الصحافة

التدخل السوري في لبنان : هواجس شيعية ومزاج سنّي حذر في بعلبك ـ الهرمل

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في منطقة تتقاطع فيها الحدود بالجغرافيا المذهبية، يتحول أي تحرك عسكري على الجانب السوري إلى مادة خصبة للشائعات والقلق والتعبئة السياسية. في بعلبك ـ الهرمل، لا يُقرأ احتمال التدخل السوري في لبنان كحدث أمني فحسب، بل كاختبار دقيق للعلاقة بين السنة والشيعة، ولسرديات “حزب الله”، ولصورة النظام السوري الجديد في وجدان البقاعيين.

هذا التحقيق يرصد، عبر شهادات ناشطين وباحثين من المنطقة، كيف يتوزع الخوف والرهان والرفض، ولماذا تبدو المخاوف أكبر من الوقائع، في مشهد يختلط فيه النفسي بالسياسي، والميداني بالمتخيّل.

الحدود المشتعلة بالشائعات: كيف وُلدت الرواية؟

في بعلبك ـ الهرمل، لا يحتاج الخبر إلى وقت طويل كي يتحول إلى مزاج عام. فمنذ أسابيع، يتداول أبناء المنطقة سيناريوات متعددة عن احتمال تدخل الجيش السوري في لبنان، على وقع تبدلات إقليمية متسارعة وصعود الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واجهة المشهد.

غير أن هذا الاحتمال، رغم حضوره الكثيف في الأحاديث اليومية، لا يستند حتى الآن إلى معطيات ميدانية حاسمة، بقدر ما يعكس مناخًا نفسيًا وسياسيًا مشحونًا، تغذّيه الحدود المفتوحة والذاكرة الثقيلة والخطاب التعبوي.

تبدّل المزاج العام: من القلق إلى الحذر

رئيس حركة “قرار بعلبك الهرمل” علي صبري حمادة يلفت، في حديثه لـ”جنوبية”، إلى أن القلق من تدخل سوري كان أكثر حضورًا قبل اندلاع “حرب الإسناد الثانية”، لكنه تراجع بعد انطلاق الحرب، مع انتقال مركز الاهتمام الشعبي نحو التهديد الإسرائيلي المباشر.

فالمزاج العام، بحسبه، لم يعد يرى في التدخل السوري احتمالًا مرجحًا كما في السابق، وإن ظلّت آثار القلق قائمة لدى بعض الأوساط، ما يعكس انتقال الناس من حالة الخوف المفتوح إلى الحذر المشوب بالترقب.

سردية “كماشة الجنوب والبقاع”

يقول حمادة إن “حزب الله” لعب دورًا أساسيًا في تضخيم هذا الهاجس، عبر تسويق سردية مفادها أن إسرائيل قد تتقدم من الجنوب، فيما تتولى “قوات الشرع” الضغط من جهة البقاع، بما يوحي بوجود خطة مزدوجة لمحاصرة البيئة الشيعية من جهتين.

هذه الرواية، كما يراها، وضعت شريحة من الشيعة في موقع الخوف الوجودي، وقدّمت ما يجري كأنه مؤامرة تستهدفهم مباشرة، الأمر الذي ساهم في شدّ العصب المذهبي وإعادة تعبئة الجمهور في لحظة إقليمية مرتبكة.

لكن اللافت، وفق حمادة، أن هذا الخطاب لم ينعكس على الأرض بتحضيرات ميدانية كبرى أو حركة تسليح استثنائية، ما يوحي بأن وظيفة السردية كانت، إلى حد بعيد، داخلية أكثر منها عسكرية، وأنها خُصصت لإدارة القلق داخل البيئة الحاضنة، لا لمواجهة خطر وشيك.

الرفض الإقليمي: تبريد المخاوف

في موازاة ذلك، ساهمت تسريبات وتقارير صحافية في تبريد المخاوف، وخصوصًا تلك التي تحدثت عن رفض تركي قاطع لأي تدخل سوري داخل لبنان. ويشير حمادة إلى أن الناس في المنطقة تلقفوا هذه المعطيات بوصفها عاملًا مطمئنًا، لا سيما أن تركيا تُعد لاعبًا مؤثرًا في المعادلة السورية الجديدة.

كما جرى تداول روايات عن احتمال تدخل عراقي داخل سوريا إذا أقدمت دمشق على خطوة مماثلة تجاه لبنان، ما يعني أن أي مغامرة من هذا النوع قد تفتح على مواجهة إقليمية واسعة.

