إقتصاد

هرمز يهز الاقتصاد العالمي… والنفط يدخل معركة أميركا والصين

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

مع دخول العمليات العسكرية في إيران أسبوعها الثاني، يبرز تساؤل جوهري لا يتعلق بقضايا الأمن المباشر، بل بدوافع الولايات المتحدّة الأميركية في تبني سياسة ما يمكن إعتباره تقاعسًا مدروسًا فيما يخص إغلاق مضيق هرمز. تشير التحليلات الإقتصادية المعمقة إلى أن الهدف الهيكلي المحتمل ليس طهران، بل ضرب القدرة الصناعية في الصين عبر ما يُسمى بالتضخم المستورد واختلال ميزان المدفوعات.

هيكلية الاعتماد على الطاقة

على مدى أكثر من عشرين عامًا، دأبت الصين على بناء مناعة هيكلية ضد الهيمنة الدولارية الأميركية، من خلال نظام الـ CIPS وما يُسمى بالبيترويوان. لكن الركيزة الأساسية لهذه السياسة تعتمد على تدفق النفط الإيراني إلى الصين – ما يُقارب الــ 1.4 مليون برميل يوميًا بأسعار تفضيلية وغير خاضعة لنظام العقوبات القائم على الدولار. وبالتالي فإن الهجوم على البنية التحتية النفطية الإيرانية سيقضي عمليًا على أهم أداة اقتصادية تملكها الصين للحفاظ على إنخفاض تكلفة الإنتاج.

على المستوى الإقتصادي الكلي، بتقاعسها عن إعادة فتح مضيق هرمز بالقوّة، تُجبر الولايات المتحدّة الأميركية الصين على التعرض لصدمة عرض قسرية لم يكن مخططو ميزانيتها مستعدين لتحملها في مثل هذه المرحلة الحرجة.

تفاوت التكاليف

يكمن اللغز الاقتصادي في «تقاعس» الولايات المتحدّة الأميركية عن إعادة فتح مضيق هرمز، رغم أن المضيق يؤمّن 20% من الاستهلاك العالمي. وبحسب التحليل الاقتصادي، يكمن السبب المنطقي في عدم تناظر حساسية الإقتصادين الأميركي والصيني لصدمات أسعار النفط في العام 2026. فالولايات المتحدة تعتبر مصدرا صافيا للطاقة، وبالتالي يكون تأثير إرتفاع الأسعار عليها مماثلاً لتأثيره على الدول الأخرى (أي التضخم المحلي)، ولكنه يُحدث أيضاً أثر تحويلات رأسمالية ضخمة لصالح منتجي النفط الصخري. وهذا يُنشئ علاقة غير إعتيادية، حيث في مُقابل إنخفاض الإستهلاك في الولايات المتحدّة الأميركية، هناك زيادة في مكاسب رأس المال (بالدرجة الأساسية لمنتجي النفط الصخري).

في المقابل، تُعتبر الصين مستوردا صافيا للطاقة، وبالتالي تعتمد على الواردات لتلبية معظم إحتياجاتها من الطاقة، حيث تذهب 80% من صادرات الخليج إلى آسيا. ويؤدي التضييق طويل الأمد على الطاقة إلى تحويلها من قوّة إنتاجية كبيرة إلى دولة تستنزف إحتياطياتها من الأصول الأجنبية المقومة بالدولار، مما يزيد من تكلفة الإنتاج ويحدّ من القدرة التنافسية للصادرات الصينية في الأسواق العالمية.

محاكاة للعام 2026

استنادًا إلى نموذج كمي، وبفرضية ارتفاع أسعار النفط لمدّة طويلة الأجل عند عتبة الـ 110 دولارات للبرميل الوحد، تشير نتائج المُحاكاة إلى تباين واضح في قدرة صمود كل من إقتصاد العملاقين:

أولًا – الإنتاج الصناعي الأميركي: من المتوقع أن يتباطأ النمو إلى 0.99% بحلول الربع الأخير من العام 2026 (أنظر إلى الرسم البياني المُرفق). وعلى الرغم من أن النموذج يمثل انكماشًا تقنيًا، إلا أنه يُعتبر تضحية مقبولة نظرًا لأن رأس المال المُستثمر في فروقات أسعار النفط مُحتفظ به في الدورة الاقتصادية المحلية (قطاع التنقيب والإنتاج).

ثانيًا – الناتج المحلي الإجمالي الصيني: تشير التوقعات إلى أن الرقم سيصل إلى نسبة كبيرة تبلغ حوالي 1%، أي ما يعادل 3.26% (أنظر إلى الرسم البياني المُرفق). لكن هذا التباطؤ لا يُعد تباطؤًا إحصائيًا، بل هو تآكل في هوامش الربح في القطاع الصناعي الصيني الذي لم يعد قادرًا على إستيعاب الصدمات في أسعار الوقود، سواء بسبب رفع الأسعار أو خفض الإنتاج.

