، لا أن ينتظرها.
فالجنوب يحتاج إلى منطقة تجريبيّة تُثبت أنّ الدولة قادرة على الإمساك بالأرض، لكن لبنان كله يحتاج إلى سلام تجريبي يُثبت أن الدولة قادرة على الإمساك بالمستقبل.
وفي بلد أنهكته الحروبجان الفغالي لـ”هنا لبنان”:، قد تكون أعظم فضائل السلام أنّه لا يعد اللبنانيين بالنصر على أحد، بل يعدهم بشيء أكثر تواضعًا وأكثر أهمية: أن يعيشوا.
جان الفغالي -”هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|