رجي في مجلس الشيوخ الفرنسي : الخيار الديبلوماسي هو الحل الوحيد
سقوط بيروت
تصاعُد الحديث عن بيروت في الآونة الأخيرة لا يعد مؤشرًا مطمئنًا إذ تغدو العاصمة مدار اهتمام وتركيز، وأقرب إلى نقطة اشتباك مفتوحة تتداخل فيها الأبعاد الاستراتيجية والسياسية بالعسكرية والأمنية.
فإذا كان "حزب الله" سارع إلى تصدير موجة مواقف سلبية غداة افتتاح مطار القليعات، زج من خلالها بمطار رفيق الحريري عمدًا ضمن دائرة الصراع، وأرسى في الوعي الجمعي إمكانية استهدافه بشكل جدي، فإن فتح المطار هو خطوة جريئة لا يمكن فصلها عن بدء أعمال إصلاح أنبوب النفط العراقي الواصل إلى مصفاة البداوي، بموازاة وضع سكة الحديد على طاولة البحث.
وفي هذا الإطار، تكشف شخصية سياسية فاعلة عن قراءة أميركية شديدة التشاؤم لمستقبل بيروت، تنطلق من اعتبارها في حكم الساقطة بالمعنيين السياسي والأمني. فيما يُنظر إلى الجغرافيا الممتدة من تخوم العاصمة شمالاً وصولاً إلى الحدود السورية باعتبارها المجال الحيوي الذي ينبغي الاستثمار فيه وحمايته بوصفه امتداد الدولة اللبنانية القابلة للحياة. وتأتي الأنباء المتواترة عن تسريع تطوير مطار حامات كمؤشر يدعم هذه القراءة ويمنحها أبعادًا عملية.
والحال أن بيروت تبدو أكثر انكشافًا من أي وقت مضى. سماء مستباحة تجوبها أسراب المسيّرات الإسرائيلية، واتصالات مكشوفة أمنيًا، وأرض تتآكل فيها سيادة الدولة لمصلحة بنى أمنية وعسكرية موازية اصطنعها "الحزب" على مدى سنوات داخل أحياء ومناطق العاصمة ومحيطها. وأردفها بتشكيلات اجتماعية وأمنية تتدثر بهوية النزوح، من دون إغفال العمل المستمر لـ "تحرير" المرفأ والمطار من دائرة نفوذه السياسي والأمني.
ولا يمكن فصل المشهد عن الخطاب الإسرائيلي المتكرر الذي بات يتحدث عن بيروت نفسها، لا عن الضاحية الجنوبية فقط. فإصرار نتنياهو على تكريس معادلة "بيروت مقابل مستوطنات الشمال" يحمل في طياته محاولة لتحويل العاصمة اللبنانية بما تمثله من رمزية القرار الوطني إلى مادة تفاوضية على الطاولة الإقليمية والدولية.
وهكذا تجد بيروت نفسها تحت تهديد مزدوج، إيراني مباشر عبر ذراعها اللبنانية، وتهديد إسرائيلي يوظف العاصمة ضمن معادلات الردع والتفاوض. وجاءت حادثة عائشة بكار، وما استخرج من سلاح من مقر "الجماعة الإسلامية"، وفي ظل قربها المعروف من "الحزب"، لتعكس جزءًا من هذا الواقع وتعزز التوازن الناري بين الأرض والسماء.
في المقابل، تبدو السعودية الأكثر إدراكاً لمخاطر انهيار التوازن في العاصمة. لذلك كثفت اتصالاتها وتحركاتها السياسية لتعزيز الخطوط الحمراء التي رسمتها حول السراي الحكومي، وتطويرها لتسييج العاصمة وإعادة تثبيت معادلة تاريخية "بيروت بخير لبنان كله بخير"، وإنقاذها من مبضع عمليات جراحية اسرائيلية، تحدث عنها ترامب قد تصل الى بتر بعض اطرافها.
وقد أفضت شبكة التواصل التي نسجتها الرياض بين واشنطن وبعبدا والسراي وعين التينة إلى توفير مظلة حماية سياسية للعاصمة، بلغت حد تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصيًا لضمان تحييد بيروت ومنع إدراجها ضمن بنك الأهداف، أو تحويلها إلى ساحة رسائل متبادلة بين القوى المتصارعة.
بالتوازي، تعمل المملكة على ربط وتجميع مختلف المسارات السياسية والأمنية والتفاوضية تحت سقف الشرعية لتثبيت مرجعية الدولة. وبالتالي فإن التعامل مع أي حوار أو وساطة أو قناة اتصال موازية يندرج ضمن هذه المعادلة، باعتبارها مسارات مساعدة تنتهي جميعها عند الدولة ولا تتجاوزها.
وفي هذا الإطار يبرز الدور الذي يضطلع به الرئيس نبيه بري، بغطاء كامل من بعبدا، باعتباره نقطة الوصل القادرة على استيعاب "حزب الله" وإدخاله في المسار الرسمي، بما يحول دون تكرار تجارب سابقة أنتجت وقائع سياسية أو أمنية خارج المؤسسات. وكذلك للحال بالنسبة للقناة التفاوضية القطرية، والتي يراد لها أن تكون رافعة تساهم في دمج "الحزب" تدريجيًا ضمن المقاربة التي تقودها الدولة.
بموازاة ذلك، يتبلور توجه واضح لتكريس الجيش اللبناني شريكًا أساسيًا في أي ترتيبات أمنية أو عسكرية يجري البحث فيها إقليمياً ودولياً، يمكن تلمس آثاره في دعوة باكستان الرامية إلى إشراكه في النقاشات المتصلة بمستقبل الوضع الأمني اللبناني، بما يمنع إنتاج تفاهمات ميدانية مع إيران على حساب الشرعية ورمزها الوحيد.
وبذا تتكامل الأدوار بين الرئاسة الأولى والثانية والمؤسسة العسكرية ضمن هندسة سياسية ترعاها المملكة، تهدف إلى إعادة بناء مركزية القرار اللبناني وربط أي تسوية مقبلة بمؤسسات الشرعية حصرًا.
سامر زريق -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|