إعادة هيكلة النظام النقدي

تتبنى الولايات المُتحدّة الأميركية الآن نظام المرافقة الإنتقائية مستفيدةً من مكانتها المعترف بها دوليًا كضامن للملاحة. وتستطيع الولايات المتحدّة الأميركية التحكم في السفن العابرة والمستفيدة من الحماية، وإدارة نفقات التأمين والشحن للدول المنافسة بكفاءة. ويُعدّ التقاعس في فتح مضيق هرمز بمثابة ورقة ضغط مالية تأمل الولايات المُتحدّة الأميركية أن تُجبر الصين على العودة إلى طاولة المفاوضات، وفق الشروط الأميركية.

ويتمثل الهدف الاستراتيجي النهائي في إفشال رغبة الصين في إنشاء منصة طاقة غير الدولار. فبمجرد إستحالة الحصول على النفط باليوان (عبر إيران) عسكريًا، ستضطر الصين للعودة إلى الأسواق المفتوحة القائمة على الدولار، مما سيزيد الطلب العالمي على الدولار، ويُرسّخ هيمنة البترودولار كمعيار وحيد للتجارة الدولية.

وجهة النظر المقابلة

على الرغم من قوّة هذا المنطق الجيو-إقتصادي، إلا أن هناك عدة عوامل قد تعاكس فعاليته:

أولًا – الإحتياطيات الإستراتيجية الصينية: تمتلك الصين مخزونات نفطية ضخمة تكفي لتلبية إحتياجاتها لعدة أشهر، مما يُعطيها وقتًا إضافيًا للمناورة الدبلوماسية.

ثانيًا – الأنابيب البرّية: تُعدّ شبكات خطوط الأنابيب الروسية والآسيوية الوسطى بدائل ولو جزئية، لكنها تتطلب في نفس الوقت إنفاقا لوجستيا أعلى. وهو ما قد يُجنّب الصين الإنهيار الكامل لإمداداتها من النفط.

ثالثًا – الضرر على الحلفاء: قد يُؤدي الضرر الإقتصادي الذي يلحق بشركاء الولايات المتحدّة الأميركية من أوروبيين وآسيويين (اليابان وكوريا الجنوبية) نتيجة إرتفاع أسعار النفط والغاز إلى خلق ضغوطات مُعاكسة على الإدارة الأميركية لإنهاء الحصار قبل أن يحقق أهدافه الخاصة بالصين.

إعادة صياغة جديدة

يُمثّل مضيق هرمز 2026 «مختبرا» حقيقيا للحرب الاقتصادية المُعاصرة، حيث لن يكون الحكم على المعركة بعدد الصواريخ التي تُسقط، بل بمعدلات التضخم في الصين ومستويات سيولة الدولار في خزائن المركزي. وبالتالي من المتوقّع أن يُعيد هذا الأمر صياغة معادلات القيمة في سلاسل التوريد العالمية، مع الأخذ بعين الإعتبار أن مضيق هرمز أصبح «سلاحًا خوارزميًا» أيضًا من خلال معادلتين: «يُحوّل تأخير الشحن إلى فروق عائدات السندات»، و»تُستخدم أقساط التأمين كتعرفة جمركية بديلة».

والصورة الأكثر أهمّية هي تسليح أسواق الطاقة دون نشوب صراع عسكري مباشر بين القوى العظمى في العالم. إذ تُمكّن إستراتيجية الركود الموجّه، الولايات المتحدّة الأميركية من الإنكار المعقول مع تحقيق نتائج إقتصادية كلية لم تكن العقوبات التقليدية لتنجح في تحقيقها.

وفي المقابل، تواجه الصين موقفًا صعبًا، إذ إن برنامجها لإزاحة الدولار من التجارة النفطية على مدى عشر سنوات قائم على بنية تحتية يُمكن إستهدافها بسهولة بوسائل عسكرية من قِبل أطراف ثالثة.

ستشهد الأشهر المقبلة كيف ستساهم إحتياطيات الصين الإستراتيجية من النفط وقنوات الإمداد البديلة في توفير حماية كافية ضد هذه الحرب المالية. في غضون ذلك، يستمتع منتجو النفط الصخري الأميركي بتقلبات الأسعار التي تُضعف منافسهم الصناعي الرئيسي. في ظل هذا النموذج الجديد، تُصبح السيطرة على الممرات البحرية أقل أهمية من الإتفاق على إبقائها مغلقة لتحقيق الأهداف الأوسع للسياسة الاقتصادية.

جاسم عجاقة -الديار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا