الصحافة

تنافس تركي-إسرائيلي على الإرث الإيراني في المنطقة... الوسيط السوري يعبّد طريق الشمال اللبناني لأردوغان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

على وقع النشيدين اللبناني والتركي اللذين استُقبل بهما رئيس الحكومة نواف سلام بدأت الجولة التي استهلها بلقاء مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. تأتي هذه الزيارة في مرحلة بدأ يتجلى فيها الدور التركي تزامناً مع دخول منطقة الشرق الأوسط طورًا جديدًا من التنافس على ملء الفراغات الجيوسياسية التي خلّفتها الحروب، وتراجع مفاعيل بعض الدول الإقليمية، والتحولات التي فرضتها المواجهات العسكرية المتلاحقة.

في هذا السياق، يبرز الدور التركي بوصفه أحد أكثر الأدوار ديناميكية، مستندًا إلى مزيج من القوة العسكرية، والحضور الاقتصادي، والأدوات الدبلوماسية، والرهان على النفوذ الثقافي والتاريخي، بما يمنح أنقرة قدرة متزايدة على إعادة التموضع في ملفات تمتد من سوريا والعراق إلى جنوب القوقاز وشرق المتوسط، وصولًا إلى التأثير في معادلات الخليج وآسيا الوسطى.

وتزداد أهمية هذا التحول مع ما يعتبره عدد من المراقبين تراجعًا نسبيًا في قدرة إيران على الحفاظ على مستوى النفوذ الذي بنته خلال العقدين الماضيين، نتيجة الضغوط الاقتصادية والعقوبات، والتحديات الداخلية، وتداعيات المواجهات الإقليمية. وفي هذا الإطار، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل تسعى تركيا إلى ملء الفراغ الذي قد ينشأ عن انحسار النفوذ الإيراني في بعض الساحات، أم أن الأمر يتعلق بإعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي وفق توازنات جديدة لا تقوم على الإحلال الكامل بقدر ما تقوم على المنافسة وتقاسم مناطق التأثير؟

الباحث في الشأن التركي جو حمّورة ينطلق من الحقيقة الاستراتيجية التي كانت قائمة منذ أعوام ويقول لـ"المركزية" "قبل النفوذ الإيراني في المنطقة بسبب الحروب والحصار كانت هناك  ثلاث  دول إقليمية غير عربية تتنافس على النفوذ في لبنان وسوريا وغزة .وهذه الدول هي إسرائيل وتركيا وإيران. اليوم تراجع الدور الإيراني بشكل واضح بحكم الحرب والخسائر البشرية  والعسكرية والاقتصادية التي خلفتها الحروب التي تخوضها مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وبالتالي بدأت مساعي كل من إسرائيل وتركيا لملء هذا الفراغ  وتعبئته حيثما كان النفوذ الإيراني أي سوريا التي حُسم تقسيم النفوذ فيها بين تركيا التي نالت القسم الأكبر وإسرائيل التي حصلت على الجنوب السوري ومناطق أخرى في غزة.

يتابع حمورة: المعركة التنافسية اليوم تتمثل في العراق وتحديدا في لبنان. فتركيا تسعى لأن يكون لها موطئ قدم متقدم وأساسي في لبنان مقارنة مع الدور البسيط والعادي الذي كانت تلعبه في السنوات الخمس الماضية ولم يكن من الوارد مقاربته بالدور الإيراني أو الأميركي أو السعودي.

حول الدور المتقدم الذي تسعى تركيا إلى تعبئته في لبنان يوضح حمّورة أن "النفوذ محض سياسي وتحديدا في البيئة السنية التي تعاني بدورها من الفراغ في القيادة والمرجعية السياسية بعد أفول الحريرية السياسية. واستطراداً يشير إلى الدور الذي لعبته تركيا في الأعوام الخمس الأخيرة لجهة تأمين الدعم الإجتماعي للبيئة السنية في عكار وطرابلس وقامت بترميم مدارس وجوامع وكنائس كما ساهمت في تأمين المساعدات الطبية لأبناء هذه المناطق وتقديم منح مدرسية. وبالتالي فإن البنية الإجتماعية والإقتصادية بحدها الأدنى لاستقبال الدور التركي جاهزة.

بالتوازي يلفت حمورة إلى الدور الذي تعول عليه تركيا، أي السوري، الذي يلعب دور الوسيط بين السلطة التركية والشعب اللبناني. لكن تركيا تركز كثيرا على أهداف التدخل السوري في لبنان وليس على نوعية التدخل سواء كان سياسيا أو عسكريا لأنها لا تريد أن تخدم هذه الأهداف المصالح الأميركية إنما التركية والسورية في آن معاً.   

الأكيد أن كل تحول في موازين القوى الإقليمية ينعكس مباشرة على حسابات إسرائيل الأمنية والاستراتيجية، سواء من خلال تقليص مصادر التهديد التقليدية، أو من خلال ظهور قوى إقليمية جديدة تمتلك أدوات مختلفة في إدارة الصراع والنفوذ. من هنا، يصبح المشهد أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل المصالح أحيانًا بين أنقرة وتل أبيب في بعض الملفات، بينما تتعارض في ملفات أخرى، خصوصًا في سوريا وشرق المتوسط والقضية الفلسطينية، بما يجعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى مزيج من المنافسة والتعاون البراغماتي وفق مقتضيات كل مرحلة.

وتعقيبا على مدى تأثير التدخل التركي بالحركة التوسعية لإسرائيل في المنطقة يقول  حمورة" تركيا تأتي متأخرة لمواجهة النفوذ الإسرائيلي. فإسرائيل موجودة في لبنان وسوريا وكان لديها مطار سري في العراق ، وبالتالي فإن الدور التركي سيقتصر على رد الفعل وليس الفعل بحد ذاته. وإذا أخذنا النفوذ التركي المحتمل في عكار وطرابلس فهو حتما لن يؤثر على إسرائيل لأن هدفها هو التخلص من حزب الله وتأمين حماية حدودها وأمن مستوطناتها الشمالية .

مستذكرا ما قاله أردوغان منذ حوالى الشهر في مجلس الشعب التركي عن أن "أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت" وليس من إزمير وأنقرة واسطنبول مما يعني أن هناك نظرة جديدة لدى تركيا للأمن القومي تتخطى حدودها الجغرافية "يختم حمورة.

مع هذا المشهد المستجد بدخول الدور التركي ، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة لا تقوم على هيمنة قوة إقليمية واحدة، بل على تنافس مفتوح بين مشاريع متعددة، تتقاطع فيها الحسابات التركية والإيرانية والإسرائيلية، إلى جانب أدوار عربية ودولية فاعلة، ما يجعل مستقبل الشرق الأوسط رهينة قدرات هذه القوى على إدارة تناقضاتها أكثر من قدرتها على حسمها. ومن هنا تنبع أهمية قراءة أبعاد الحراك التركي، ليس باعتباره توسعًا منفصلًا، وإنما كجزء من عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي، وما قد يترتب عليها من انعكاسات استراتيجية على توازنات القوة، وعلى مستقبل الصراع العربي–الإسرائيلي، وطبيعة التحالفات التي سترسم ملامح المرحلة المقبلة.

جوانا فرحات - المركزية 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا