"القوات" تقلب الطاولة على مخزومي: معمل الكرنتينا يفجّر الخلافات البلدية
مع اقتراب انتهاء عقود جمع النفايات ومعالجتها في بيروت نهاية العام الجاري، لم يعد ممكناً تأجيل النقاش في مستقبل هذا الملف. غير أن بلدية العاصمة، التي يُفترض أن تكون في طليعة المستعدّين لهذه المرحلة، لا تزال عاجزة عن التوافق على رؤية موحّدة لإدارة واحدة من أكثر الأزمات حساسية.
فالمجلس البلدي، الذي أخفق في إطلاق مناقصات أساسية، وتعثّر في تلزيم أعمال الري وتشحيل الأشجار ورشّ المبيدات في الأحياء البيروتية، يبدو عاجزاً أيضاً عن حسم ملف النفايات. وقد تجلّى ذلك بوضوح في الجلسة التي عقدها نهاية الأسبوع الماضي، حين انفجر الملف في وجه رئيس البلدية إبراهيم زيدان، بعدما آثر، منذ انتخابه، إبقاءه خارج دائرة النقاش.
ولم يلتفت زيدان إلى الكتب الواردة من مجلس الوزراء، ولا إلى التحذيرات المتكرّرة الصادرة عن الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة، مكتفياً بعدم الردّ عليها. كما تجاهل مطالب عدد من أعضاء المجلس الذين دعوا مراراً إلى فتح نقاش جدّي حول خطة شاملة لإدارة النفايات قبل فوات الأوان، أو في الحد الأدنى، إلى التراجع عن قرار البلدية، المُتّخذ في عهد الرئيس السابق جمال عيتاني، بتولّي إدارة الملف بدلاً من الدولة، وإعادته إلى عهدتها.
وهكذا، بقي الملف خارج جدول أعمال المجلس، إلى أن استُدعي زيدان، الأسبوع الماضي، إلى اجتماع في السراي الحكومي برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، وبحضور نواب العاصمة، ووزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، ووزيرة البيئة تمارا الزين، إلى جانب ممثّلين عن الإدارات والمؤسسات المعنية، لبحث الخيارات المُتاحة ووضع تصوّر واضح لمعالجة أزمة النفايات.
اتفاق مُسبق من تحت الطاولة
عقب الاجتماع، سارع زيدان إلى الدعوة إلى عقد جلسة استثنائية للمجلس البلدي، أدرج على جدول أعمالها بندين: تشغيل معمل فرز الكرنتينا، ومناقصة كنس وجمع النفايات الصلبة في بيروت. وفي الكواليس، انطلقت اتصالات سياسية مُكثّفة لإيجاد مخرج للرئيس، عبر الدفع نحو تشغيل المعمل، بذريعة أن استمرار إقفاله قد يدفع الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة إلى تنفيذ تهديدها السابق بتفكيك الآلات والتجهيزات، المُقدّمة هبة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ونقلها إلى منطقة أخرى.
وتشير المعلومات إلى أن الخطة المكتوبة التي وزّعها رئيس البلدية على أعضاء المجلس لتسويق فكرة تشغيل المعمل، جاءت مُطابِقة للورقة التي عرضها النائب فؤاد مخزومي خلال الاجتماع الذي ترأّسه سلام الأسبوع الماضي. وعليه، فُهم أن الدعوة السريعة إلى عقد جلسة المجلس جاءت استجابة لضغط مارسه مخزومي، الذي أراد تبنّي المشروع وتسجيله في رصيده.
واندفع النائب البيروتي، إثر ذلك، إلى قيادة الاتصالات مع عدد من القوى السياسية لضمان تأييد ممثّليها داخل المجلس والتصويت لمصلحة المشروع. وتشير مصادر متابعة إلى أن عضو المجلس المحسوبة على حزب «القوات اللبنانية»، وفاء فخري الحسني، أبلغت زيدان أن أعضاء الحزب سيصوّتون إلى جانبه، على أن يُطلب من العضو المعارض للمشروع، سعيد حديفة، التغيّب عن الجلسة حتى لا يعرقل إقراره. وفي الوقت نفسه، نجح زيدان في استمالة الأعضاء الأرمن، إلى جانب المحسوبين على حزب الكتائب اللبنانية والتيار الوطني الحر، بعدما وعدهم بتخصيص جزء من العائدات المتأتّية من النفايات لتنفيذ مشاريع إنمائية في الأحياء المحيطة بالكرنتينا، التي يعترض سكانها على إقامة المعمل في منطقتهم.
وكانت الأمور تتجه نحو إقرار المشروع، إلى أن انقلب المشهد قبل ساعات من انعقاد الجلسة. فقد تراجع أعضاء «القوات اللبنانية» عن الوعد الذي قطعوه لمخزومي، وأبلغوا رئيس البلدية أنهم لن يصوّتوا إلى جانبه، ما دفع سائر الأعضاء المسيحيين إلى اتخاذ الموقف نفسه، لتسقط التسوية قبل ولادتها.
وتتباين الروايات حول أسباب تبدّل موقف «معراب». فثمة من يؤكد أن النائب غسان حاصباني طلب من أعضاء المجلس عدم تمرير المشروع خشية ارتداداته الانتخابية، وإمكان استثارة ناخبي الكرنتينا والمدوّر ضد «القوات». في المقابل، تشير روايات أخرى إلى أن حديفة لعب دوراً أساسياً في تغيير القرار، انطلاقاً من رفضه المُزمن لإقامة المعمل، فضلاً عن وجود تباين في المواقف بين الأعضاء «القواتيين» داخل المجلس.
إلا أن إسقاط المشروع لم يكن الضربة الوحيدة التي تلقّاها مخزومي من حليفه السياسي. فقد شهدت الجلسة، للمرة الأولى، خروج الخلاف بين رئيس البلدية ونائبه راغب حداد إلى العلن، رغم العلاقة الوثيقة التي تجمعهما. ويؤكّد عدد من أعضاء المجلس أنها كانت المرة الأولى التي يرفع فيها حداد صوته داخل الجلسة، منتقداً زيدان بسبب تأخّره في فتح ملف النفايات وطرحه من دون أي استراتيجية واضحة لمعالجته.
ولم يكن حداد هو الوحيد في هذا الموقف، إذ تقاطع معه معظم أعضاء المجلس، الذين أشاروا إلى أن الملف ظل مُغيّباً عن جدول الأعمال طوال الأشهر الماضية، وأن المجلس لم يستعن حتى برأي الاستشاري لإعداد سياسة متكاملة لإدارة النفايات قبل طرح الخيارات. كما شدّدوا على أن تشغيل معمل الكرنتينا لا يشكّل حلاً فعلياً، إذ لا تتجاوز قدرته على فرز النفايات 10% من الكميات المُنتجة في بيروت والمتن، فيما تُنقل النسبة المتبقّية إلى مطمر الجديدة، الذي يقترب بدوره من بلوغ سعته الاستيعابية القصوى خلال أقل من عام.
ومع احتدام النقاش، رُفعت الجلسة وأُرجئت لاستكمال البحث في موعد لاحق لم يُحدَّد بعد، ولا سيما أن زيدان غادر بعد الجلسة إلى الخارج.
لينا فخر الدين -الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|