من يملك البذور في لبنان؟
في بلد خسر آلاف الدونمات الزراعية بسبب الحرب، لا يدور الجدل اليوم حول إعادة استصلاح الحقول فحسب، بل حول البذور التي ستُزرع فيها مستقبلاً.
عندما اضطرت المزارعة زينب مهدي (51 عاماً) للنزوح من بلدتها الحدودية الناقورة إلى صور، لم تتمكن من نقل أكياسها وعبواتها التي كانت تحفظ فيها بذورها من الفليفلة الحلوة والحارة والملوخية والخيار والباذجان والخس والفول والبازيلاء والحمص والفجل والبقدونس والكزبرة... التي اعتادت زراعتها منذ سنوات. كانت تفكر في النجاة من دون أن تعلم أن إسرائيل ستجرف محاصيلها الزراعية كما بذورها، عن بكرة أبيها.
وعندما أُعلن عن وقف النار لأول مرة في حرب 2026، كان أول ما بحثت عنه زينب في غرفتها الزراعية هي البذور التي خبأتها، تقول: "لم أجد شيئاً، كانت تلك اللحظات أصعب ما يمكن أن يعيشه الشخص التي اعتاد العيش في الأرض والزراعة".
تنتمي زينب إلى عائلة امتهنت الزراعة جيلاً بعد جيل. فوالدها كان يستأجر الأراضي ويزرعها بالليمون والحمضيات والموز، فيما واصلت العائلة استصلاح أراضيها وتطويرها حتى أصبحت تمتلك مزرعة تمتد على نحو عشرة دونمات، تضم مختلف أنواع الخضر الموسمية إلى جانب أشجار الأفوكادو والزيتون والحمضيات. لكن هذه الأرض تحولت بعد الحرب مساحةً قاحلة بعدما جرفتها إسرائيل، لتفقد العائلة مصدر رزقها وإرثها الزراعي معاً.
بعد نزوحها، وجدت زينب في مشروع "بذور صور" الذي أطلقه "اتحاد بلديات صور"، بالتعاون مع جمعيات محلية لدعم النساء النازحات، فرصة لمواصلة ما اعتبرتها رسالة أكثر منها مهنة. فهي تشرف اليوم على المشروع الذي تضمن تدريب اكثر من 400 امرأة نازحة، ويرتكز على الزراعة العضوية والحفاظ على البذور البلدية، فيما تُنتج جميع الشتول من بذور محلية جرى إكثارها منذ عام 2024.
وتضيف: "أكرّس معظم وقتي لهذه الأرض التي أصبحت بديلاً من أرضي في الناقورة. أشعر كأنني أعوّض فيها شيئاً من خسارتي. هذه الأرض في صور أصبحت جزءاً مني، ولن أتركها حتى بعد انتهاء الحرب".
لذلك، تتابع بقلق النقاش الدائر حول مشروع قانون تنظيم تجارة البذور والشتول ومواد الإكثار، وسط تحذيرات منظمات بيئية وزراعية ومخاوفها من انعكاساته المحتملة على الأصناف المحلية وحقوق المزارعين، في مقابل تأكيد وزارة الزراعة أن المشروع يهدف إلى تطوير القطاع وتنظيمه.
ويؤكد وزير الزراعة نزار هاني لـ"النهار" أن الصيغة المتداولة للمشروع ليست نهائية، وأن المشروع لن يُحال بصيغته النهائية قبل التوصل إلى تفاهم مع مختلف الأطراف المعنية"، في محاولة لاحتواء المخاوف المتزايدة بشأن مستقبل البذور والزراعة في لبنان.
ومن هنا تبدأ قصة صراع يتجاوز تنظيم سوق البذور، ليصل إلى أسئلة تتعلق بالسيادة الغذائية ومستقبل الزراعة اللبنانية.
مخاوف من "العبودية" الغذائية
تضع رئيسة "الحركة الزراعية في لبنان" سارة سلّوم مشروع القانون في سياق أزمة أوسع تتعلق بالأمن الغذائي، مشيرة إلى أن لبنان يستورد أكثر من 80% من غذائه، فيما تتراجع المساحات الزراعية نتيجة غياب التخطيط والسياسات الداعمة للإنتاج المحلي.
وترى أن الجدل الدائر حول البذور يعكس مساراً طويلاً من تهميش القطاع الزراعي منذ نهاية الحرب الأهلية، ما زاد من هشاشته وارتهانه للخارج.
وكشفت الحرب الأخيرة حجم هذه الهشاشة، في وقت تبرز فيه تشريعات واتفاقات دولية مرتبطة بالبذور وحقوق الملكية الزراعية، بينها الاتفاقية الدولية لحماية الأصناف النباتية الجديدة (UPOV).
ومع هشاشة القطاع الزراعي، وغياب الرقابة الفعلية، يصبح تمرير سياسات وتشريعات جديدة أمراً أكثر سهولة، حتى وإن بدت في ظاهرها تنظيمية وإصلاحية. إلا أن جوهر هذه القوانين، يصبّ في خدمة الشركات الكبرى والنماذج الاقتصادية العالمية، أكثر مما يدعم المزارع المحلي.
هذه السياسات ليست معزولة، بل تأتي ضمن منظومة أوسع تُطرح على الدول كمسار اقتصادي جاهز. وقد وقّعت عليها دول عدة، بينها مصر وتونس والمغرب، إلى جانب الهند وفرنسا، حيث أظهرت التجارب في عدد منها نتائج سلبية أو محدودة الفعالية.
وتثير هذه التوجهات، وفق المعترضين، تساؤلات حول تأثيرها المحتمل على السيادة الغذائية وحقوق المزارعين في حفظ البذور وتبادلها.
ويشير معارضو المشروع إلى أن بعض الشركات المالكة لبراءات اختراع البذور، بما فيها أصناف معدلة وراثياً، تفرض قيوداً على إعادة استخدام البذور من موسم إلى آخر، ما يدفع المزارعين إلى شرائها بشكل متكرر ويزيد من اعتمادهم على الأسواق التجارية.
وتستند هذه المخاوف أيضاً إلى التركّز المتزايد في سوق البذور العالمية، حيث تهيمن شركات كبرى، مثل BASF وBayer/Monsanto وSyngenta وCorteva Agriscience، على حصة كبيرة من تجارة البذور والمدخلات الزراعية.
وفي هذا السياق، يتحدث الناشط بات موني Pat Mooney من مجموعة ETC المعنية بالعدالة البيئية، عن ظاهرة تُعرف بـ"القرصنة البيولوجية"، مشيراً إلى اتهامات موجهة لبعض الشركات بالاستفادة من الموارد الوراثية والمعارف الزراعية التي راكمها المزارعون، خصوصاً في بلدان الجنوب، وتحويلها إلى منتجات تجارية محمية بحقوق ملكية فكرية.
وبالنسبة إلى المعترضين، فإن جوهر القضية لا يقتصر على تنظيم تجارة البذور فحسب، بل يرتبط بالحفاظ على التنوع البيولوجي الزراعي وضمان حق المزارعين في الوصول إلى البذور وتبادلها بعيداً من التبعية الاقتصادية.
وتربط سلّوم هذه المخاوف مباشرة بمشروع القانون الذي تشير الى انه أُعدّ بالتعاون مع جهات خارجية، من دون إشراك كافٍ للمزارعين، ما يجعله، برأيها، بعيداً عن حاجات العاملين في القطاع.
وترى أن المشروع يمهّد لتحويل البذور من مورد زراعي متوارث إلى سلعة خاضعة لاعتبارات السوق والملكية. وبدلاً من أن تبقى البذور جزءاً من الموروث المشترك، تتحوّل إلى سلعة خاضعة للاحتكار، ما قد يُدخل المزارعين في حلقة من التبعية الدائمة، تصفها بأنها "عبودية البذور".
في جوهره، يقدّم المشروع إطاراً قانونياً يضع الاعتبارات التجارية في الواجهة، على حساب مفاهيم أساسية مثل السيادة الغذائية والتنوع البيولوجي. وهو ما يثير مخاوف من إعادة تشكيل القطاع الزراعي بما يخدم مصالح شركات كبرى، بدل دعم الإنتاج المحلي واستدامته.
ويستشهد المعارضون بتجارب دولية مماثلة. ففي كينيا، ألغت المحكمة العليا عام 2025 بنوداً أساسية في قانون البذور والأصناف النباتية بعدما اعتُبرت مقيدة لحق المزارعين في حفظ البذور التقليدية وتبادلها.
وكان القانون المعدل عام 2013 قد تضمّن أحكاماً متقاربة مع متطلبات اتفاقية UPOV لعام 1991التي تضم حوالى 80 دولة، ما أثار اعتراضات منظمات المجتمع المدني التي اعتبرت أنه يهدد أنظمة البذور التقليدية ويعزز الاعتماد على البذور المعتمدة تجارياً.
كذلك يستحضرون تجربة الهند، رغم أنها ليست عضواً في اتفاقية UPOV، والتي شهدت بين عامي 2020 و2021 احتجاجات واسعة رفضاً لقوانين زراعية اعتبرها المزارعون منحازةً لمصلحة الشركات الكبرى.
وبعد عام من الاعتصامات والضغوط الشعبية، تراجعت الحكومة الهندية عن القوانين وألغتها، في خطوة اعتُبرت انتصاراً للحركات الزراعية المدافعة عن حقوق المزارعين.
وفي قراءةٍ أعمق لهذه القضية، يرى الباحث الأميركي ليام إنغدال في كتابه بعنوان "بذور الدمار: الأجندة الخفية للمواد المعدلة جينياً"، أن انتشار هذه البذور يرتبط باستراتيجيات تقودها شركات زراعية كبرى تسعى إلى توسيع نفوذها في أسواق الغذاء العالمية، ولا سيما منها في الدول النامية الأكثر هشاشة على صعيد الأمن الغذائي.
ويشير بعض المنتقدين إلى أن انتقال حبوب اللقاح بين الحقول قد يثير إشكاليات زراعية وقانونية معقدة، خصوصاً في ما يتعلق بالمحاصيل المعدلة وراثياً.
ويُستشهد في هذا السياق بتجارب شركات زراعية كبرى، بينها "مونسانتو"، ويلفت معارضون إلى أن طبيعة بعض البذور التجارية قد تسمح بانتقالها عبر الرياح أو العوامل الطبيعية إلى مسافات قد تصل إلى مئات الأمتار، ما قد يؤدي إلى اختلاطها بالمحاصيل التقليدية في الحقول المجاورة.
وبحسب هؤلاء، فإن هذا الاختلاط قد يضع المزارعين الذين يواصلون استخدام البذور التقليدية أمام إشكالاتٍ تتعلق بتلوث محاصيلهم وراثياً، ما قد ينعكس على قدرتهم على إعادة استخدام البذور في المواسم اللاحقة، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بخرق شروط براءات الاختراع الخاصة بالبذور المحمية تجارياً، في حال ثبوت وجود مكونات وراثية محمية داخل حقولهم.
تُعدّ شركة "مونسانتو" من أبرز الفاعلين في قطاع البذور المعدّلة وراثياً والمبيدات الزراعية، وتشير بيانات سوقية إلى أن مساحات زراعة المحاصيل المعدلة وراثياً شهدت توسعاً كبيراً خلال العقود الأخيرة، في وقت تتركز فيه صناعة البذور التجارية والمبيدات في أيدي عدد محدود من الشركات متعددة الجنسية، نتيجة عمليات اندماج واستحواذ متتالية عززت هذا التركز.
قبل استحواذ شركة "باير" عليها عام 2018، كانت "مونسانتو" تحقق إيرادات بمليارات الدولارات سنوياً من بيع بذور الذرة وفول الصويا المعدلة وراثياً، إضافة إلى مبيد الأعشاب "راوند أب" المعتمد على مادة الغليفوسات، الذي شكّل أحد أبرز منتجاتها التجارية على مستوى العالم.
في المقابل، واجهت الشركة مدى سنوات عدداً من الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة ودول أخرى، تركزت خصوصاً حول استخدام مبيد "راوند أب" والجدل العلمي والقانوني بشأن تأثيراته الصحية المحتملة.
وقد صدرت في بعض هذه القضايا أحكام بتعويضات كبيرة ضد الشركة، وبينها قرار أصدرته هيئة محلفين في ولاية كاليفورنيا في 13 أيار/مايو 2019، يقضي بإلزام "مونسانتو" دفع تعويضات تصل إلى ملياري دولار لمجموعة من المتضررين، على أساس أن مبيد الحشائش الذي تنتجه الشركة المملوكة حالياً من "باير" الألمانية تسبب بإصابتهم بالسرطان.
ويذكر أن هذا هو ثالث حكم تعويض كبير يصدر ضد الشركة بسبب "راوند آب" الذي تنتجه، وألزمها الحكمان السابقان دفع حوالي 80 مليون دولار.
وزير الزراعة: إقرار قانون حديث للبذور يشكل ضرورة استراتيجية
يهدف مشروع قانون تنظيم تجارة البذور والشتول ومواد الإكثار إلى تنظيم قطاع البذور في لبنان من خلال ضبط جودة المدخلات الزراعية، ومراقبة الإنتاج والتسويق، وحماية حقوق المنتجين والمستثمرين. إلا أن بعض مواده أثار اعتراضات واسعة، ولا سيما منها تلك المتعلقة بتسجيل البذور والعقوبات المفروضة على إنتاج بذور غير مسجلة أو إكثارها أو استيرادها.
فبحسب الفصل الثامن من المشروع، قد تصل العقوبات إلى غرامات مالية تراوح بين 600 مليون ليرة لبنانية و3.5 مليارات ليرة، إضافة إلى عقوبات بالسجن تراوح بين سنة وثلاث سنوات، وهو ما دفع منتقدين إلى التحذير من تأثيره المحتمل على المزارعين، الذين يعتمدون على البذور البلدية والمحلية.
في المقابل، يؤكد الوزير هاني لـ"النهار" أن المشروع ليس جديداً، بل نتيجة سنوات من العمل لتحديث التشريعات الزراعية وتنظيم قطاع البذور. ويوضح إن الهدف منه هو "ضمان جودة البذور، مكافحة الغش، حماية حقوق المزارعين والمنتجين، وتشجيع الاستثمار والإنتاج المحلي بما يعزز الأمن الغذائي والسيادة الغذائية".
ويشير إلى أن لبنان يستورد حالياً ما بين 85 و95% من حاجاته من البذور، بقيمة سنوية تراوح بين 40 و45 مليون دولار، ما يجعل القطاع عرضةً لتقلبات الأسواق والأزمات. لذلك، يرى أن إقرار قانون حديث للبذور يشكل ضرورة استراتيجية لتشجيع الإنتاج المحلي وحماية الموارد الوراثية وضمان توافر البذور في أوقات الأزمات.
أما بشأن المخاوف المرتبطة بالبذور البلدية، فيشدد على أن المشروع لا يهدف إلى إلغائها أو استبدالها، بل يتضمن إنشاء سجل خاص للأصناف المحلية والتقليدية لحمايتها وتوثيقها، مؤكداً أن الوزارة مستمرة في الحوار مع الجمعيات والجهات المعنية لمناقشة الملاحظات وإدخال التعديلات اللازمة على المشروع.
هواجس بيئية وزراعية
لكن رغم تطمينات وزير الزراعة، فإن مشروع القانون يثير جدلاً واسعاً بين جمعيات بيئية وزراعية ومزارعين يخشون أن يؤدي إلى تعزيز نفوذ الشركات الكبرى في سوق البذور على حساب الأصناف البلدية وحقوق المزارعين في حفظ البذور وتبادلها.
وتربط سارة سلّوم هذه المخاوف بسياق أوسع يتعلق بالأمن الغذائي والسيطرة على الموارد الزراعية. وتشير إلى تحذيرات سابقة أطلقها مايكل فخري، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء، بشأن تداعيات السياسات الاقتصادية والغذائية على الأزمات الإنسانية، معتبرة أن الغذاء لم يعد قضية إنتاج واستهلاك فحسب، بل بات جزءاً من موازين القوة والصراع.
ومن هذا المنطلق، ترى أن التشريعات المرتبطة بالبذور لا يمكن فصلها عن معركة السيادة الغذائية. وتقول إن الخشية تكمن في أن تُقدَّم بعض القوانين بوصفها إصلاحات تنظيمية، فيما تؤدي عملياً إلى زيادة التحكم بالموارد الزراعية وتعميق تبعية المزارعين للأسواق والشركات التجارية.
وتقول "نحن لا نتحدث عن قانون للبذور فحسب، بل عن الخيارات التي ستحدد مستقبلاً من يملك الغذاء ومن يتحكم بإنتاجه".
في مؤتمر صحافي عقده في القدس الغربية،على هامش لقائه وفداً من الكونغرس الأميركي، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "إذا كنت تحمل هاتفاً محمولاً فأنت تحمل قطعة من إسرائيل في يدك"، مضيفاً: "حتى الطماطم التي تستهلكونها تأتي من إسرائيل".
هذه العبارة لم يتوقف عندها كثيرون، ولكنها دليل على أن إسرائيل تسيطر عالمياً على شركات متعددة الجنسية في التكنولوجيا وفي الزراعة أيضاً.
وتؤكد سلوم أننا "في حال لم ندافع عن هذه الموارد الطبيعية ونخوض نضالات لمنع تمرير هذه القوانين، كما حصل في بعض الدول، فإن أرضنا ومواردنا ستصبح بيد شركات متعددة الجنسية التي يمتلكها نافذون في العالم، ومنهم إسرائيل".
وفي هذا السياق، تلفت إلى أن إعداد مشروع القانون جرى بالتعاون مع جهات وخبراء دوليين، بينهم المركز الدولي للدراسات الزراعية المتقدمة لمنطقة البحر الأبيض المتوسط (CIHEAM Bari)، وهو ما يثير تساؤلات لدى بعض المعترضين حيال مدى مراعاته لخصوصية الواقع الزراعي واحتياجات المزارعين المحليين.
وتتقاطع هذه المخاوف مع ملاحظات أبدتها جهات حقوقية وبيئية، بينها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، التي اعتبرت أن المشروع بصيغته الحالية يتعامل مع البذور من منظور تقني وتجاري بالدرجة الأولى، من دون إعطاء اهتمام كافٍ للأبعاد المرتبطة بالحق في الغذاء، وحقوق المزارعين، والسيادة الغذائية، وحماية التنوع البيولوجي الزراعي.
أيوب حميد: المشروع ليس مطروحاً حالياً أمام مجلس النواب
كان النائب أيوب حميد أول من تقدّم باقتراح قانون "تنظيم تجارة البذور والشتول ومواد الإكثار". ويقول لـ"النهار" إن المشروع كان في الأصل من إعداد وزارة الزراعة، إلا أنها لم تتمكن من إحالته على مجلس النواب وفق الأصول القانونية". وهذا ما دفعه إلى تبنيه وتقديمه رسمياً.
ويفيد أن وزارة الزراعة طلبت لاحقاً استعادة المشروع لإبداء ملاحظاتها عليه، بالتزامن مع ورود ملاحظات واعتراضات من مزارعين وجمعيات زراعية وحقوقية.
ويشير حميد إلى أن المشروع لم يُستأنف البحث فيه منذ ذلك الحين، إذ لا يزال لدى وزارة الزراعة لإدخال التعديلات اللازمة وأخذ الملاحظات في الاعتبار، قبل إعادته إلى لجنة الزراعة والسياحة. وبالتالي، فإن المشروع ليس مطروحاً حالياً على جدول أعمال المجلس النيابي.
نسأله عن تقييمه للصيغة الحالية للمشروع، فيجيب أن القضية تتجاوز الجانب التقني، إذ ترتبط بملفات أساسية تشمل الأمن الغذائي والسيادة الغذائية والصحة العامة. لذلك، "من الضروري مقاربة المشروع من مختلف جوانبه، بما يحقق الفائدة للمزارعين، وفي الوقت نفسه يأخذ في الاعتبار أي انعكاسات محتملة على المواطنين، ولا سيما في ما يتعلق بمسألة البذور المهجنة وما يُثار حول آثارها الصحية"، على قوله.
ويشدد على أهمية تحقيق توازن بين تحديث القطاع الزراعي وتطويره، وبين حماية صحة المواطن وضمان الأمن الغذائي
"غرينبيس": البذور ليست سلعة تجارية
بدورها، ترى المديرة التنفيذية لـ"غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" غوى النكت أن النقاش حول هذا المشروع يتجاوز مسألة تنظيم السوق الزراعية، لأنه يرتبط مباشرة بمستقبل السيادة الغذائية في لبنان وحقوق المزارعين في الحفاظ على بذورهم المحلية.
وتؤكد أن "غرينبيس" لا تعارض تنظيم قطاع البذور في ذاته، لكنها ترفض مقاربة البذور باعتبارها سلعة تجارية فقط، إذ تمثل أساس الإنتاج الغذائي وجزءاً من التراث الزراعي وحقاً تاريخياً للمزارعين.
وتشدد على أن أي تشريع يجب أن ينطلق من حماية حق المزارعين في حفظ بذورهم واستخدامها وتبادلها، بما يتوافق مع إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الفلاحين والعاملين في المناطق الريفية.
وانطلاقاً من هذا الواقع، تحذر من أن الصيغة المطروحة قد تؤدي إلى تهميش البذور المحلية لمصلحة الأصناف التجارية والهجينة، في وقت تكتسب فيه هذه البذور أهمية متزايدة بسبب قدرتها على التكيف مع المناخ اللبناني وشح المياه والتغيرات المناخية.
ومن أبرز المخاوف التي تطرحها "غرينبيس" أيضاً احتمال زيادة تبعية المزارعين للشركات الكبرى وسوق البذور المستوردة، ما يهدد استقلالية الإنتاج الزراعي ويجعل الأمن الغذائي أكثر ارتباطاً بالمصالح التجارية الخارجية.
لذلك تدعو إلى تضمين القانون ضمانات واضحة تمنع الاحتكار وتحافظ على تنوع مصادر البذور المتاحة للمزارعين، والأهم ضمّ ممثلين عن المزارعين والتعاونيات والجمعيات البيئية في أي هيئة أو لجنة تُعنى بقطاع البذور وألا تقتصر على الجهات التجارية والتقنية.
عريضة احتجاج
وفي ظل تصاعد الاعتراضات على المشروع، وقّعت جهات بيئية وزراعية عريضة احتجاج، تبرز مخاوفها من انعكاساته على الممارسات الزراعية التقليدية والتنوع البيولوجي.
ويشير معارضون إلى أمثلة يعتبرونها دليلاً على التحوّل في نمط الزراعة، بينها استبدال أصناف محلية تاريخية من بذور القنب اللبنانية، وهي بذور بعلية كانت تنمو من دون الحاجة إلى الري، بأصنافٍ أخرى تتطلب كميات أكبر من المياه في مناطق سهلية تعاني أساساً من شحّ المتساقطات.
وبحسب هؤلاء، فإن هذا التحول أدى إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج وزيادة اعتماد المزارعين على شراء البذور سنوياً، بدل إعادة استخدام البذور المحلية.
ويرى رئيس شركة "أرضي أرضك" المهندس الزراعي عفيف وهبة أن المشروع "قد يؤدي إلى تقليص سيادة المزارعين على غذائهم، ورفع تكلفة الإنتاج، والحصول على منتجات أقل قيمة غذائية، إضافة إلى التأثير على التنوع البيولوجي".
وبحسب قراءته، فإن الدافع الأساسي وراء المشروع يرتبط باعتبارات تجارية أكثر منه بتطوير القطاع الزراعي أو دعم المزارعين المحليين، وهي مخاوف تشاركها جمعيات بيئية ومزارعون وقّع عدد منهم عريضة اعتراض عليه. ويجد أن تطبيقه صعب جداً ويواجه تحديات عملية في ظل الواقع الزراعي اللبناني.
ويوضح أن البذور تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: البذور المحلية المتوارثة عبر الأجيال، والبذور المهجّنة والبذور المعدّلة وراثياً. ويُفند كل صنف شارحاً أن البذور المحلية تشكل أساس التنوع الزراعي في لبنان، إذ يحتفظ المزارعون بجزء من محصولهم لإعادة زراعته في المواسم اللاحقة، ما يساعد على الحفاظ على أصناف متكيّفة مع المناخ والتربة المحليين.
أما البذور المهجّنة، فتمنح إنتاجية مرتفعة، لكنها تدفع المزارعين غالباً إلى شراء بذور جديدة في كل موسم. ويعطي مثلاً على ذلك بتهجين نوعين من الطماطم (البندورة)، أحدهما يتميز بجودة اللون والآخر بحجم الثمرة، لتنتج منهما بذور من الجيل الأول تُعرف بإسم F1، تعطي محاصيل تجمع بين هذه الصفات في الموسم الأول من الزراعة.
ويتركز الجدل حول البذور المعدّلة التي يتم تطويرها باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية لإكساب النباتات خصائص محددة، مثل مقاومة بعض الآفات أو القدرة على تحمل ظروف بيئية معينة.
هذه البذور المعدلة جينياً غالباً ما تُطرح في إطارٍ تجاري مرتبط بشركات متخصصة في التكنولوجيا الزراعية، بحيث تُباع ضمن أنظمة إنتاج منظمة تختلف عن البذور التقليدية. ويتركز الجدل حولها، على مدى تأثيرها على استقلالية المزارعين وإمكان إعادة استخدامها من موسم إلى آخر.
البذور المحلية... أباً عن جد
تقول المزارعة زينب مهدي إن "البذور المحلية جزء من تراثنا الزراعي وهويتنا. لقد ورثنا عن آبائنا وأجدادنا معرفة حفظ البذور وزراعتها من موسم إلى آخر، وهي تمنحنا إنتاجاً وفيراً وجودة نعرفها جيداً".
أما البذور المهجنة التي نسمع عنها اليوم، كما تضيف، فـ"لا تعطينا النتيجة نفسها، كما أنها أكثر عرضة للأمراض وتتطلب استخدام الأسمدة والمواد الكيميائية، وهو ما نحاول تجنبه قدر الإمكان في زراعتنا".
في الجنوب، حيث يعتمد أكثر من 80 في المئة من السكان بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزراعة، تشكّل البذور المحلية جزءاً أساسياً من دورة الإنتاج الزراعي. فالمزارعون يتبادلون هذه البذور ويحفظونها من موسم إلى آخر، ما يخفف من أعبائهم المالية ويحافظ على استقلاليتهم الزراعية.
وترى أن الاعتماد على البذور المهجنة يفرض أعباءً إضافية على المزارعين، ولا سيما منهم صغارهم. وبالنسبة إليها، "البذور المهجنة تُزرع لموسم واحد فقط، ما يجبر المزارع على شرائها كل عام. وهذا أمر يفوق قدرة كثير من المزارعين المادية، فضلاً عن المتطلبات الإدارية المرتبطة بشرائها وتسجيلها وفحصها".
تمسُك زينب بالبذور المحلية لا يرتبط بالتكلفة الاقتصادية فحسب، بل أيضاً بقناعتها الشخصية بأهمية الغذاء الطبيعي. بالنسبة لها "نحن نحاول قدر الإمكان تجنّب كل ما قد يؤثر على صحة عائلاتنا. لذلك نفضّل البذور التي اعتدنا عليها ونعرف خصائصها، بدلاً من الاعتماد على أصناف جديدة غير صحية وتُسبب الأمراض، لذلك نحاول الإبتعاد عن الأمراض وليس أن نجلب المرض إلى منازلنا وطعامنا".
براءة الاختراع في البذور
على رغم اختلاف خلفيات المعترضين على مشروع القانون، فإنهم يلتقون عند مجموعة من الهواجس المرتبطة بمستقبل الزراعة والسيادة الغذائية.
في هذا السياق، ترى فاطمة رعد، الاستشارية في العافية والمختصة في الأيورفيدا (نوع من النظام الطبي التقليدي الذي يعود إلى ما قبل خمسة ألاف عام )، أن النقاش يتجاوز الجوانب التقنية والتنظيمية ليطاول قضيةً أوسع تتعلق بالسيادة الغذائية.
وتقول إن "البذور المهجنة أو المعدلة وراثياً غالباً ما تُسوّق باعتبارها وسيلة لزيادة الإنتاج، فيما يغيب عن النقاش تأثيرها المحتمل على استقلالية المزارعين وعلى طبيعة النظام الغذائي مستقبلاً".
وتوضح أن إحدى أبرز الإشكاليات ترتبط بحقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع التي تخضع لها بعض البذور المطورة تجارياً، ما قد يدفع المزارعين إلى الاعتماد على الشركات المنتجة للحصول على البذور في كل موسم، بدلاً من حفظها وإعادة زراعتها كما جرت العادة في الأنظمة الزراعية التقليدية.
ولا تقتصر المخاوف، بحسب رعد، على الجوانب الاقتصادية والزراعية، بل تمتد إلى البعد الصحي أيضاً. وقد رصدت دراسة كندية أجراها باحثون عام 2011 في مقاطعة كيبيك، بروتين Cry1Ab المرتبط ببعض المحاصيل المعدلة وراثياً في عينات دم لنساء حوامل وأجنتهن، ما أثار نقاشاً علمياً حول التأثيرات المحتملة لهذه المحاصيل وضرورة مواصلة البحث في آثارها الصحية الطويلة الأمد.
أما التخوف الآخر، فيرتبط بالتنوع البيولوجي الزراعي، إذ ترى أن التوسع في زراعة عدد محدود من الأصناف التجارية قد يؤدي إلى تراجع الأصناف المحلية المتكيفة مع المناخ والتربة اللبنانيين، وإضعاف التنوع الوراثي الذي يشكل أحد عناصر صمود الأنظمة الزراعية في مواجهة الأمراض والتغيرات المناخية.
في بلد تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والحروب مع هشاشة القطاع الزراعي، لا تبدو معركة البذور تفصيلاً تقنياً، بل جزء من سؤال أكبر حول من يملك حق القرار في الغذاء، وكيف ستُزرع الأرض في السنوات المقبلة، وبأي شروط؟
ليلي جرجس- النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|