الصحافة

لبنان بين سيادةٍ شكلية ودولةٍ معطَّلة: هل أصبح الفصل السابع الخيار الأخير؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في كل مرة يُطرح فيها احتمال وضع لبنان تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يندفع كثيرون إلى رفض الفكرة فوراً تحت شعار الدفاع عن السيادة الوطنية. غير أن هذا الرفض السريع غالباً ما يتجاهل السؤال الجوهري الذي يسبق كل نقاش قانوني أو سياسي: هل ما زالت السيادة اللبنانية قائمة فعلاً؟

السيادة في القانون الدولي ليست شعاراً سياسياً أو مادة في الخطب. السيادة تعني، قبل كل شيء، أن تكون الدولة صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم، وأن تحتكر وحدها استخدام القوة المسلحة داخل حدودها. هذا المبدأ يشكّل أحد الأعمدة الأساسية للنظام الدولي الحديث.

لكن الواقع اللبناني منذ سنوات طويلة يكشف حقيقة مختلفة تماماً.

لبنان دولة بسيادة منقوصة

فلبنان يعيش حالة فريدة في العالم المعاصر: دولة قائمة دستورياً وممثلة في المجتمع الدولي، لكنها لا تحتكر إستخدام القوة داخل أراضيها. إذ يوجد تنظيم عسكري وسياسي يمتلك قدرات صاروخية وترسانة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة، ويتخذ قرارات استراتيجية تتعلق بالحرب والسلم خارج إطار السلطة الشرعية. هذا التنظيم هو ميليشيا “حزب الله” الخارجة عن القانون.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر:

لبنان قد وجد نفسه في مواجهة عسكرية مع ” دولة إسرائيل” كما سمّاها نبيه برّي رئيس البرلمان اللبناني دون أن تكون الدولة اللبنانية قد اتخذت قرار الحرب، ودون أن تكون مؤسساتها الدستورية قد وافقت عليها.

في مثل هذه الحالة تصبح السيادة مجرد مفهوم نظري.

من منظور القانون الدولي، الدولة التي لا تحتكر إستخدام القوة على أراضيها تواجه مشكلة سيادية حقيقية. وعندما تتحول أراضيها إلى منصة محتملة لصراع إقليمي واسع، فإن الأمر يتجاوز حدود السياسة الداخلية ويصبح مسألة تتعلق بالسلم والأمن الدوليين.

ولهذا السبب تحديداً منح ميثاق الأمم المتحدة لـ “مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ” صلاحيات واسعة بموجب الفصل السابع. فهذه الصلاحيات لا تُستخدم فقط عندما ترتكب دولة ما عدواناً مباشراً، بل أيضاً عندما يشكّل وضع معين تهديداً للاستقرار الدولي.

السوابق الدولية واضحة في هذا المجال. فقد تدخل المجتمع الدولي في دول لم تكن حكوماتها هي التي بدأت العدوان، بل لأن الدولة فقدت قدرتها على السيطرة على أراضيها أو على الجماعات المسلحة داخلها. حصل ذلك في الصومال عندما انهارت مؤسسات الدولة و سيطرت ميليشيات عرقية و قبلية على أجزاء كبيرة من البلاد يومها رأى مجلس الأمن أن الوضع هناك يمثل تهديداً للسلم و الأمن الدوَلي (ما يشبه وضع لبنان) ، وفي البوسنة و الهرسك عندما تحولت الحرب الأهلية إلى تهديد للأمن الإقليمي بعد أن سيطرت ميليشيات على أجزاء من البلاد كما تفعل الميليشات في لبنان التي تتحدى و تضرب بعرض الحائط الدولة اللبنانية و سيادتها و ، قراراتها، حينها رأت الأمم المتحدة في ذلك تهديداً لأمن أوروبا (كما ما يحصل الآن تهديداً لوضع الشرق الأوسط).

المعيار إذاً ليس النية السياسية للحكومة، بل القدرة الفعلية للدولة على فرض سلطتها.

عدم تنفيذ القرارات الدولية

في الحالة اللبنانية، تعلن الدولة التزامها الكامل بالشرعية الدولية. غير أن هذا الالتزام يصطدم بواقع واضح: القرارات الدولية التي طالبت بحصر السلاح بيد الدولة لم تُنفَّذ بشكل كامل حتى اليوم. ومن أبرز هذه القرارات قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم ١٧٠١ الذي دعا إلى تعزيز سلطة الدولة اللبنانية ومنع وجود السلاح خارج إطارها.

إن استمرار وجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة لا يضعف فقط سيادة لبنان، بل يضع البلاد أيضاً في موقع الدولة التي قد تتحول أراضيها إلى ساحة صراع إقليمي دائم.

لهذا السبب يصبح النقاش حول الفصل السابع أقل تطرفاً مما يظنه البعض. فهذه الآلية الدولية لا تعني بالضرورة تدخلاً عسكرياً أو احتلالاً، كما يُشاع في الخطاب السياسي المحلي. في معظم الحالات، تتخذ الإجراءات بموجب الفصل السابع طابعاً تدريجياً وقانونياً، مثل:

١- فرض حظر دولي على تسليح التنظيمات المسلحة غير الحكومية.

٢-تجفيف مصادر تمويلها الخارجية.

٣-تعزيز مهام القوات الدولية مثل UNITED NATIONS INTERIM FORCES IN LEBANON “اليونيفيل”.

٤-دعم المؤسسات العسكرية الشرعية كي تصبح الجهة الوحيدة المخولة الدفاع عن الدولة.

وبعبارة أخرى، قد يتحول الفصل السابع في بعض الظروف إلى آلية دولية لمساعدة الدولة على استعادة سيادتها، لا إلى وسيلة لسلبها.

الدولة ملزمة باحتكار السلاح

المفارقة أن كثيرين في لبنان يرفضون مجرد النقاش في هذا الخيار بحجة الدفاع عن السيادة، بينما يقبلون عملياً بواقع تتآكل فيه هذه السيادة يوماً بعد يوم.

فالدول لا تفقد سيادتها عندما يساعدها المجتمع الدولي على فرض القانون داخل حدودها، بل عندما يصبح قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية. و هل سألنا من يأخذ هكذا قرارات في لبنان أقلّه منذ تمّوز ٢٠٠٦ حتى اليوم؟

من هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يواجهه اللبنانيون بصدق ليس إن كانوا يوافقون على الفصل السابع أو يرفضونه. السؤال الحقيقي هو:

هل ما زالت الدولة اللبنانية قادرة على استعادة احتكار السلاح وقرار الحرب بقواها الذاتية؟

أم أن استمرار هذا العجز سيجعل المجتمع الدولي، عاجلاً أم آجلاً، يعتبر أن حماية الاستقرار الإقليمي تفرض عليه التدخل؟

إن الدفاع الحقيقي عن سيادة لبنان لا يكون برفض كل نقاش دولي، بل باستعادة الدولة سلطتها الكاملة على أرضها. وكل يوم يمر من دون حل هذه المعضلة يقرّب لبنان أكثر من لحظة يجد فيها المجتمع الدولي نفسه أمام سؤال لم يعد ممكناً تجاهله:

هل يمكن الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط بينما يبقى لبنان دولة لا تملك وحدها قرار السلاح على أراضيها؟

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا