الصحافة

من "فيزا" إلى سكة الحديد... من أصبح بوابة الآخر بين لبنان وسوريا؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في مقهى بدمشق، استخدم الرئيس السوري ​أحمد الشرع​ بطاقة "فيزا" في واحدة من أولى العمليات الدولية التي أعادت بطاقات الدفع العالمية إلى سوريا، بعد أيام من شطب ​الولايات المتحدة​ اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب. اللافت ​لبنان​يًا أن العملية نُفذت عبر "فرنسبنك" بصفته الجهة المصرفية المستحوذة، وبالتعاون مع شركة "بايميرا" السورية، فيما دخلت "ماستركارد" السوق بالتوازي عبر مجموعة QNB.

مشهد صغير في شكله، لكنه يضع مصرفًا لبنانيًا داخل صورة عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي. وقبل ذلك بيومين، كان وزير الأشغال العامة والنقل ​فايز رسامني​ في دمشق يبحث مع نظيره السوري ​يعرب بدر​ إعادة تفعيل الربط السككي وتطوير ​النقل البري​ والمرافئ. ومن المشاريع المطروحة ربط ​مرفأ طرابلس​ بالشبكة الحديدية السورية، ضمن تصور أوسع يفتح مسارات باتجاه ​العراق​ و​الأردن​ و​السعودية​ و​دول الخليج​.

لا تبدو المصادفة بين المشهدين عابرة. فالبطاقة تعيد طرح وظيفة لبنان المالية بالنسبة إلى سوريا، والسكة تعيد طرح حاجة لبنان إلى الجغرافيا السورية. وبين الاثنين، تتحرك مراجعة عشرات الاتفاقيات القديمة التي نظمت العلاقة الاقتصادية في زمن مختلف سياسيًا واقتصاديًا. أي أن البلدين لا يعيدان فقط فتح قنوات أغلقتها الحرب والعقوبات والأزمة اللبنانية، وإنما يعيدان اختبار الوظيفة التي يمكن أن يؤديها كل منهما للآخر.

من هنا يصبح السؤال أبعد من حجم التجارة أو فرص إعادة الإعمار: هل يستعيد لبنان دوره التقليدي كبوابة مالية ولوجستية لسوريا، أم أن سوريا الخارجة تدريجيًا من العزلة تتحول بدورها إلى بوابة يحتاج إليها لبنان للوصول إلى محيطه العربي واستعادة دور اقتصادي خسره خلال السنوات الماضية؟

مصرف لبناني في صورة العودة
لا تكمن أهمية تجربة "فيزا" في قيمة ما اشتراه الشرع، وإنما في الشبكة التي أصبحت العملية ممكنة داخلها. فشطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 24 آب أزال عائقًا كان يرفع كلفة المخاطر القانونية والسياسية أمام المؤسسات المالية، بعد أن كانت العقوبات الأميركية الأوسع قد رُفعت في مرحلة سابقة. لذلك، جاء اختبار البطاقات الدولية كإشارة سريعة إلى أن إعادة الوصل المالي لم تعد فكرة مؤجلة.

وجود "فرنسبنك" في هذا الاختبار يمنح لبنان فرصة، لكنه يكشف مفارقته أيضًا. فالقطاع المصرفي اللبناني، الذي كان تاريخيًا من أدوات وصل المنطقة بالأسواق الدولية، يحاول منذ انهيار 2019 استعادة الثقة بنفسه، فيما يبقى لبنان، مثل سوريا، على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي. لذلك، لا يستطيع لبنان التعامل مع الانفتاح السوري كعودة تلقائية إلى وظيفة قديمة.

بمعنى آخر، السوق موجودة والخبرة موجودة، لكن القدرة على الاستفادة منهما ترتبط بإصلاح النظام المالي اللبناني نفسه. وهذه النقطة تنقل العلاقة من سؤال "من يستطيع خدمة سوريا ماليًا؟" إلى سؤال معاكس لا يقل أهمية: "ماذا يحتاج لبنان من سوريا ليستعيد هو الآخر جزءًا من وظيفته الإقليمية؟"

من المال إلى الطريق
إذا كانت البطاقة تختبر قدرة لبنان على المشاركة في إعادة ربط سوريا ماليًا، فإن ملف النقل يقلب اتجاه الحاجة. فلبنان بلد صغير ذو مرافئ وقطاع خدمات، لكنه لا يملك منفذًا بريًا إلى العالم العربي إلا عبر سوريا. لهذا، تحولت الحرب السورية طوال سنوات إلى كلفة مباشرة على المصدر اللبناني، من إغلاق الطرق إلى ارتفاع كلفة الشحن وصعوبة الوصول إلى الأردن والعراق والخليج.

هنا تكتسب زيارة رسامني معناها. فالحديث تجاوز تسهيل عبور الشاحنات إلى إعادة إحياء الربط السككي ووصل مرفأ طرابلس بالشبكة السورية. فنجاح مشروع كهذا، إذا انتقل من الدراسات إلى التنفيذ، يغير وظيفة المرفأ نفسه: من مرفق يخدم سوقًا لبنانية محدودة إلى عقدة على ممر إقليمي أوسع. عندها، تصبح سوريا بالنسبة إلى لبنان ما كان لبنان يريد أن يكونه بالنسبة إليها: صلة وصل لا يمكن تجاوزها بسهولة.

لكن السكة، مثل البطاقة المصرفية، لا تعمل وحدها. فمرور البضائع ورؤوس الأموال بين البلدين يحتاج أيضًا إلى قواعد تحدد الضرائب والرسوم والاستثمارات وحركة الأشخاص. وهنا يظهر الملف الثالث في العلاقة الجديدة: الاتفاقيات التي ورثها البلدان من مرحلة سياسية مختلفة تمامًا.

الطرق تحتاج إلى قواعد
لا يكفي فتح الطريق أو استخدام المرفأ لصناعة علاقة اقتصادية جديدة. فخلفهما منظومة اتفاقات وضرائب ورسوم وتأشيرات وأحكام استثمارية وُضعت في مرحلة كان ميزان العلاقة السياسية بين البلدين مختلفًا جذريًا. لذلك، تبدو مراجعة 42 اتفاقية ومذكرة بين بيروت ودمشق حلقة منطقية بعد المال والنقل، لا ملفًا منفصلًا عنهما.

بهذا المعنى، تمنح المراجعة البلدين فرصة للانتقال من إرث علاقة غير متكافئة إلى علاقة تقوم على حساب المصالح بين دولتين. وهذا لا يعني أن المصالح متطابقة. فالمنتج اللبناني قد ينافس المنتج السوري، والمرفأ اللبناني قد ينافس ممرات أخرى، ورؤوس الأموال التي يبحث عنها لبنان قد تجد في إعادة إعمار سوريا سوقًا أكثر جذبًا.

لكن وجود قواعد جديدة للاختلاف نفسه سيكون جزءًا من التحول، لأن العلاقة الاقتصادية لا تحتاج فقط إلى فتح الحدود، وإنما إلى معرفة ما الذي يحدث عندما تتعارض مصالح الفريقين. وحين تصبح المصالح، لا الإرث السياسي، هي معيار العلاقة، يسقط افتراض قديم آخر: أن أحد البلدين يحتاج إلى الآخر أكثر بصورة ثابتة.

من يحتاج إلى من؟
عند هذه النقطة تتغير فكرة "البوابة" نفسها. يمتلك لبنان ما يمكن أن تحتاج إليه سوريا في مرحلة التعافي: مرافئ قريبة، شركات خدمات وهندسة وتأمين، شبكة واسعة من رجال الأعمال والمغتربين، وخبرة مصرفية يمكن أن تستعيد جزءًا من وظيفتها مع تقدم الإصلاحات. وتملك سوريا في المقابل ما يفتقده لبنان: سوقًا أكبر، ومساحة، وامتدادًا بريًا إلى الدول التي يريد الوصول إليها.

لهذا، يصعب بناء المرحلة الجديدة على المعادلة القديمة التي تفترض أن سوريا تحتاج إلى لبنان أكثر مما يحتاج إليها. فدمشق تستطيع تطوير قنوات مباشرة مع الأردن وتركيا والخليج واستخدام بدائل بحرية مختلفة، ولبنان يستطيع الاعتماد أكثر على الشحن البحري. لكن كلفة البدائل تجعل التكامل بين البلدين ذا قيمة للفريقين. فالقوة هنا لا تأتي من قدرة أحدهما على الاستغناء عن الآخر، وإنما من مقدار ما يستطيع كل منهما إضافته إلى شبكة مشتركة.

وإذا كان الاعتماد متبادلًا، فإن الجغرافيا وحدها لا تحسم لمن ستكون الأفضلية. فالمرفأ الذي لا يُحدَّث يفقد دوره، والسكة التي لا تُموَّل تبقى مشروعًا، والقطاع المصرفي الذي لا يستعيد الثقة لا يكفيه تاريخه. ومن هنا، يصل النقاش إلى العنصر الذي سيحدد فعليًا من يستفيد أكثر من المرحلة المقبلة.

الدور لمن يجهز نفسه
هذه النقلة تقود إلى الاختبار الأخير، وفق منطق أن امتلاك الموقع لا يضمن امتلاك الدور. فالسكة تحتاج إلى تمويل وبنية تحتية واتفاق تشغيل، والمرافئ تحتاج إلى تحديث، والحدود تحتاج إلى إجراءات أسرع، والمصارف تحتاج إلى امتثال وثقة، بينما يبقى البلدان تحت رقابة مجموعة العمل المالي، ويعمل كل منهما على معالجة نقاط ضعف مختلفة في نظامه المالي.

لذلك، قد يتحول السباق الحقيقي إلى الإصلاحات المطلوبة من البلدين: من ينجزها أسرع ليصبح جزءًا لا يمكن تجاوزه من الحركة الجديدة؟ فإذا استعادت سوريا صلاتها المالية وطورت طرقها وممراتها قبل أن يستعيد لبنان قطاعه المصرفي ويحدث مرافئه وحدوده، يمكن أن تتراجع الميزة اللبنانية التي كانت تُعامل طويلًا كأمر ثابت. وفي الاتجاه المعاكس، يستطيع لبنان، مع تسريع إصلاحاته، أن يجد أمامه سوقًا سورية كبيرة تحتاج إلى الخدمات والتمويل والمرافئ والخبرة.

بين بطاقة مرّت عبر مصرف لبناني في دمشق وسكة يبحث لبنان عن إعادتها عبر الأراضي السورية، تظهر علاقة مختلفة عن تلك التي عرفها البلدان لعقود. لا أحد منهما يملك وحده كل عناصر الدور الإقليمي، ولا تمنح الجغرافيا أفضلية دائمة من دون مؤسسات قادرة على استخدامها. المسار الجديد يجعل كل طرف بوابة للآخر في مجال مختلف، ويضع القيمة الفعلية للبنان وسوريا في قدرتهما على تحويل هذا الاعتماد المتبادل من إرث فرضته الجغرافيا إلى علاقة تنظمها المصالح والقواعد.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا