رغم عدم الحسم في إيران... ترامب يزور الصين حاملاً "مفتاح" هرمز
لعبٌ إيراني على التناقضات الخليجية...طهران تسلّم ردها: شروط الاتفاق ثابتة
في الوقت الذي تستمرّ فيه حال وقف إطلاق النار الهشّ بين إيران والولايات المتحدة، وفيما لا يلوح في الأفق أيّ وضوح لاتفاق قريب، أرسلت طهران، أمس، ردّها على المقترح الأميركي - الذي تسلّمته الأسبوع الماضي -، إلى الوسيط الباكستاني الذي نقله بدوره إلى واشنطن. وبعد وقت قصير، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على منصة "تروث سوشال" أن الرد "غير مقبول بالكامل"، مضيفاً: "لقد قرأت للتو الرد الذي ورد ممن يقال إنهم ممثّلو إيران. لم يعجبني. غير مقبول بالكامل. شكراً لاهتمامكم بهذا الأمر".
ويبدو، عبر بعض التسريبات، أن إيران جدّدت رفضها لبنود عديدة في المقترح المذكور، كانت وصفتها بالفعل بأنها غير مقبولة. وفي تصريحات إلى قناة «الجزيرة»، وصف مصدر إيراني ردّ بلاده بأنه «واقعي وإيجابي»، مبيّناً أنه «يركز على إنهاء الحرب في كلّ المنطقة، خاصة في لبنان، وتسوية الخلافات مع الولايات المتحدة». وأضاف أن «ردّنا يركز على ضرورة وجود آلية واضحة ومضمونة بشأن رفع أشكال العقوبات كافة، كما على ضرورة وجود ضمانات دولية واضحة بشأن تنفيذ أيّ اتفاق قد يبرم مع واشنطن». واعتبر أن «تعامل الولايات المتحدة مع ردّنا بإيجابية سيدفع بالمفاوضات قدماً وبشكل سريع»، قائلاً إن «الخيار الآن بيد واشنطن، والتزامها بالواقعية السياسية سيكون حاسماً».
ومن جهتها، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مصادر، أن «الردّ الإيراني لا يلبّي المطالب الأميركية بالحصول على تعهدات بشأن البرنامج النووي، وكذلك بشأن مخزون اليورانيوم العالي التخصيب»، مشيرة إلى أن «إيران تقترح إنهاء القتال وبدء فتح مضيق هرمز تدريجياً، تزامناً مع رفع الحصار الأميركي»، كما وتقترح «ترقيق جزء من اليورانيوم العالي التخصيب ونقل المتبقّي إلى دولة غير أميركا». وأضافت الصحيفة أن «الردّ الإيراني يطالب بضمانات تكفل إعادة اليورانيوم المنقول في حال فشلت المفاوضات»، وهو يتضمّن «استعداد طهران لتعليق تخصيب اليورانيوم بشرط أن يكون لمدة أقلّ من 20 عاماً»، ورفضها «تفكيك المنشآت النووية».
وفي حين أعلن قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، الذي يتولّى الوساطة شخصياً، أن إسلام آباد «تبذل كلّ جهدها لإنجاح الوساطة وهي مستمرّة في ذلك»، سُجّل تعليق أوّلي من ترامب لم يبشّر بتعامل «إيجابي» مع الردّ الإيراني؛ إذ أشار إلى أنه «على مدى 47 عاماً، دأب الإيرانيون على مماطلتنا وإبقائنا في حال انتظار»، ملوّحاً بأن «الأموال التي حصلت عليها إيران بموجب الاتفاق النووي لعام 2015 لن تحصل على مثلها مجدداً أبداً». وكان ترامب تطرّق، في أحاديثه اليومية، إلى قضية اليورانيوم الإيراني المخصّب المدفون عميقاً تحت الأنقاض، لافتاً إلى أن هذا اليورانيوم يخضع للمراقبة من جانب قوة الفضاء الأميركية، مهدّداً بأنه إذا اقترب أحد منه «فسنعلم بذلك وسنقوم بتفجيره»، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستصل إليه في يوم من الأيام. وكرّر تعداد "إنجازاته" في الحرب، قائلاً "«إننا يمكن أن نتحرّك ضدّ إيران عسكرياً لأسبوعين إضافيين، ونضرب كلّ هدف من الأهداف المحددة. وربما نكون قد أنجزنا نحو 70% من أهدافنا».
في هذا الوقت، وفي خضمّ استمرار التوتر على خلفية حرب إيران، يبرز الانقسام بين القطبَين الرئيسيين في «مجلس التعاون الخليجي»، أي السعودية والإمارات، بصورة أوضح من ما كانت عليه في أيّ وقت مضى. فالبلدان يختلفان بشكل كامل في ترتيب أولويات التهديدات، وكذلك في نموذج التعامل مع طهران. وهنا، تكمن نقطة الضعف الاستراتيجية التي التقطتها الجمهورية الإسلامية بوعي كامل، وحوّلتها في الأيام الأخيرة إلى محور لسياستها الإقليمية.
إذ تتّبع طهران سياسة مزدوجة ومحسوبة بدقة، عنوانها «معاقبة الإمارات على نطاق واسع»، في مقابل «التعامل بمرونة مع السعودية»؛ وهي سياسة تكشفها بوضوح التطورات التي شهدتها الأسابيع الأخيرة. ففي الرابع من أيار الجاري، وبالتزامن مع انطلاق المشروع الفاشل الذي أطلق عليه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، اسم «مشروع الحرية»، فاجأت الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ على المنطقة الصناعية ومجمعات الطاقة في الفجيرة في الإمارات، كثيرين، علماً أن طهران امتنعت عن تبنّيها رسمياً، وحرصت على إبقائها في إطار من الغموض. ورغم أن الدفاعات الجوية الإماراتية أنها اعترضت 3 صواريخ كروز و12 صاروخاً باليستياً، فإن اندلاع حرائق في المنطقة الصناعية في الفجيرة أظهر أن الهجمات أصابت أهدافها، وألحقت بها أضراراً ملموسة.
ومثّلت هذه الضربات ترجمة عملية لتهديد سبق أن نقلته إيران، قبل أقلّ من أسبوع، عبر قنواتها الدبلوماسية إلى السعودية. فبحسب ما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال»، أبلغت طهران، الرياض، أنها تعتزم استهداف أبو ظبي «بشدة»، في ما بدا محاولة لوضع المملكة أمام فجوة أعمق مع حليفها التقليدي، وضمان بقائها في موقع المتفرّج. وتشير المعطيات إلى أن السعودية أبدت معارضة صريحة وبلهجة حادّة لخطاب إيران وإجراءاتها، لكنها في المقابل امتنعت عملياً عن اتخاذ أيّ خطوة لدعم الإمارات.
وترى إيران أن الإمارات تبنّت خلال الحرب، وحتى بعد وقف إطلاق النار، نهجاً عدائياً تجاهها، وعملت على تعزيز روابطها الأمنية والعسكرية والسياسية مع إسرائيل. وعبّر عن هذا التصور عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، علي خضريان، عندما قال مؤخراً إن «إيران لم تعُد تعتبر الإمارات جارةً لها، بل قاعدة لأعدائها». وأضاف أن إيران «ستتعامل مع الإمارات من الآن فصاعداً بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع إقليم كردستان العراق، أي أنها ستبادر إلى استهداف أيّ موقع ترى أنه يشكل تهديداً لأمنها».
وبخلاف التوتّر الحاد مع الإمارات، فإن الدبلوماسية الإيرانية مع السعودية لم تتوقّف، بل شهدت زيادة ملحوظة. فبعد 48 ساعة فقط من الهجمات الصاروخية على الفجيرة، أجرى وزيرا خارجية إيران والسعودية، عباس عراقجي وفيصل بن فرحان، اتصالاً هاتفياً شدّدا خلاله على «ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي لمنع تصاعد التوترات». وبحسب بيان وزارة الخارجية الإيرانية، اتفق الطرفان على «استمرار المسار الدبلوماسي وتعزيز التنسيق الوثيق بين دول غرب آسيا». وتحمل هذه الاتصالات رسالة واضحة إلى الرياض مفادها أن طهران لا تسعى إلى مواجهة شاملة مع "مجلس التعاون الخليجي" بأكمله، وأنها مستعدة للحفاظ على مصالح السعودية وأمنها بوصفها لاعباً إقليمياً مهماً. وفي هذا السياق، أكد سفير إيران في الرياض، علي رضا عنايتي، الأسبوع الماضي، أن «المملكة العربية السعودية لا تزال ملتزمة بموقفها الداعم لخفض التوتر ومنع المزيد من التصعيد».
وعبر هذه السياسة القائمة على «التحرّك بين الخلافات»، تسعى طهران عملياً إلى منع تحوّل الرياض وأبو ظبي إلى جبهة موحّدة في مواجهتها. وفي الوقت نفسه، يجري خفض التوتر بين إيران والسعودية بوساطة صينية. فبكين، التي رعت التقارب بين البلدين منذ عام 2023، تحرص على الحفاظ على دورها كوسيط بين طهران والرياض، وتسعى إلى ترسيخ نفسها قوةً آسيوية ضامنة للاستقرار الإقليمي. وكانت أعلنت الصين، أخيراً، عن مبادرة من 4 نقاط لتحقيق السلام في المنطقة.
في المحصلة، فإن مجمل هذه المؤشرات تدلّ على أن إيران تنفّذ استراتيجية تبدو ذكية، لكنها تنطوي في الوقت نفسه على قدر كبير من المخاطرة. فمن جهة، تمارس ضغوطاً قصوى على الإمارات - التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية وتُعدّ أقرب حليف إلى إسرائيل في المنطقة - وذلك بهدف توجيه رسالة ردع، وإظهار أن كلفة التعاون العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد تكون شلّ الاقتصاد وتهديد الأمن الداخلي. ومن جهة أخرى، تحرص على الحفاظ على علاقاتها مع السعودية والعمل على ترميمها، بما يمنع تحوّل «مجلس التعاون الخليجي» بأكمله إلى جبهة موحدة في مواجهتها. ورغم ما تقدّم، قد يظلّ هذا التوازن هشاً؛ إذ في حال تحوّل الخلاف السعودي - الإماراتي إلى سباق تسلّح وتنافس أمني أشدّ بين الطرفين، قد تجد طهران نفسها في نهاية المطاف أمام خصمين أكثر قوة وتسليحاً.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|