الصحافة

اللعب بنار الأوراق الاستراتيجية قد يحرق الجميع!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

المعركة الحالية بين واشنطن و​طهران​، والتي تورّطت فيها أطراف إقليمية عدّة، لم تعد محصورة بالملف النووي الإيراني، ولا بالنفوذ الإقليمي والأذرع المُسلّحة، ولا بالصواريخ الباليستية والمُسيّرات، ولا حتى بتحضير الأجواء لتعميم ما يُسمّى "الاتفاقات الإبراهيمية"... بل صارت تتمحور حول أوراق استراتيجية كبرى لها تأثير حاسم على العالم أجمع. ماذا في التفاصيل:

في حزيران من العام 2025 فُوجئت إيران تمامًا بالحرب التي شنّتها عليها ​الولايات المتحدة الأميركية​ وإسرائيل، ولم تعرف كيف تردّ بشكل مؤذٍ، بينما في "حرب الأربعين يوماً" التي استهدفتها اعتباراً من 28 شباط 2026، كانت لائحة الردود العسكرية المؤلمة جاهزة. وفي تلك الفترة طبّقت طهران قرار إغلاق ​مضيق هرمز​، واعتمدته كسلاح تكتيكي يرمي إلى ممارسة ضغط إقليمي–دولي كفيل بإيقاف الحرب عليها. وفي الأسابيع القليلة الماضية، وبعد أنّ تأكّدت إيران بما لا يقبل الشكّ من الأهمية الكبرى لهذا المضيق، حوّلته من سلاح تكتيكي ظرفي لإنهاء الحرب، إلى سلاح استراتيجي تُلوّح به بشكل دائم لتعزيز أوراقها التفاوضية. وهذا بالتحديد ما جعل واشنطن تُعاود عملياتها العسكرية ضُدّها منذ نحو أسبوعين، في محاولة لسحب هذه الورقة من يد طهران، لأنّها تقلب موازين القوى بأكملها.

ولا يمكن أن توافق إدارة الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ على أن يتحكم "​الحرس الثوري الإيراني​" بمضيق هرمز، أي بحركة نحو 20 % من المشتقات النفطية العالمية. وبالتالي، وفي الوقت الذي تُحاول فيه واشنطن تشكيل تحالف دَولي يتولّى تأمين الحماية في مضيق هرمز عبر تنفيذ دوريات بحرية وجويّة دائمة فيه، إنّ الضغط الأميركي المُمارس ضُدّ إيران سيتواصل على الصعيدين العسكري حينا والسياسي حينا آخر طالما استمرّت هذه الأخيرة في استهداف السفن وناقلات النفط التي تُحاول عبور المضيق. والدوران في هذه الحلقة المفرغة سيستمرّ إلى حين توقف الهجمات، إن بفعل اتفاق سياسي مُستدام أو بالقوة، وجهود الوساطات، وأحدثها الوساطة العُمانية مفتوحة للتوصل إلى صيغة مقبولة من الجميع لحل هذه المعضلة.

وكانت إيران، وبعد أن وجدت نفسها في موقع صعب بفعل الضغط العسكري الأميركي المُتصاعد عليها، لجهة شنّ عشرات الغارات على مواقع وأهداف حسّاسة كل ليلة، قرّرت اللجوء إلى ورقة استراتيجية ثانية لا تقلّ أهمية، فحثّت حركة "أنصار الله" المُتهمة من قبل الغرب والدول الخليجيّة بتلقّي الأموال والأسلحة والصواريخ الباليستية والمُسيّرات والزوارق العسكرية من الحرس الثوري، على العمل لقطع الممرّات البحرية في ​باب المندب​. وقد بدأ ​الحوثيون​ بالفعل الأسبوع الماضي باستهداف بعض السفن وناقلات النفط التي تستعمل هذا الممرّ البحري، مُركّزين على ​المملكة العربية السعودية​ التي يتّهمونها بفرض حصار عليهم، علمًا أنّ موانئ الحديدة، بما فيها الصليف ورأس عيسى، مفتوحة وتستقبل السفن المحملة بالمواد الغذائية والسلع الأساسية والوقود، ولم يطرأ عليها أي تغيير منذ فترة زمنية طويلة. ومع دخول "أنصار الله" المواجهة إلى جانب إيران، توسّع الصراع الحالي تلقائيًّا ليشمل ساحات جديدة، مع تخوّف كبير من أن تتجدّد المواجهات بين السعودية والشطر اليمني الذي يُسيطر عليه الحوثيون. وبالتالي، أخذت الحرب القائمة تكتسب بُعدًا إقليمياً أكثر اتساعًا قد ينعكس سلبًا على كامل المنطقة وعلى الأعمال والحركة فيها، ما لم تنجح الجهود السلمية القائمة في لجم التصعيد وتثبيت الهدوء مجددًا.

ومن الضروري التذكير أنّ سعر برميل ​خام برنت​ كان يتراوح قبل اندلاع الحرب ضُد إيران أواخر شباط الماضي ما بين 70 و73 دولارًا. وفي ذروة الصراع تجاوز سعر البرميل الواحد عتبة 119 دولارًا، قبل أن يسلك مسارًا تراجعيًّا بموازاة تقدّم المفاوضات بين واشنطن وطهران. لكن ومع تجدد جولات القتال بين الفريقين، عادت الأسعار إلى الارتفاع، ما يُنذر بتجدّد موجة الغلاء العالمية، مع العلم أنّ الأسعار التي كانت قد ارتفعت بشكل جنوني بعد اندلاع الحرب، لم تنخفض إلا بشكل جزئي ومحدود عندما تقدّمت جولات التفاوض بشكل إيجابي في الأشهر الماضية. ولا شكّ أن من شأن الدوران الحالي لسعر برميل النفط صعودًا ونزولاً حول سقف المئة دولار أن يدفع دول العالم مرّة أخرى إلى رفع الصوت لوقف الحرب، والمُطالبة بالعودة إلى طاولة المفاوضات.

في الخلاصة، كل الجهات المعنية بالحرب في المنطقة تواجه مرحلة صعبة ودقيقة، لأن أي خطأ في الحسابات قد ينقل الوضع القائم من مجرّد شدّ حبال بهدف تحسين الشروط التفاوضية، إلى مواجهة عسكرية شاملة وشرسة جداً من شأنها أن تعيد خلط الأوراق الاستراتيجية على مستوى ​الشرق الأوسط​ ككل. والأيام القليلة المقبلة حسّاسة في تحديد الوجهة التي ستسلكها الأمور، إيجابًا أم سلبًا، مع الإشارة إلى أنّ اللعب بنار الأوراق الاستراتيجية قد يحرق الجميع، في حال خرجت الحرب عن السيطرة!

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا