المجتمع

تسونامي السرطان: كيف يُصنع في لبنان أخطر أوبئة العصر؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

عندما زار الدكتور علي مقداد، أستاذ علوم قياس الصحة والمسؤول الاستراتيجي للصحة السكانية في جامعة واشنطن، لبنان قبل أشهر لعرض نتائج دراسته، كان يدرك أنّه لا يحمل مجرّد أوراق بحثية، بل جرس إنذار صحيّاً خطيراً. لكنّ المفارقة تكمن في أنّ هذه النتائج، وبصرف النظر عن دقّتها، لكونها تستند إلى تقديرات ونماذج توقّعية، لم تكن مفاجئة للمعنيين بمتابعة الشأن الصحي في البلاد.

فمنذ سنوات، يرفع الأطباء والخبراء الصوت محذّرين من الارتفاع المتسارع في معدلات الإصابة بالسرطان، من دون أن يترجم هذا التحذير إلى تغييرات ملموسة على أرض الواقع. فالتلوّث لا يزال يتمدّد بلا رادع، والمبيدات المسرطِنة تواصل تسلّلها إلى الخضار والغذاء، ومولّدات الكهرباء لم تُبدِ أيّ شفقة على رئات اللبنانيين، فيما بقي قانون منع التدخين حبراً على ورق، عاجزاً عن فرض نفسه في المقاهي والمطاعم.

عبثًا نحاول رسم صورة لوطنٍ نتمناه كما يجب أن يكون، فيما الواقع يوضح بأنّ لبنان بات، بكل قسوة، مقبرةً صامتة للأرواح. فالتحدّي لا يكمن في إنتاج المعلومة أو نشرها، بل في ما يليها من خطوات تنفيذية قادرة على انتشال البلاد من مستنقع السرطان الذي تسلّل إلى جسدها حتى العظم.

وإذا لم يتحرّك المعنيّون بجدّية لمواجهة أسباب هذا المرض من جذوره، فلن تبقى نتائج الدراسة المنشورة في مجلة The Lancet الطبية مجرّد سيناريو توقّعي، بل ستتحوّل إلى حقيقة موجعة، مع احتمال تسجيل ارتفاع في معدلات وفيات السرطان يصل إلى 80 في المئة بحلول عام 2050.

منظومة مترابطة من العوامل الصحية والبيئية

السؤال الذي علينا الانطلاق منه اليوم هو ماذا بعد تلقّي هذه الأرقام؟ وكيف يمكن مقاربة العوامل المتشابكة المسؤولة عنها في بلدٍ غالباً ما تُقحم فيه القضايا الصحية في دوّامة الصراع السياسي؟

لا يُخفي رئيس لجنة الصحة النيابية الدكتور بلال عبدالله أنّ نتائج الدراسة المنشورة فيThe Lancet جاءت منسجمة مع المعطيات المتوافرة والمحفوظة لدى وزارة الصحة. وبغضّ النظر عن مدى دقّة الأرقام الواردة، فإنّ المؤكّد هو أنّ لبنان يُعدّ من بين الدول الأعلى إصابة بأمراض السرطان في المنطقة، ولا سيّما سرطان الثدي والبروستات والرئة.

وفي مقاربة تشخيصية لأسباب انتشار السرطان، تتقاطع القراءات العلمية حول مجموعة من العوامل الرئيسية التي تقف خلف هذا الارتفاع المقلق، وفي مقدّمها التلوّث والتدخين، اللذان يتصدّران المشهد اللبناني اليوم. وفي هذا الإطار، يؤكّد عبدالله أنّ "لبنان يحتل مرتبة متقدّمة جدًا بين الدول الأكثر استهلاكاً للتدخين، بالإضافة إلى التلوّث الهائل الناتج عن المولّدات الكهربائية التي تغزو البلاد بشكل مقلق". 

ويُضيف عبدالله أنّ غياب الرقابة أو ضعفها، في ما يتعلّق باستخدام المبيدات الزراعية يشكّل عامل خطر إضافياً، نظراً لتأثيره المباشر على سلامة الغذاء وصحة المواطنين. ويخلص إلى أنّ لبنان يواجه منظومة مترابطة من العوامل الصحية والبيئية التي تتغلغل بعمق في المجتمع، غير أنّها تبقى، في مجملها، عوامل قابلة للتعديل والوقاية، في حال توافرت الإرادة والالتزام بتطبيق السياسات الوقائية اللازمة.

