بلى... صراعنا طائفي
قبل أن ينهار نظام بشار الأسد، سيطرت إيران على العراق وسوريا ولبنان. لماذا لم يتمكّن الملالي بعزّ قوّتهم من السيطرة على الأردن؟ المملكة الهاشميّة ليست أقوى من العراق وسوريا. لماذا سقطت بغداد ودمشق وبيروت بقبضة الملالي، ولم تسقط عمّان؟ الجواب الذي لا لبس فيه: لأن لا شيعة أو علويّين في الأردن. تاليًا، لم تتمكّن إيران من استخدام مسألة الهويّة هناك بإطار مشروعها التوسّعي. وهذا لا يعني أن لا مسألة هويّة في الأردن. ولكن القادر على تحريكها، ومن حرّكها فعلًا بالماضي، كان يدعى ياسر عرفات لا علي خامنئي.
استطرادًا: سقط الحكم العلوي في سوريا، فسقط معه فورًا نفوذ إيران هناك. لماذا؟ لأن البديل الإسلامي السني عن آل الأسد يرى في ملالي إيران عدوًّا لأسباب تبدأ بالصراع القديم بين السنّة والشيعة، ولا تنتهي عند الدور الذي أدّته إيران بالحرب الأهليّة السوريّة. هنا أيضًا، دور الهويّة بتحريك السياسة لا لبس فيه. هذا لا يعني أن الدول لا تستطيع القفز فوق مسألة الهويّة بتحالفاتها، بدليل التناغم بين نظام إيران وحركة حماس. ولكن هذا النوع من التلاقي يبقى عرضة للاهتزاز عند المحطّات الأساسيّة. مثلًا، ابتعدت حماس عن نظام الأسد زمن الحرب الأهليّة السوريّة، بينما قاتلت إيران لابقائه حتى النفس الأخير.
في لبنان، حساسيّة الشيعة لاستخدامه كبيدق في استراتيجيا إيران ضعيفة عموًما، وعالية عند المسيحيّين والسنّة. بما مضى، كانت حساسيّة السنّة على تدخّل ناصر ومنظّمة التحرير بشؤون لبنان شبه معدومة. المسيحيّون فرضوا إنشاء لبنان بمساعدة فرنسيّة؛ ودافعوا عنه لاحقًا ضدّ ناصر بمساعدة أميركيّة؛ وواجهوا سوريا أثناء الحرب الأهليّة بالتحالف مع إسرائيل؛ وقواهم الأساسيّة مستنفرة اليوم ضدّ إيران مجدّدًا بالتلاقي مع الولايات المتحدة. لماذا بقي التناغم بين المسيحيّين وآل الأسد ضدّ منظمة التحرير هشًا وانكسر بسرعة مطلع الحرب، بينما التوق المسيحي للغرب معطى ثابت بسياساتهم عمومًا؟ لأنّ هويّتهم العميقة تشدّهم للغرب، وتبعدهم عن سوريا أيّا كان حكّامها.
التحالفات التي تعاكس المجرى العام للهويّة مكلفة. انحاز آل فرنجيّة للأسد بالحرب، فحكموا على أنفسهم بأن يبقوا فصيلًا صغيرًا في زغرتا. انحاز إيلي حبيقة بدوره للأسد فانتهى شعبيًّا. ثمّ تحالف ميشال عون مع "حزب اللّه". أين كان التيّار العوني في ما مضى شعبيًّا، وأين صار اليوم؟
كلّ هذا بديهي. لماذا تكراره؟ لأن الزمن ليس فقط زمن حرب "حزب اللّه" على إسرائيل إسنادًا لغزة، وثأرًا لخامنئي. الزمن أيضًا زمن ردحيّات لبنانويّة مصرّة على "أن المشكلة ليست طائفيّة بين اللبنانيّين بل المشكلة بين الدولة وحزب اللّه" كما كتب أحد النوّاب. أو أن المعركة هي "وطنيّة بامتياز للحفاظ على الكيان اللبناني" كما زعم غيره. لن يسأل الأخير نفسه طبعًا: نحافظ على لبنان ضدّ من؟ هل نحافظ عليه ضدّ الملالي؟ إيران ليست عدوًّا لمكوّن، وإن كانت كذلك لغيره. هل نحافظ على لبنان ضدّ إسرائيل؟ هناك من يرى أنها خلّصتنا في ما مضى من ياسر عرفات، ولاحقًا من حسن نصراللّه. هناك من يقول تحديدًا إن سوريا لم تعترف مرّة بلبنان؛ وإن لبنان لا يعترف هو بإسرائيل. تاليًا، لبنان هو المسؤول عن العلاقات الصعبة مع جارته الجنوبيّة، لا سيّما أنه فقد سيطرته على حدوده معها منذ 1969. الموقف من إسرائيل ليس متفقًا عليه بين اللبنانيّين، والانقسام بينهم في هذه المسألة، كما في كلّ مسألة أساسيّة أخرى، هويّاتي.
وأساسًا: من قال للنائب المذكور إن أولويّة الحفاظ على "الكيان اللبناني" متفق عليها عند الجميع؟ لم تكن كذلك يوم قام لبنان. ليست كذلك اليوم. الهويّات العابرة للحدود رأت دومًا أن المسألة اللبنانيّة ثانويّة بالمقارنة مع مسائل دائمًا مقدّسة وكبرى: تحرير فلسطين؛ طاعة الوليّ الفقيه؛ إسناد غزة؛ إلخ. هل يظن سعادته أن المعركة تتوقف عن أن تكون بين الطوائف لمجرّد أنه أفتى بأنها ليست كذلك؟
بلى، صراعنا طائفي. وهويّاتنا العميقة طائفيّة. أن يكون صراعنا طائفيًّا، لا يعني بالضرورة أننا محكومون للأبد به. ولكنّ الزجل ليس طريقنا للخروج منه.
هشام بو ناصيف -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|