الإنفجار الأميركي-الإيراني مؤجّل و"إدارة الأزمة" على صفيح الممرات البحرية...اللعبة تغيّرت!
في لحظة تبدو فيها المنطقة وكأنها تقف على حافة توازن هش، تتقاطع إشارات التهدئة مع مؤشرات التصعيد بطريقة تثير القلق أكثر مما تبعث على الاطمئنان. من جهة يسري الحديث عن هدنة غير محددة في الحرب على إيران، تتزامن مع تهدئة في الميدان وحراك ديبلوماسي -أميركي- باكستاني أوروبي- إسرائيلي - خليجي ولبناني.ومن جهة أخرى تتوالى التصريحات النارية والتحركات العسكرية التي توحي بأن ما تحت السطح أكثر سخونة مما يبدو عليه في العلن. ويكاد مشهد التوتر الحاصل في مضيق هرمز الذي يشكل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، يختصر بوضوح هذا التناقض.
فالمضيق لم يكن يومًا مجرد ممر مائي، بل ورقة ضغط استراتيجية في الصراع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها. وأي تصعيد هناك لا يُقرأ كحادث معزول، بل كجزء من لعبة عضّ الأصابع المستمرة، حيث تسعى كل جهة إلى تحسين شروطها من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا يمكن السيطرة عليها.
في المقابل، تأتي التهديدات الإيرانية المتجددة لتؤكد أن طهران لا تنظر إلى الهدنة باعتبارها نهاية مرحلة، بل كفاصل ضمن صراع أطول، خصوصا أن استراتيجية إيران الإقليمية تعتمد على مزيج من الردع غير المباشر وتوسيع النفوذ عبر الحلفاء، مما يجعل من التهدئة فرصة لإعادة ترتيب الأوراق، وليس الخروج من الميدان. والسؤال الجوهري الذي يُطرح هل نحن أمام "هدنة تكتيكية"؟
قد تكون كذلك لكنها حتما لا تمهد لضربة قاضية شاملة كما يروّج لها البعض لإظهار حجم نفوذه وشد عصب قواعده الشعبية. فكلا الطرفين المتنازعين يدرك أن كلفة الضربة القاضية باهظة جدا، سواء على المستوى العسكري أو الإقتصادي أو السياسي، مما يحتم عليهم إعادة النظر والتطلع إلى قواعد جديدة تميل إلى إدارة الصراع بدل حسمه. بمعنى آخر، ما نشهده قد يكون أقرب إلى مسألة تحول في الصراع وتغيير في قواعد اللعبة.
مصدر ديبلوماسي مطلع يقول لـ"المركزية" أن تهديدات إيران بالعودة إلى لغة الحرب بمعناها التقليدي هي من باب التهويل بعدما تكبدت خسائر فادحة في حرب الـ45 يوما، من هنا بدأت تعتمد مساراً جديدا في أشكال النفوذ من خلال إغلاق مضيق هرمز أمام جميع السفن باستثناء "الصديقة" منها.
الولايات المتحدة ردت بخطوة مضادة غيرت الحسابات العشوائية التي استخدمتها إيران بشكل جذري مع فرض حصار على الشحن المتجه إلى إيران، وكذلك صادراتها. هذه الخطوة شكلت ضربة إقتصادية قاضية على إيران ونقطة نفوذ جديدة ذات أهمية إستراتيجية لا يمكن أن تتجاهلها إيران التي يعتمد اقتصادها على صادرات الطاقة، مما يعني أن أي حظر جزئي لشحناتها مهدد بخسائر كارثية وكذلك الأمر بالنسبة إلى حركة الإستيراد. وتراهن الولايات المتحدة على قدرة الشعب الإيراني في الصمود مع فرض قواعد الحصار الجديدة إضافة إلى العقوبات المفروضة على إيران مما قد يدفع الشعب إلى القيام بثورة لا تشبه سواها.
وجاء تصريح ترامب باستمرار فرض الحصار على الموانئ الإيرانية كافة حتى يتم التوصل إلى اتفاق واضح بشأن المواد النووية الإيرانية بمثابة الضربة القاضية، إذ للمرة الأولى تواجه إيران هذا النوع من أشكال الحروب الإقتصادية الذي يهدد اقتصادها بشكل مباشر. وإذا ما أدى ذلك إلى حل مستدام للملف النووي تكون الولايات المتحدة قد فازت بالرهان في القضاء على سطوة إيران ونفوذها على مضيق هرمز ورضخت لشروط ترامب العسكرية في شأن الملف النووي والصواريخ الباليستية ووقف الدعم لفروعها المتبقية في المنطقة وأبرزها حزب الله مما يعيد تشكيل المشهد الإقليمي، والحد من مصادر عدم الإستقرار المستمرة في الشرق الأوسط.
نقطة إيجابية ثانية تشير إليها المصادر الديبلوماسية كنتيجة لقواعد اللعبة الجديدة في الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران وتتعلق بمستقبل النفوذ على الممرات الاستراتيجية. ومعلوم أن النظام العالمي مليء بالممرات الضيقة مثل باب المندب، وقناة السويس، ومضيق ملقا، ومضيق تايوان، وقد يبدأ تردد صداها في هذه الحقبة الجديدة من التنافس بين القوى العظمى.
لهذا السبب، تضيف المصادر لا ينبغي أن نخطئ في اعتبار تطورات نهاية الأسبوع الماضي نقطة نهاية إستراتيجية على رغم أهميتها، وتحقيق الولايات المتحدة انتصاراً جديدا هائلا، لأن هذا النفوذ لا يعني تلقائيا الوصول إلى حل نهائي، وغالبا ما يتلاشى هذا التقدم تحت الضغط في هذه المنطقة.
السلبية "المقلقة" التي تشير إليها المصادر عدم حصول تغيير في النظام الإيراني، مستندة بذلك على بقاء القيادة الثيوقراطية نفسها في الحكم منذ ثورة 1979. وقد تكون هذه الحرب عززت موقف المتشددين ونفوذ الحرس الثوري، وقد تُعيد إيران بناء قدراتها العسكرية بشكل أكثر فاعلية مستفيدة من الدروس المستخلصة من الإخفاقات التي انكشفت خلال الحرب. مع ذلك، فإن نقاط التحوّل مهمة لإعادة تشكيل المرحلة التالية من الصراع كما تضع سلسلة من الخيارات المتاحة على طاولة صانعي السياسات في العالم.
الأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كانت هذه اللحظة ستصبح نقطة تحول أم مجرد "استراحة محارب" تمهيدًا لضربة قاضية، لكن الصورة الإستراتيجية باتت أوضح مما كانت عليه. فإيران اعتقدت أنها وجدت مصدرا جديدا للنفوذ من خلال إغلاق مضيق هرمز، لكنها اكتشفت أن الولايات المتحدة تمتلك نفوذا أقوى مما يعني أن الصراع لم ينته بعد.
هكذا تبدلت قواعد اللعبة حيث تُدارالأزمات بدل حلّها، وتُؤجَّل الانفجارات بدل تفاديها. وبين هذين الحدّين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يصمد التوازن الهش؟
جوانا فرحات - المركزية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|