باختصار، أسهم ضعف الدولة على مدى سنوات طويلة في إنتاج فوضى بيئية وغذائية واسعة، ترافقت مع فوضى موازية في استخدام الأدوية، ولا سيّما المزوّرة والمهرّبة، ما شكّل عوامل أساسية للارتفاع المطّرد لمعدلات الإصابة بالسرطان.

وفي هذا الإطار، يعترف رئيس لجنة الصحة النيابية بوجود "توجّس حقيقي حيال هذا الملف. ومع ذلك، العمل جارٍ مع الجهات المعنية لدقّ ناقوس الخطر"، مضيفاً "صحيح أننا نتلقى النتائج، فإن أسباب ما وصلنا إليه تكمن في مكان آخر، وتتطلّب معالجة شاملة على المستوى العام وبمشاركة جميع الأطراف".

في هذا السياق، تتحضّر اللجنة الصحية النيابية لعقد مؤتمر خلال الشهرين المقبلين، يُخصّص لبحث المسؤوليات وسبل مواجهة هذا الواقع الصحي المقلق، والخروج بتوصيات جدّية تُسهم في تعزيز الطب الوقائي. ويطرح عبدالله مجموعة من المقترحات الملحّة للتخفيف من عوامل الخطر المسبّبة للسرطان، أبرزها تفعيل هيئة سلامة الغذاء، وتعزيز الوكالة الوطنية للدواء، إلى جانب إجراءات أخرى تتطلّب تمويلاً جدياً والتزاماً فعلياً لضمان تنفيذها.

ووفقًا للأرقام الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية والمنشورة على موقعها الإلكتروني، سجّل لبنان خلال عام 2024 نحو 17,483 حالة سرطان مؤكَّدة. لكنّ هذه الأرقام لا تعكس الواقع الكامل، في ظل وجود حالات لم تُجرَ لها فحوص تشخيصية أساساً، أو لم تدخل مسار العلاج، ما يعني أنّ العدد الفعلي للإصابات قد يكون أعلى بكثير من الإحصاءات المعلنة.

مسبّبات السرطان مرتبطة بمصالح سياسيين

لمعالجة أزمة السرطان في لبنان، لا بدّ من التوجّه إلى جذور المشكلة ومعالجة مسبّباتها. لكن هذا المسار، وفق ما يؤكد هاني نصار، رئيس جمعية بربارة نصار لدعم مرضى السرطان، يصطدم بواقع معقّد، إذ إن "أغلب مسبّبات السرطان مرتبطة بمصالح سياسيين نافذين".

وفي تفكيك عوامل الخطر، يبرز التلوّث البيئي في الصدارة، سواء عبر مجارير الصرف الصحي التي تُصرّف في نهر الليطاني، أو من خلال المعامل الصناعية التي تلوّث المياه المستخدمة لريّ المزروعات، ما ينقل السموم من البيئة إلى الغذاء.

كما تشكّل المبيدات الزراعية المسرطِنة، في ظل غياب الرقابة وانتشار التهريب، خطراً إضافياً، يظهر أثره بوضوح في القرى المحاذية للنهر، حيث تُسجّل نسب إصابات مرتفعة. ولا يقلّ خطر معامل الترابة في سلعاتا وسبلين، المرتبطة بحالات سرطان غشاء الرئة لدى السكان المجاورين، عن تلك المسجّلة في سلعاتا.

يضاف إلى ذلك التلوّث الناتج عن مولدات الكهرباء الخاصة، إذ يُقدَّر عددها في بيروت الإدارية وحدها بنحو 9 آلاف مولّد، يعمل أغلبها من دون فلاتر، ما يفاقم الانبعاثات السامّة على مستوى البلاد.

أما العامل الثاني، فيتمثل في التدخين والنارجيلة، في ظلّ الغياب شبه الكامل لتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة، وتطبيع هذه العادة اجتماعياً بعبارات من قبيل: "لم يبقَ لنا سوى النارجيلة لنفشّ خلقنا". ويقول نصّار "أدعوهم إلى زيارة مركزنا، ليروا بأمّ العين حجم الأضرار التي تخلّفها هذه العادة لدى المرضى".

"سرطان ينمو في رئتيّ"

بعد أربعين عاماً من تدخين السجائر، وجدت فاديا حيدر، البالغة من العمر 61 عاماً، نفسها في مواجهة مباشرة مع السرطان. فخلال فحصٍ سنويّ روتيني بالأشعة كانت تحرص على إجرائه بانتظام، تبيّن وجود كتلة سرطانية تنمو في رئتها. يومها، لم يكن الفحص كسابقيه، إذ شكّل نقطة تحوّل حاسمة وضعتها وجهاً لوجه أمام معركة قاسية مع المرض.

اليوم، تشارك فاديا قصتها في محاولة لرفع الوعي بمخاطر التلوّث والتدخين وتراجع سلامة الغذاء، وهي عوامل ترى أنّها تسهم، بدرجات متفاوتة، في زيادة احتمالات الإصابة بالسرطان. وتروي لـ"النهار" أنّ "لحظة إبلاغي بوجود كتلة سرطانية في رئتي كانت صادمة. لكنني اتخذت قراراً واضحاً بعدم الاستسلام أو اليأس". قررت فاديا المضي قدماً في العلاج، وخضعت سريعاً لعملية جراحية شكّلت المحطة الأولى في رحلة علاجها.

لم تكن الرحلة سهلة، فلكلّ مريض تجربته الخاصة مع العلاج. هذا ما اختبرته فاديا خلال مسارها العلاجي، إذ تقول: "عانيتُ قليلاً من العلاج الكيميائي، لكن العلاج المناعي كان الأصعب، إذ سبّب لي إرهاقاً شديداً، وآلاماً في الجسد، وشعوراً دائماً بالخمول". مع ذلك، كانت تردّد في قرارة نفسها: "الله في لحظة قادر على أن يغيّر كل شيء"، رافضةً الاعتراف بالهزيمة أو التسليم لفكرة الموت.

أنهت فاديا علاجاتها السرطانية قبل عشرة أشهر، بعد مرحلة وصفتها بأنها مليئة بـ"الطلعات والنزلات"، مؤكدةً أنّ حقيقة هذه المعاناة لا يدركها إلّا من تجرّع الكأس نفسها. تشير إلى العبء المالي للعلاج بالقول "كنتُ قادرة على تحمّل كلفة العلاج بفضل التأمين الذي التزمت به طوال سنوات عملي، لكنني شاهدت في المقابل معاناة كثيرين في تأمين العلاج والأدوية".

كانت فاديا عازمة على هزيمة السرطان، وهي التي تعرف هذا العدو جيداً بعدما أصاب والدها مرتين، وتمكّن من كلتيهما. وتعترف بأن "هذا المرض غريب ومحيّر، إذ لا يمكن تحديد سبب نموّه في الأجساد، فهناك من يعيش حياة صحية ومنضبطة ويصاب به، وآخرون يعتمدون أنماطًا غير صحية وسلوكيات مؤذية، ومع ذلك يبقى الجميع ضمن دائرة الخطر أمام هذا المرض الخبيث". وتختتم متمنيةً "إن شاء الله يجي اليوم ويختفي السرطان من هيدا العالم".

وزارة الداخلية توافق على الوصول إلى سجلات النفوس

يوضح رئيس قسم الدم والأورام في الجامعة الأميركية في بيروت، ورئيس اللجنة المكلفة بمتابعة تطبيق الخطة الوطنية لمكافحة السرطان، الدكتور عرفات طفيلي، استناداً إلى نتائج دراسة The Lancet، التي أثارت جدلاً واسعاً حول دقتها، بأن النقاش الدائر حول واقع السرطان في لبنان يخلط بين نوعين مختلفين من البيانات: عدد الإصابات بالسرطان من جهة، وعدد الوفيات الناتجة عنه من جهة أخرى.

