نازحون يدفنون أحبّاءهم في "أرض الوديعة": حكايات الوداع المؤجّل في زمن الحرب (فيديو)
تحوّلت قطعتا أرض في عين بعال، وأخرى مقابل ثكنة بنوا بركات في مدينة صور، إلى محطات انتظار لأجساد ارتقت على غفلة، بعيداً عن ترابها الجنوبي. في هذه المساحات التي باتت تُعرف اليوم بـ"أرض الوديعة"، تُدفن الجثامين مؤقتاً، على أمل العودة… لكن هذه المرة تحت التراب لا فوقه.
عاد مصطلح "دفن الوديعة" إلى الواجهة، بعدما برز للمرة الأولى خلال حرب تموز 2006، ليظهر مجدداً بوجه أكثر قسوة في حرب 2024، ويتكرّس اليوم كخيار قسري تفرضه ظروف الحرب.
يُعدّ "دفن الوديعة" إجراءً استثنائياً ومؤقتاً، يتم خلاله توثيق الجثمان وتكفينه ووضعه داخل تابوت يُدفن في قبر مؤقت، غالباً في أرضٍ خالية أو مدافن جماعية مخصصة، وذلك بسبب تعذّر الوصول إلى أماكن الدفن الدائمة بفعل الحروب أو الأوضاع الأمنية. على أن يُعاد نقل الجثمان لاحقاً لدفنه بشكل نهائي في بلدته أو مكان إقامته الأصلي بعد استقرار الظروف.
فمع تصاعد الاستهدافات والإنذارات الإسرائيلية، وجدت العائلات الجنوبية نفسها مضطرة لدفن أحبائها في مناطق النزوح، لتعيش الفقد مرتين: مرة أولى في أرض غريبة تتسارع فيها الأرقام كما الجثامين، ومرة ثانية عند إعادتهم إلى قراهم، حيث يتحوّل الحزن إلى وعي دائم بالخسارة.
هكذا، تُجبر عائلات على خوض وداع ناقص، مؤجّل بين دفنين، وطريق عودة معلّقة. بالنسبة لكثيرين، لم يعد "دفن الوديعة" خياراً، بل ضرورة قاسية لا مهرب منها، في ظل استحالة التشييع في القرى الحدودية.
وإلى جانب المواقع المعروفة، يشير مصدر متابع إلى وجود أرض إضافية تُستخدم للدفن، تتولى إدارتها الهيئة الصحية الإسلامية مع "حزب الله".
دينياً، يُفضَّل أن يُدفن الجثمان مباشرة في القبر، وألّا يكون "وديعة". إلا أن ظروف الحرب فرضت واقعاً استثنائياً، حيث باتت "أرض الوديعة" خياراً اضطرارياً نتيجة تعذّر الدفن في القرى الأصلية.
أما من الناحية الشرعية، فتُتّبع الإجراءات نفسها في التشييع، من تغسيل وتكفين والصلاة على الجنازة. غير أن الفارق الأساسي يتمثّل في وضع الجثمان داخل صندوق يُمنع فتحه مجدداً عند نقله لاحقاً إلى بلدته أو مكان دفنه النهائي.
"كنا نريد دفنه في الأرض التي أحبها"
لم يكن رضوان مرعي يتوقع أن يتلقى خبر استشهاد والده خلال حرب 2024، لأنه كان مسعفاً في وحدة إدارة كوارث التابعة للبلدية. كان في بيروت حين بلغه نبأ شنّ الجيش الإسرائيلي خمس غارات على بلدته في عين بعال.
يستعيد تلك اللحظات قائلاً: "دُمّر منزلي الذي اعتبرناه آمناً تدميراً عنيفاً، لدرجة أنّنا احتجنا إلى نحو 20 ساعة للعثور على جثمان والدي الذي لم يكن سوى أشلاء، لا جسداً كاملاً".
لم تتوقف قسوة الخسارة عند هذا الحد. فقد رافقتها إجراءات مشددة تفرض الحصول على إذن لدفن الضحايا ضمن مهلة زمنية ضيقة جداً، لا تتجاوز أحياناً الساعتين. وفي ظل هذه الظروف، وجدت العائلة نفسها مضطرة لاتخاذ قرار صعب: دفنه مؤقتاً في "أرض الوديعة" في مدينة صور، إلى حين انتهاء الحرب. يقول مرعي: "كنا نريد أن ندفنه كما يليق به، في أرض عين بعال التي أحبها".
ويعترف بأن تلك اللحظة كانت الأقسى: "دفنه في أرض الوديعة كان أصعب ما مررت به. كنت الشخص الوحيد الحاضر، في ظل تعذّر وصول والدتي وباقي أفراد العائلة للمشاركة في مراسم الدفن".
بصراحة مؤلمة، يضيف: "لم نكن نتخيّل أن نصبح هدفاً. كانت الصدمة كبيرة، خصوصاً أنّ والدي كان قد نزح من بلدته التي باتت خطرة إلى مكان اعتبرناه أكثر أماناً، ليواجه الموت بهذه الطريقة".
في 8 كانون الأول 2024، حمل رضوان جثمان والده، أو ما تبقى منه داخل صندوق خشبي، ليعيد دفنه في قريته، في عين بعال، بعد شهرين على وفاته. يختصر شعوره قائلاً: "الفراق صعب كثير… أن تدفنه مرتين، وتعيش كل مشاعر الخسارة على دفعتين وكأن الوداع المؤجل صار حقيقة مؤلمة لا مفر منها".
أرقام تتبدّل لكنّ الوجع ثابت
رغم قساوة المشهد، تبدو الأرقام اليوم أقل حدّة مقارنة بالحرب الماضية. ففي عام 2024، بلغ عدد الجثامين المدفونة "وديعة" في قضاء صور نحو 232، بينها أكثر من 165 في يوم واحد. أما اليوم، فلا يتجاوز العدد الإجمالي نحو 120.
وقد استقبلت هذه الأراضي جثامين من مختلف القرى الحدودية، من بيت ليف ومارون الرأس وميس الجبل وغيرها من القرى، حيث عاد أبناؤها في صناديق بعد انتهاء الحرب.
يقول الشيخ ربيع قبيسي من دار الإفتاء الجعفري في صور إن ما ميّز الحرب السابقة كان العدد الكبير للضحايا منذ الأيام الأولى، ما أدى إلى تكدّس الجثامين في برادات المستشفيات، قبل إيجاد أماكن لدفنها مؤقتاً.
ومن هذه التجربة، بادرت الجهات المعنية، بالتعاون مع اتحاد بلديات صور ووزارة الصحة والدفاع المدني، إلى تأمين "أرض الوديعة" أسرع هذه المرة. وتقع هذه الأرض مقابل ثكنة بنوا بركات، التابعة لوزارة الدفاع اللبناني، وقد اعتُمدت "كأرض وديعة" بعد أسبوع فقط من اندلاع الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
اليوم، وبعد أكثر من أسبوعين على تجدّد المواجهات، يُسجَّل وجود نحو 11 جثماناً موزعين على موقعين: ستة في عين بعال، وخمسة في الأرض التابعة لوزارة الدفاع. وهو رقم لا يقارن بما شهدته الحرب السابقة، حين وصل عدد المدفونين إلى نحو 180 بين مدنيين ومقاتلين.
آلية دقيقة وعودة مؤجّلة
تتم عملية الدفن وفق إجراءات دقيقة: يوضع كل جثمان داخل صندوق يحمل رقماً تعريفياً، مع تسجيل الاسم داخله وخارجه على بطاقة غير قابلة للتحلل. وعند انتهاء الحرب، تُنقل الجثامين، صندوقاً صندوقاً، إلى قراها الأصلية لدفنها بحسب رغبة العائلات.
ويؤكد الشيخ أنه لم يبقَ أي جثمان من الحرب السابقة في "أرض الوديعة"، إذ نُقلت جميعها إلى قراها خلال فترة لم تتجاوز الشهر ونصف بعد وقف إطلاق النار.
وتُرافق عمليات النقل إجراءات صحية مشددة لتفادي أي مخاطر، مع الالتزام بالضوابط الشرعية، وأبرزها عدم فتح الصناديق.
وقد تمكّنت العديد من العائلات، بعد انتهاء حرب 2024، من استعادة جثامين أحبائها ودفنها في قراهم، بعد الحصول على الأذونات اللازمة من الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. أما اليوم، فتتكرّر القصة نفسها، حيث يُدفن آخرون مؤقتاً بانتظار العودة الأخيرة إلى ترابهم.
وصية أب
كان هادي الحاج حريصاً على تنفيذ وصية والده الذي طلب أن يُدفن في بلدته، شيحين. ومع اندلاع حرب 2024، وتصاعد وتيرة المعارك، وجد نفسه فجأة أمام خبر استشهاد والده في 10 أيار. يروي هادي: "كانت مراسم التشييع سريعة جداً، لكن همّنا الوحيد كان أن يُدفن كما أوصى، في أرض بلدته".
ما يثقل عليه اليوم هو عجزه عن زيارة قبر والده أو قراءة الفاتحة له. يعترف "هذا أمر صعب جداً، لكنني متأكد من أننا سنعود، وسأزوره وأكون قريباً منه".
ولم يكد يستوعب خسارته حتى وجد نفسه أمام فاجعة جديدة. ففي 21 آذار، توفيت جدته وفاة طبيعية، لكن الوصول إلى البلدة بقي مستحيلاً. لم يكن أمامه سوى القبول بخيار "الوديعة". يوضح: "دفناها في أرض الوديعة، بانتظار أن تهدأ الأوضاع ونتمكن من نقلها ودفنها في البلدة كما كانت ترغب".
يختصر أمله بعبارة بسيطة "إلا ما تفرج ونرجع". هذه المرة، سيعود إلى شيحين حاملاً جثمان جدته، مثقلاً بغصتين: غصّة وداع مؤجّل، وغصّة العودة إلى أرضٍ تركت في قلبه كل هذا الألم.
وفي عين بعال، كانت الاستعدادات جارية لإنشاء مدافن لأبناء البلدة، قبل أن تفرض الحرب واقعاً مختلفاً، فتتحوّل الأرض إلى "وديعة" تستقبل جثامين من خارجها.
يقول عضو البلدية الحاج رضوان مرعي إن الأرض قُدّمت أساساً لتكون مدفناً لأهالي البلدة، "لكن ظروف الحرب فرضت استخدامها مؤقتاً لدفن من يتعذر نقلهم إلى قراهم الحدودية".
بجهود متبرعين، من الأرض إلى أعمال التجهيز، أصبحت المساحة جاهزة لاحتضان هذا الألم الجماعي. اليوم، نحو 60 قبراً مرقّماً تنتظر، فيما تتجه الأنظار إليها برجاء واحد: أن تبقى فارغة. حتى الآن، دُفن فيها أربعة أشخاص منذ تجدّد الحرب: اثنان من بلدة راميا، وآخر من شحين، ورابع من الناقورة.
في الحرب السابقة، يؤكد مرعي أن أرض عين بعال احتضنت 44 جثماناً، قبل أن تعود العائلات وتحمل أحبّاءها إلى قراهم، حيث يكون العناق الأخير… مع التراب.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|