الشرع يضع الاقتصاد مع لبنان أولاً… والسياسة تأتي لاحقًا
في لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة خرائط التجارة العالمية، مع صعود ممرات اقتصادية كبرى تربط الهند بأوروبا عبر الخليج، تبدو سوريا ولبنان خارج الخطوط الأساسية لهذه التحولات، غير أنّ هذا الواقع لم يعد يُقارب على أنه قدر نهائي، بل نقطة انطلاق لإعادة التفكير في موقع البلدين ضمن النظام الاقتصادي الجديد، خصوصاً في ظل محاولات واضحة لإيجاد موطئ قدم، ولو من خارج المسار المباشر للممر.
في هذا السياق، تبرز مقاربة الرئيس السوري أحمد الشرع للعلاقة مع لبنان كجزء من رؤية أوسع تقوم على الواقعية الاقتصادية فالشرع لا يسعى إلى تقديم سوريا كممر بديل للمشروع الهندي – الأوروبي، بل يذهب نحو طرح أكثر براغماتية يقوم على التموضع على هامش هذه الممرات، والاستفادة من التدفقات الاقتصادية التي ستنشأ حولها.
فالممرات الكبرى، تاريخياً، لا تعمل بمعزل عن محيطها، بل تخلق شبكات رديفة من الخدمات اللوجستية والتخزين وإعادة التوزيع، وهنا تحديداً يحاول الشرع إعادة إدخال سوريا في اللعبة.
ضمن هذا الإطار، يكتسب لبنان أهمية مضاعفة، فبعيداً عن كونه جاراً جغرافياً، يشكّل بالنسبة لدمشق امتداداً طبيعياً يمكن من خلاله تعزيز هذا التموضع غير المباشر، علر المرافئ اللبنانية، التي ورغم أزماتها، لا تزال تمتلك مقومات تسمح لها بلعب دور لوجستي مكمّل في شرق المتوسط، فيما يشكّل الداخل السوري عمقاً جغرافياً وسوقاً استهلاكية يمكن أن ترتبط بهذه الحركة وهكذا، تتحول العلاقة من تنافس تقليدي إلى تكامل وظيفي، حيث يصبح كل طرف بحاجة إلى الآخر لتعزيز موقعه على هامش الممرات الكبرى.
لكن اللافت أن هذا الطرح يتقاطع مع توجه لبناني موازٍ، يتجاوز فكرة الاكتفاء بدور الممر أو مقدّم الخدمات، فقد أبلغ الرئيس اللبناني نظيره الفرنسي برغبة بلاده بالانضمام إلى الممر الهندي – الأوروبي كشريك فعلي، لا كحلقة ثانوية،
هذا الطموح يعكس إدراكاً متزايداً في بيروت بأن البقاء خارج هذه الشبكات سيعني مزيداً من التهميش، وأن استعادة الدور الإقليمي يمر عبر الانخراط المباشر في التحولات الجارية.
غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع معقّد،… فالممر، بصيغته الحالية، لا يمر عبر لبنان أو سوريا، بل يقوم على مسارات بديلة أكثر استقراراً سياسياً وأمناً. وبالتالي، فإن التحول إلى “شريك فعلي” لا يمكن أن يتحقق بقرار سياسي فقط، بل يحتاج إلى مجموعة شروط بنيوية لا تزال غائبة حتى الآن.
في مقدمة هذه الشروط، يأتي الاستقرار السياسي، الذي يشكّل العامل الحاسم لأي استثمار طويل الأمد أو دور لوجستي متقدم، يليه تطوير البنية التحتية، لا سيما المرافئ، وشبكات النقل، والربط البري، بما يتلاءم مع متطلبات سلاسل الإمداد الحديثة، كما يبرز عامل الثقة الدولية، المرتبط بالإصلاحات المالية والإدارية، كعنصر أساسي لإقناع الشركاء الدوليين بإدماج لبنان في مشاريع بهذا الحجم.
هنا تحديداً، تلتقي الرؤيتان اللبنانية والسورية، وإن من زوايا مختلفة، فبينما يسعى لبنان إلى حجز موقع داخل الممر نفسه، تعمل سوريا على الاستفادة من محيطه.
لكن في الحالتين، يبقى العامل الحاسم هو القدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى وظيفة اقتصادية فعلية، وهو ما يتطلب بيئة داخلية مستقرة وقابلة للاندماج في الاقتصاد الإقليمي.
في المقابل، تبدو المقاربة التي يطرحها الشرع أكثر تواضعاً، لكنها ربما أكثر واقعية في المدى القصير، إذ تقوم على بناء مصالح اقتصادية تدريجية مع لبنان، بالتوازي مع معالجة الملفات السياسية العالقة، من دون انتظار حلول شاملة لها. هذا التدرج، إن نجح، قد يفتح الباب أمام دور أوسع في المستقبل، سواء داخل الممرات الكبرى أو على هامشها.
في المحصلة، لا يبدو انضمام لبنان إلى الممر الهندي – الأوروبي كشريك فعلي أمراً مستحيلاً، لكنه بالتأكيد ليس قريباً.
هو هدف يتطلب إعادة بناء الدولة اقتصادياً ومؤسساتياً، قبل أي تفاوض خارجي. وحتى ذلك الحين، قد يكون الخيار الأكثر واقعية هو ما تطرحه دمشق، "التموضع الذكي على الهامش"، بانتظار لحظة يصبح فيها الدخول إلى قلب الممر ممكناً.
جيمي فرنسيس -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|