الإتّفاق الأميركيّ - الإيرانيّ... هل يُنهي وجود الفصائل المسلّحة في العراق؟
الجنوب بين التفاوض والاحتلال
كشف مصدر ديبلوماسي مطلع على المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن، لـ«الجمهورية»، أنّ «ما يدور خلف أبواب التفاوض يتجاوز بكثير النقاشات التقنية المتعلقة بوقف إطلاق النار أو الترتيبات الأمنية في الجنوب، لأنّ المعركة الحقيقية تدور حول مستقبل الجنوب اللبناني وطبيعة المرحلة التي ستلي الحرب، خصوصاً أنّ الحرب الأميركية- الإيرانية تضع أوزارها وقد شارفت على النهاية، على رغم من أنّ ذلك لا يعني نهايتها في لبنان، وتحديداً في جنوبه».
وأكّد المصدر، أنّ «الوفد اللبناني دخل المفاوضات من منطلق واضح يقوم على أولوية وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأهالي إلى قراهم، فيما حضر الوفد الإسرائيلي حاملاً مقاربة مختلفة بالكامل، تقوم على محاولة تثبيت وقائع ميدانية جديدة نشأت بفعل الحرب، وتحويلها إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد، ولا يزال يفرض ذلك إلى اليوم»، متوقعاً استمرار معادلة «شمال إسرائيل مقابل الضاحية الجنوبية لبيروت» أو ما يشابهها.
وأضاف أنّ «الجانب اللبناني لمس منذ الجلسات الأولى وجود تباين بين المقاربة الأميركية والإسرائيلية، وإن لم يصل إلى حدّ الخلاف الجوهري»، موضحاً أنّ «واشنطن تريد منع انفجار أوسع في المنطقة، قد ينعكس على ملفات إقليمية أخرى، فيما تسعى إسرائيل إلى استثمار تفوُّقها العسكري الحالي لترسيخ منطقة عازلة في جنوب لبنان تحت عناوين أمنية مختلفة».
وأشار إلى أنّ «الطرح اللبناني يركّز على منع تحويل القرى الجنوبية المدمّرة إلى منطقة خالية من السكان، ولذلك طُرِحَت فكرة «المناطق التجريبية» (Pilot Zones) باعتبارها مدخلاً لعودة الأهالي وانتشار الجيش اللبناني وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق محدَّدة. فلبنان اقترح أن تبدأ التجربة من بنت جبيل، نظراً إلى رمزيّتها وموقعها داخل المنطقة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها كحزام أمني، قبل أن تنتقل النقاشات إلى بدائل أخرى بينها منطقة الشقيف ومحيطها». ويشرح الديبلوماسي نفسه، أهمّية هذه المناطق في أنّها «تسحب ذريعة التهديد المباشر لأمن إسرائيل ممّا يعرّضها إلى القصف بدرجة أولى، وصولاً إلى عدم تهجير أهلها وتدمير بنيتها المدنية بدرجة ثانية، وأخيراً جعلها منطقة سيادية للدولة اللبنانية، لا تخضع لسلطة الميليشيات غير الشرعية. وتل أبيب تدرك جيداً هذا السيناريو لذلك ترفضه».
ولفت المصدر إلى أنّ المخاوف اللبنانية لا تقتصر على استمرار الاحتلال في بعض النقاط، بل تتصل أيضاً بمحاولة إسرائيل فرض واقع جديد يمتدّ من الخط الأزرق إلى عمق عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، تحت ذريعة إبعاد مصادر التهديد عن المستوطنات الشمالية. وأوضح أنّ «الجانب الإسرائيلي حاول خلال المفاوضات تضخيم حجم الانتشار العسكري لـ«حزب الله» جنوب الليطاني، وتقديم أرقام مرتفعة حول عدد المقاتلين الموجودين في المنطقة (بضعة آلاف)، بينما تؤكّد السلطات اللبنانية أنّ العديد لا يتجاوز بضع مئات»، معتبراً أنّ هذا الأسلوب يهدف إلى «تبرير الإبقاء على الاحتلال وإطالة أمد السيطرة العسكرية الإسرائيلية».
وشدّد المصدر على أنّ «لبنان يدرك تماماً أنّ الولايات المتحدة ليست وسيطاً محايداً بالمعنى التقليدي، بل تنطلق من أولوية أمن إسرائيل. إلّا أنّ الوفد اللبناني عمل على استثمار أي هامش متاح للدفاع عن المصلحة اللبنانية، ومنع تكريس الوقائع التي فرضتها الحرب. لذلك، إنّ أهمّية المفاوضات الحالية لا تنبع فقط من بُعدها الأمني، بل من كونها تمثل محاولة لاستعادة القرار اللبناني المستقل، ومنع ربط مصير الجنوب بأي مسارات إقليمية أخرى. الدرس الذي تعلّمه لبنان من تجارب الماضي، هو أنّ ربط مستقبله بتسويات الآخرين كان دائماً مكلفاً. واليوم هناك حرص واضح على ألّا يتحوَّل الجنوب مجدّداً إلى ورقة تفاوض إقليمية. وقد تأكّد ذلك بفصل مساره عن مسار طهران».
وأكّد أنّ «أي تفاهم لبناني – إسرائيلي مستقبلي لا يمكن أن ينجح إذا لم يتضمّن مساراً واضحاً، يقود إلى انسحاب إسرائيلي كامل وعودة السكان وإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة»، محذّراً من أنّ «تحويل المناطق التجريبية إلى وضع دائم سيعني عملياً تثبيت نتائج الحرب بدلاً من إنهائها».
وعن تأثير التطورات الإقليمية، رأى المصدر أنّ «الاعتقاد بأنّ أي اتفاق أميركي ـ إيراني محتمل سيؤدي تلقائياً إلى إنهاء الجبهة الجنوبية أو انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية هو اعتقاد غير واقعي. الإسرائيليّون يتصرَّفون على أساس مصالحهم الأمنية والميدانية المباشرة، وليس على أساس نتائج التفاهمات الأميركية – الإيرانية. وحتى لو تمّ التوصُّل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فإنّ ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة في الجنوب أو انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي تسيطر عليها».
وأضاف، أنّ «إسرائيل تسعى إلى تأكيد فصل المسارَين اللبناني والإيراني، وإلى تحويل مكاسبها الميدانية إلى حقائق دائمة، فيما تحاول واشنطن احتواء التصعيد ومنع توسعه إقليمياً، الأمر الذي يجعل مستقبل الجنوب مرتبطاً أولاً بنتائج التفاوض اللبناني – الإسرائيلي نفسه، وليس بأي تفاهمات أخرى تجري في المنطقة».
وختم المصدر بالتأكيد أنّ «البديل عن المسار التفاوضي ليس استعادة الحقوق اللبنانية بالقوّة، بل استمرار الحرب والتدمير والتهجير. لا أحد في الدولة اللبنانية يتعامل مع المفاوضات باعتبارها انتصاراً، لكنّها تبقى الأداة الوحيدة المتاحة حالياً لمنع تكريس الاحتلال كأمر واقع، ولإعادة الناس إلى قراهم، ولمنع تحوّل ما يجري في الجنوب إلى واقع دائم يصعب تغييره مستقبلاً».
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|