الصحافة

ترامب اتخذ قرار الحرب... فهل يملك مفتاح الخروج؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في واشنطن، لا تُصنَع الحروب بوَمضة انفعال، ولا بضغط عابر من حليف، بل عبر منظومة تُفلتر القرار حتى آخر طبقة. لذلك، تبدو الرواية المتداولة - أنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو «خدع» الرئيس الأميركي دونالد ترامب ودفعه إلى الحرب - مريحة إعلامياً، لكنّها قاصرة تفسيرياً. فقرار بهذا الوزن لا يمرّ من بوابة الإقناع الشخصي، بل من معمل مؤسسي تُعاد فيه صياغة التهديد، وتُوزن الكلفة، وتُقاس احتمالات الانزلاق قبل أن يصل إلى مكتب دونالد ترامب.

دونالد ترامب، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلّحة وفق الدستور الأميركي، يمتلك هامش المبادرة. لكنّ هذا الهامش لا يعمل في فراغ. داخل البيت الأبيض، يقود مجلس الأمن القومي عملية دمج معقّدة بين تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية، وخيارات وزارة الدفاع، ومقاربات وزارة الخارجية. تمرّ الخيارات عبر مستويات تنسيقية - من فرق بين وكالية إلى لجنة النواب ثم لجنة الأصول - قبل أن تُرفَع إلى ترامب كحُزمة بدائل، لا كخيار واحد. هنا، لا يختار دونالد ترامب «الحل الأمثل»، بل يختار أقلّ الخيارات سوءاً ضمن بيئة مضغوطة.

في هذا السياق، لا يكون دور نتنياهو إملائياً، بل تأثيرياً. فرئيس الحكومة الإسرائيلية يعرض قراءته للتهديد الإيراني، ويضغط سياسياً وإعلامياً، لكنّ القرار الأميركي يظل محكوماً بحسابات أميركية: حماية القوات، استعادة الردع، وضمان تدفق المصالح الحيوية. حين تتقاطع قراءة نتنياهو مع تقديرات البنتاغون وتحليلات الاستخبارات، يتحوَّل الضغط إلى تقاطع مصالح لا إلى «خديعة».

ما الذي دفع ترامب إلى تفعيل خيار الحرب؟ أربعة محرِّكات استراتيجية تُفسّر الاندفاعة:

أولاً، استعادة الردع: عندما تتآكل الخطوط الحمراء، يصبح ترميمها أولوية سيادية.

ثانياً، منع التمكين الاستراتيجي: كبح تطوّر قدرات إيران الصاروخية والشبكية، ومنع تثبيت معادلات جديدة عبر الوكلاء.

ثالثاً، حماية النظام الإقليمي: طمأنة الحلفاء ومنع اختلال موازين القوّة في الممرات الحيوية.

رابعاً، إدارة الداخل: حيث تتقاطع صورة القيادة مع الحسابات الانتخابية، ويصبح القرار الخارجي جزءاً من معادلة داخلية.

لكنّ الحقيقة الأكثر صلابة تكمن في مكان آخر: بداية الحرب أسهل من نهايتها. هنا يظهر السؤال الذي يتردّد في أروقة واشنطن: هل امتلك ترامب استراتيجية خروج واضحة؟ التجربة الأميركية تقول إنّ «الخروج» لا يُكتَب كبند ثابت، بل كمسار مشروط يتبدّل مع الميدان. ومع إيران، حيث الصراع متعدد الساحات - من البحر إلى الفضاء السيبراني، ومن الدولة إلى الوكلاء - تتبدّل شروط النهاية بسرعة تفوق قدرة أي خطة جامدة.

في المحصِّلة، لا تُفسَّر قرارات واشنطن بنظرية «الخداع»، بل بمعادلة أشدّ تعقيداً: مؤسسات تصوغ، ورئيس يحسم، وتحالفات تضغط، وواقع يفرض حدوده. دونالد ترامب لم يدخل الحرب لأنّه أُقنِع فقط، بل لأنّه رأى أنّ كلفة عدم الفعل باتت أعلى من كلفة الفعل. أمّا الخروج، فليس قراراً يُتخذ مرّة واحدة، بل معركة موازية تُخاض كل يوم.

وهنا تكمن الخلاصة التي تتجاوز اللحظة: في واشنطن، الحرب ليست خياراً نظرياً، بل اختبار قدرة على إدارة البداية... والسيطرة على النهاية. وفي هذا النوع من الصراعات، السؤال الحاسم لا يبقى «كيف بدأت؟»، بل يتحوَّل سريعاً إلى: مَن يملك مفاتيح الخروج؟

مرلين وهبة - الجمهورية

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا