إلغاء عقوبة الإعدام: بين الالتزام بحقوق الإنسان وإشكاليات السياسة
أعادت اللجان النيابية المشتركة فتح واحد من أكثر النقاشات القانونية والأخلاقية حساسية في لبنان، وذلك من خلال إقرار اقتراح قانون يقضي بإلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، بما يحافظ، وفق مقدمي الاقتراح، على التدرج في هرم العقوبات ويحول دون إحداث تخفيف جذري للعقوبة القصوى. ويستند هذا التوجه إلى واقع عملي يتمثل في امتناع الدولة اللبنانية عن تنفيذ أي حكم بالإعدام منذ عام 2004، الأمر الذي دفع إلى المطالبة بمواءمة النصوص القانونية مع الممارسة الفعلية.
ولا شك في أن هذه الخطوة تمثل محطة مفصلية في تطور السياسة الجزائية اللبنانية، لأنها تطاول أقسى العقوبات التي ينص عليها القانون، أي العقوبة التي تنهي حياة الإنسان باسم العدالة وباسم سلطة الدولة.
غير أن النقاش حول عقوبة الإعدام لم يكن يومًا نقاشًا تقنيًا يقتصر على اختيار نوع من أنواع العقوبات، بل هو نقاش يمس جوهر العلاقة بين الدولة والفرد، وحدود السلطة العقابية التي تملكها الدولة، ومدى خضوعها للمبادئ الدستورية والإنسانية التي تشكل أساس دولة القانون. فالدولة الحديثة، وإن احتكرت حق العقاب، لا تمارسه بصورة مطلقة، بل تظل مقيدة بجملة من المبادئ العليا، وفي مقدمتها احترام الكرامة الإنسانية وصون الحق في الحياة.
ومن حيث المبدأ، فإن تأييد إلغاء عقوبة الإعدام لا ينبع من التساهل مع الجرائم الخطيرة، ولا من تجاهل معاناة الضحايا وعائلاتهم، ولا من التقليل من خطورة الجرائم الإرهابية أو الجرائم العمد التي تستهدف حياة الأبرياء. وإنما يستند إلى قناعة قانونية وإنسانية مفادها أن العدالة الجنائية الحديثة لا تقوم على الانتقام، بل على حماية المجتمع، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق الردع ضمن إطار يحترم الحقوق الأساسية للإنسان.
فالحق في الحياة يشكل حجر الزاوية في منظومة حقوق الإنسان، وهو حق لا يقبل التدارك إذا ما انتُهك. فإذا كان من الممكن تعويض شخص سُجن ظلمًا أو تصحيح حكم قضائي خاطئ بعد إعادة المحاكمة، فإن تنفيذ حكم الإعدام بحق بريء يبقى خطأً نهائيًّا لا تستطيع الدولة إصلاح آثاره مهما قدّمت من اعتذارات أو تعويضات. وقد شكلت هذه الحقيقة أحد أهم الأسباب التي دفعت عددًا متزايدًا من الدول إلى إعادة النظر في هذه العقوبة، ولا سيما بعد ظهور حالات عديدة ثبت فيها، بفضل تطور وسائل التحقيق والإثبات، أن بعض المحكومين بالإعدام كانوا أبرياء.
إلا أن النقاش حول إلغاء الإعدام لا يمكن أن يُختزل في المبادئ المجردة وحدها، لأن السياسة الجنائية ليست مجرد فلسفة أخلاقية، بل هي أيضًا سياسة عامة تهدف إلى حماية المجتمع، وصون الأمن العام، وضمان تنفيذ العدالة بصورة فعالة. ومن هنا يبرز سؤال أساسي في الحالة اللبنانية: هل يكفي أن تكون عقوبة الإعدام متعارضة مع الاتجاه العالمي المتنامي في مجال حقوق الإنسان حتى يصبح إلغاؤها خيارًا تشريعيًا سليمًا، أم أن نجاح هذا الخيار يفترض أيضاً وجود دولة قوية تحتكر استخدام القوة، وتتمتع بقضاء مستقل وعادل، وتملك القدرة الفعلية على تنفيذ الأحكام، وضمان عدم الإفلات من العقاب؟
وتزداد أهمية هذا السؤال في بلد يعاني منذ عقود من اختلالات بنيوية تمس مفهوم الدولة ذاته، ومن ضعف في تطبيق القانون، ومن وجود سلاح ميليشياوي خارج المؤسسات الشرعية، ومن تفاوت في قدرة السلطات العامة على فرض سيادة القانون بصورة متساوية على كامل الأراضي اللبنانية. فهذه الوقائع تفرض التساؤل عما إذا كان إصلاح السياسة العقابية يمكن أن يحقق أهدافه بمعزل عن إصلاح مؤسسات الدولة نفسها.
ومن ثم، فإن المقاربة القانونية المتوازنة تقتضي عدم تصوير النقاش على أنه مواجهة بين المدافعين عن حقوق الإنسان وأنصار التشدد العقابي، لأن حماية الحقوق الأساسية لا تتعارض مع واجب الدولة في حماية المجتمع، كما أن مكافحة الجريمة لا تبرر المساس بالكرامة الإنسانية. فالعدالة الجنائية الحديثة مطالبة بتحقيق معادلة دقيقة تجمع بين صون الحقوق الفردية وضمان الأمن الجماعي، وبين احترام الإنسان وترسيخ هيبة القانون.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يتناول هذا البحث إشكالية إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان من زاويتين متكاملتين. فيُخصَّص القسم الأول لبحث الإطار القانوني والفلسفي لهذه العقوبة، من خلال عرض تطور فلسفة العقاب، وموقع لبنان ضمن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وواقع التشريع الجزائي اللبناني بين النصوص والتطبيق. أما القسم الثاني فيتناول خصوصية الحالة اللبنانية، فيناقش التناقضات التي تعتري السياسة العقابية، وإشكالية إلغاء الإعدام في ظل ضعف الدولة ووجود السلاح خارج الشرعية، ومدى فعالية العقوبات البديلة في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، وصولاً إلى ضرورة عدم إغفال حقوق الضحايا باعتبارها ركناً أساسياً من أركان العدالة الجنائية.
نداء الوطن - الدكتور دريد بشرّاوي
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|