الاتفاق أو الاستنزاف... لا خيار ثالث!
كتب سعد شعنين :
في السياسة كما في الحروب، لا تُقاس القرارات بالشعارات بل بالنتائج. والتاريخ مليء بدول وقوى رفعت سقف المواجهة إلى أقصى الحدود، لكنها عادت وجلست إلى طاولة التفاوض عندما اكتشفت أن كلفة استمرار الحرب أكبر من قدرة شعوبها واقتصاداتها ومؤسساتها على الاحتمال.
لبنان اليوم أمام لحظة مشابهة، فبعد أكثر من خمسين عاماً من الصراعات والحروب المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل، وبعد أثمان بشرية واقتصادية وسياسية هائلة، يحق للبنانيين أن يسألوا: إلى أين يقودنا استمرار هذا المسار؟ وما هو الأفق الحقيقي لحالة النزاع المفتوح التي لم تنتج حتى الآن سوى المزيد من الدمار والانقسام والتراجع؟
اللافت أن المنطقة نفسها تقدم اليوم نموذجاً صارخاً على أولوية المصالح على الشعارات. فإيران، التي خاضت مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتعرضت لضربات مؤلمة، وشهدت اغتيال شخصيات وقادة تعتبرهم من أهم رموزها، عادت بعد أشهر قليلة إلى مسار التفاوض والتفاهمات غير المباشرة عبر الوسطاء. لم تفعل ذلك حباً بخصمها، بل لأنها أدركت أن استمرار المواجهة إلى ما لا نهاية يحمل أثماناً تفوق المكاسب، وأن الدول في النهاية تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق الانفعالات.
إذا كانت دولة بحجم إيران، بكل قدراتها العسكرية والاقتصادية والديموغرافية، وجدت نفسها مضطرة إلى البحث عن مخارج سياسية بعد أشهر من الحرب والضغوط، فكيف بلبنان الذي يعيش منذ نصف قرن في قلب الصراع ويدفع أثمانه بشكل متواصل؟ وكيف يمكن للبنانيين أن يقنعوا أنفسهم بأن ما لم يتحقق خلال خمسين عاماً من المواجهات يمكن أن يتحقق عبر تكرار السياسات نفسها لعقود إضافية؟
الحقيقة التي باتت تفرض نفسها أن لبنان لم يعد يملك ترف الوقت. اقتصاده منهك، شبابه يهاجرون، مؤسساته تكافح للبقاء، والاستثمارات تنتظر الاستقرار قبل أي شيء آخر. وفي ظل هذه الوقائع، يصبح السؤال عن السلام أو الاتفاق سؤالاً مرتبطاً بمستقبل الدولة نفسها، لا مجرد نقاش سياسي بين فريق وآخر.
الاعتراض على الاتفاق حق مشروع، لكن المسؤولية الوطنية تفرض طرح السؤال المقابل: ما هو البديل؟ هل البديل هو إبقاء الجنوب ساحة مفتوحة لكل مواجهة إقليمية؟ هل البديل هو انتظار حرب جديدة كل بضع سنوات؟ هل البديل هو استمرار نزف الاقتصاد وفرص العمل والاستثمارات؟ أم أن البديل الحقيقي غير موجود أصلاً، وأن ما يُطرح عملياً هو إدارة الأزمة لا حلها؟
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي نجحت في الخروج من دوامة الحروب لم تفعل ذلك لأنها نسيت ماضيها أو تخلت عن رواياتها التاريخية، بل لأنها قررت أن مستقبل شعوبها أهم من البقاء أسرى ذلك الماضي. فالاتفاقات لا تعني الحب بين الخصوم، بل تعني تنظيم المصالح ومنع الحروب وفتح الباب أمام الاستقرار.
من هنا، فإن أي مسار تفاوضي تقوده الدولة اللبنانية لا يجب النظر إليه على أنه تنازل، بل على أنه محاولة لإنهاء واحدة من أطول مراحل الاستنزاف في تاريخ لبنان الحديث. فالدولة القوية ليست تلك التي تكرر شعارات الحرب، بل تلك التي تحمي شعبها من الحرب عندما يصبح السلام أكثر فائدة لمصالحها الوطنية.
بعد خمسين عاماً من الأثمان والخسائر والفرص الضائعة، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا الاتفاق؟ بل أصبح: كم سيدفع لبنان بعد إذا اختار ألا يفعل؟
إنها لحظة مواجهة مع الواقع لا مع الشعارات. فإما قرار شجاع يفتح الباب أمام استقرار طويل الأمد، وإما استمرار الدوران في الحلقة نفسها التي استنزفت أجيالاً من اللبنانيين، من دون أن تقترب البلاد خطوة واحدة من مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|