وتقاطعت هذه القراءة مع معلومات أخرى تحدثت عن ضغوط أميركية مورست على الرئيس أحمد الشرع لدفعه نحو التدخل، إلا أن الرفض التركي والسعودي حال دون ذلك. كما أن تصريحات الشرع نفسه بدت حذرة وواضحة، إذ أكد أن بلاده “لن تتخذ أي إجراء يضر بالواقع اللبناني”، وأن دمشق معنية فقط بحماية حدودها، مع الحرص على البقاء خارج أي صراع مرتبط بإيران ما لم تتعرض سوريا مباشرة للاستهداف.

سوريا المنهكة: حسابات الواقع لا تسمح

بالنسبة إلى حمادة، لا تكفي التصريحات وحدها لنفي الاحتمالات، لكن المعطيات الجيوسياسية تجعل هذا السيناريو شديد الصعوبة. فسوريا، كما يقول، ليست في وضع يسمح لها بفتح جبهة جديدة مع لبنان، في ظل أزمات داخلية متراكمة، من الجنوب في السويداء إلى الساحل السوري، مرورًا بالملف الكردي، فضلًا عن هشاشة الوضع الاقتصادي.

ويضيف أن أي تدخل من هذا النوع يحتاج إلى سلطة مستقرة، ومؤسسات متماسكة، وقدرة على تحمل التبعات السياسية والاقتصادية والبشرية، وهي عناصر لا تبدو متوافرة في سوريا اليوم. كما أن المناخ الدولي نفسه لا يوحي بوجود حاجة استراتيجية لمثل هذه الخطوة، ما يجعلها أقرب إلى فرضية سياسية متداولة منها إلى مشروع قابل للتنفيذ.

سيناريوهات خفية: هواجس الانتقام غير المنضبط

وفي هذا السياق، يقول مصدر متابع للشأن السوري واللبناني، رفض ذكر اسمه، إنه مع كل ما ذُكر وكُتب وتم تحليله، فلا يمكن بأي شكل من الأشكال استبعاد قيام جهات في النظام السوري الجديد باستغلال الوضع الإقليمي الراهن للبدء بتنفيذ عملية أو عمليات انتقامية ضد “حزب الله”، من دون الأخذ بالاعتبار أيٍّ من التوازنات الإقليمية أو الدولية.

ويضيف أن الدماء السورية التي استُبيحت على مدى سنوات لم ولن تتحول إلى ماء، وأن ما تكنّه النفوس لدى الشرع ومن حوله لا يعلمه أحد. وربما نستيقظ يوماً لنسمع عن عملية عسكرية أو أمنية سورية افتعلتها “مجموعات غير منضبطة” لا تنتمي للقوات السورية، ليسارع الرئيس أحمد الشرع بعدها إلى التنصّل من مسؤولية هذه المجموعة.

هي سردية… ربما، لكن احتمالها قائم، والخسارة فيها أكبر. بين الواقع والقلق: نصيحة من قلب المشهد.

وعلى ضفتي الحدود السورية، نلمس اليوم نسيجاً من الرؤى والشهادات؛ بعضها يتردد صداه مع ما ألفناه، وبعضها الآخر يجنح بعيداً. ومن قلب هذا الموزاييك، تبرز نصيحة للبنانيين، رسميًا وسياسيًا: لا تكونوا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل.

فالمعنيون يدركون تمامًا ذلك الظمأ للثأر الذي يحرّك بعض الأفراد، كما يلمسون صبرهم وجلَدهم وهم يرقبون المشهد بانتظار ساعة الصفر.

الخطر الحقيقي: تفجير النسيج الاجتماعي

بعيدًا عن الحسابات العسكرية، يحذر حمادة من أن الأخطر في هذا السيناريو ليس التدخل نفسه فقط، بل ما قد يخلّفه من انهيار في العلاقات اللبنانية ـ السورية، ومن تصدعات عميقة داخل المجتمعات المحلية.

فلبنان يستضيف أعدادًا كبيرة من السوريين، وبينهم نسبة وازنة تقيم في مناطق ذات غالبية شيعية، ما يجعل أي توتر من هذا النوع قابلًا للتحول سريعًا إلى احتكاك اجتماعي ومذهبي.

اختبار المجتمع الحدودي

في منطقة مثل بعلبك ـ الهرمل، حيث تختلط المصالح اليومية بالروابط العائلية والاقتصادية، لا تبدو المسألة مجرد احتمال أمني عابر. إنها، في جوهرها، اختبار لمدى قدرة المجتمع الحدودي على مقاومة الشائعات، وعلى الفصل بين صراع الدول وحياة الناس.

وبين هواجس الشيعة ومزاج سنّي حذر، تبقى الحقيقة الأوضح أن المخاوف، حتى الآن، أكبر من الوقائع، وأن إدارة القلق لا تقل أهمية عن إدارة الحدود.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا