في ذكرى ريمون إده: الكفّ النظيف لا يموت
٢٦ سنة وكأنه حاضر أبداً. في ذكراه، يعود اسم "ضمير لبنان" لا كصفحة من الماضي، بل كمرآة لزمن كان فيه السياسي يشبه الدولة، لا الصفقة، ويشبه الناس، لا المصالح.
ريمون إده، رجل دخل الحياة العامة بكفّ نظيف، وخرج منها بكفّ أنظف، تاركاً خلفه إرثاً من الصلابة الوطنية والصدق السياسي، في زمن ندر فيه الرجال "الآدميون".
لم يكن العميد مجرّد زعيم ماروني تقليدي أو وريث بيت سياسي عريق. كان حالةً استثنائية في الحياة اللبنانية. ابن البيت الوطني اختار أن يكون من أجل لبنان، لا تابعاً لمحاور الخارج، ولا شريكاً في منظومة الفساد، ولا متورّطاً في دم اللبنانيين.
عرفه اللبنانيون صاحب "الكف النظيف". لم تتلطّخ يده بمال عام، ولا بحسابات ميليشيوية، ولا بسمسرات السلطة.
بقي ريمون إده، كما الرئيس إميل إده من قبله، وكما شقيقه بيار، حتى آخر أيامه وفيّاً لفكرة الدولة، رافضاً أن تتحوّل الزعامة إلى مزرعة أو التجارة بالناس إلى سياسة. ولذلك، لم يكن غريباً أن يتحوّل بعد رحيله إلى رمز أخلاقي في الذاكرة اللبنانية، يستحضره اللبنانيون كلما اشتدّ الانهيار وافتقدوا رجال الدولة الحقيقيين.
اليوم، وبينما الجنوب يعاني، نستذكر العميد الذي كانت مواقفه قد سبقت زمنها. ففي وقت انقسم كثيرون بين شعارات المزايدات والتسويات الملتبسة، تمسّك ريمون إده بثلاثية واضحة: تحرير الأرض، حماية الإنسان، وبناء الدولة. رفض الاحتلال الإسرائيلي بلا مواربة، لكنه في الوقت نفسه رفض أن يصبح الجنوب صندوق بريد للحروب الإقليمية أو ساحةً مستباحة للسلاح الخارج عن الدولة. نادي بالقبعات الزرق، والبوليس الدولي، منذ اللحظة الأولى، لحماية ما تبقى وتجنّب المزيد من الخسائر والويلات.
كان يرى أن الجنوب يستحقّ التنمية، وأن أهله ليسوا وقوداً دائماً للصراعات. لذلك، حذّر مبكراً من تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة، ودعا إلى قيام دولة قوية تحتكر القرار الأمني والعسكري، لأن أي تعدّد للسلطات سيقود حتماً إلى انهيار الكيان نفسه. واليوم، بعد عقود على تلك التحذيرات، تبدو كثير من مواقفه وكأنها كُتبت للبنان الحاضر لا لبنان الماضي.
الرجل الرؤيوي تحدّث عن الفساد قبل أن يصبح الانهيار واقعاً، وعن سقوط المؤسسات قبل أن تتهاوى، وعن ضرورة حماية صيغة لبنان قبل أن تتصدّع الثقة بين اللبنانيين. كان يؤمن أن قوة لبنان ليست في فائض السلاح، بل في فائض الحرية والقانون والمؤسسات.
بعده، ورغم اختلاف الأزمنة والظروف، بقي اسم كارلوس إده مرتبطاً بذلك الخط السيادي الإصلاحي الذي ميّز مدرسة ريمون إده: لبنان الدولة، لا الدويلات؛ لبنان المؤسسات، لا الزعامات المسلّحة؛ ولبنان الحرية، لا الاصطفافات العمياء.
ربما خسر ريمون إده معارك سياسية كثيرة في حياته، لكنه ربح ما هو أهم: احترام اللبنانيين. وفي بلدٍ امتهنت فيه السياسة الكذب والتقلّب والانتهازية، بقي العميد واحداً من القلائل الذين لم يبدّلوا مبادئهم، ولم يساوموا على قناعاتهم، ولم يبيعوا الناس أوهاماً.
لهذا، لا يُستذكر ريمون إده اليوم كرجل دولة من الماضي، بل كفكرة نحتاجها في حاضر لبنان: فكرة السياسي الآدمي، النظيف، والرؤيوي… ابن البيت اللبناني الحقيقي الذي يعمل من أجل لبنان.
المحامي بول يوسف كنعان
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|