وفي حديثه إلى النهار، يشدد طفيلي على ضرورة التمييز بين المؤشرين، ونبدأ بعدد الإصابات وهو المؤشر الأكثر توثيقاً حالياً، إذ يقوم السجل الوطني للسرطان بتسجيله بشكل مفصّل. ويُذكّر بأن هذا السجل كان متوقفاً عن العمل منذ عام 2016، قبل أن يُعاد تفعيله أخيراً، مع إعادة إطلاق موقعه الإلكتروني وإدراج البيانات الخاصة بالأعوام 2022 و2023 و2024.

وانطلاقاً من هذه الأرقام الموثّقة، يؤكد طفيلي أننا نشهد ارتفاعاً طفيفاً، لكنه متواصل في عدد الإصابات بالسرطان في لبنان.

في المقابل، لا تمتلك وزارة الصحة حتى اليوم أرقاماً دقيقة عن وفيات السرطان، بسبب عدم قدرتها سابقاً على الوصول إلى سجلات النفوس، ما جعل الأرقام المتاحة جزئية ومحصورة بوفيات المستشفيات. لكن طفيلي يكشف عن تطور حديث يتمثل بموافقة وزارة الداخلية على إتاحة هذه السجلات، في خطوة يُفترض أن تملأ فجوة أساسية في الإحصاءات الصحية الوطنية.

ويضيف أن ما كان متاحاً في السابق لا يتعدّى كونه أرقاماً جزئية تقتصر على وفيات مرضى السرطان داخل المستشفيات فقط، وهي بيانات تبقى محدودة وغير شاملة، ولا تعكس الواقع الكامل للوفيات على المستوى الوطني.

بناءً عليه، يوضح بأن الدراسة المنشورة في The Lancet لم تستند إلى أرقام وطنية موثوقة، بل اعتمدت على نماذج توقّعية لارتفاع عدد وفيات السرطان في لبنان بين عامي 2000 و2050. وتقوم هذه التوقعات على تحليل عوامل الخطر، التي ترفع احتمالات الإصابة بالسرطان، أكثر مما تقوم على بيانات فعلية دقيقة مسنَدة إلى سجلات رسمية مكتملة.

تفنيد المخاطر
كشفت نتائج الدراسة أنّ لبنان يُعدّ من بين الدول الأسرع نمواً في معدلات الإصابة بالسرطان على مستوى العالم، إذ سجل ارتفاعاً بلغت نسبته 162 في المئة، بين عامي 1990 و2023. ورغم علامات الاستفهام الكثيرة التي رافقت هذه النتائج باعتبارها تقديرات وليست أرقاماً واقعية، فإن النتيجة تستوجب تعاطياً جدياً وعاجلاً لتفادي الوصول إلى هذا السيناريو المرعب، خصوصاً في ظلّ تشابك عوامل خطر عديدة تعزز هذا المصير القاتم.

في هذا السياق، يتنامى قلق واسع لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين حيال التداعيات الصحية للنفايات السامّة والتلوّث البيئي، ولا سيما لجهة ارتباطهما بارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان. ولا يستند هذا القلق إلى الانطباعات وحدها، بل إلى وقائع ومعطيات موثّقة تعود جذورها إلى فترة الحرب الأهلية اللبنانية، حين جرى طمر نفايات كيميائية صناعية مستوردة من أوروبا في عدد من المناطق.

يُضاف إلى ذلك التلوّث المزمن الناتج عن مولّدات الديزل، والاستخدام الواسع للموادّ الكيميائية الزراعية، فضلًا عن الرواسب السامّة ومخلّفات القنابل التي تُلقيها إسرائيل منذ نحو سنتين، وهي عوامل بيئية خطيرة تُخلّف آثاراً تراكمية طويلة الأمد على الصحة العامة والبيئة، في ظل غياب سياسات وقائية ورقابية فعّالة.

ولأن السرطان لا يرتبط بعامل خطر واحد، بل هو نتاج تراكُم مجموعة من العوامل، فإن تأثير كلّ عامل منها يُسهم، بدرجات متفاوتة، في رفع احتمالات التعرّض والإصابة.

ننطلق، بالتعاون مع خبراء وأطباء، في تفكيك منهجي لعوامل الخطر المرتبطة بالسرطان في لبنان، وقراءة هذا الواقع المعقّد بعيداً عن التهويل، وبحثاً عن مقاربات واقعية وحلول قابلة للتطبيق لمواجهة هذا المرض الخبيث، الذي يتغلغل بصمت وبوتيرة متسارعة داخل المجتمع اللبناني.

في هذا الإطار، يوضح طفيلي بأن العامل الأول الذي تصدّر نتائج الدراسة، وفق ما يعكسه الواقع اللبناني اليوم، هو التدخين. وهي خلاصة لا تشكّل مفاجأة، بل تتقاطع مع ما توصّلت إليه أبحاث دولية متعدّدة.

يؤكد هذا الاتجاه الدكتور علي مقداد، أستاذ علوم قياس الصحة والمسؤول الاستراتيجي للصحة السكانية في جامعة واشنطن، إذ يشدّد  في دراسته على أن التبغ يشكّل العامل الأبرز والمحرّك الأساسي لارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان في لبنان.

لماذا التدخين؟ لأنه - وفق ما يشرح طفيلي - "تحتوي السيجارة والنارجيلة على أكثر من 70 مادة مسرطِنة ناتجة عن عملية الحرق واستخدام الفحم، وهي مواد تتفاعل في ما بينها وتؤدي إلى إنتاج مركّبات شديدة السمّية".

ومخاطر التدخين لا تقتصر على سرطان الرئة، بل تمتد لتشمل سرطانات الحنجرة، والأنف، والأذن، والبلعوم، وحتى المسالك البولية، ما يوسّع دائرة الخطر الصحي إلى ما هو أبعد من الصورة النمطية الشائعة.

ومن المعروف أنه كلما بدأ الشخص التدخين في سنّ صغيرة، ارتفعت احتمالات إصابته بالسرطان بشكل كبير. ويعكس السجل الوطني للسرطان هذا الواقع بوضوح، إذ تحتلّ سرطانات الرئة المرتبة الثانية بين أكثر أنواع السرطان انتشاراً في لبنان، مع تسجيل نحو 1595 حالة سنوياً.

في هذا السياق، أطلقت وزارة الصحة هذا العام حملتها الوطنية ضد سرطان الرئة تحت شعار "مع كل نفَس… بتخسر نفِس". وهي حملة تستند إلى أرقام حقيقية تؤكد مخاطر التدخين. وأكد وزير الصحة، الدكتور ركان ناصر الدين خلال الحملة أن "الأرقام تشير إلى ارتفاع مطرد في عدد المصابين بسرطان الرئة، بما يترافق مع زيادة مستمرة في الوفيات، ليصبح سرطان الرئة القاتل الأول بين الرجال، والثاني بين النساء".

ولا يقتصر الخطر على البالغين فحسب، إذ كشفت دراسة وزارة الصحة لصحة المراهقين في لبنان عن أن نحو 28% من المراهقين باتوا من المدخّنين، ما يضع جيلاً جديداً أمام تحدّيات صحيّة كبيرة.

وتُظهر المؤشرات الصحية العالمية تسجيل أكثر من مليوني (2.2 مليون) إصابة جديدة بسرطان الرئة سنوياً، وما يقارب الـ 1.8 مليون حالة وفاة، مما يجعله من أكثر السرطانات فتكاً.

أمّا في لبنان، فتشير البيانات إلى ارتفاع مقلق في معدلات الإصابة، المرتبط بازدياد استهلاك التبغ وانتشار التدخين في الأماكن العامة. كما يحتل لبنان المرتبة الثالثة عالمياً في استهلاك السجائر، حيث يستهلك اللبنانيون ما يعادل 55 مليون علبة سجائر شهرياً، فيما يُقدّر العبء الاقتصادي للتبغ بما يقارب 1.9%  من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً.

في حديث سابق إلى "النهار"، أكد رئيس اتحاد نقابات مزارعي التبغ في لبنان، حسن فقيه، أن "350 مليون علبة سجائر كانت تباع سنوياً قبل الأزمة. أما اليوم فقد ارتفع العدد إلى ما بين 500 و600 مليون علبة". أما في ما يخصّ المعسّل، "فهناك أيضاً ارتفاع في نسبة الاستهلاك بنحو 5 ملايين كيلو سنوياً من قبل اللبنانيين، أي بزيادة تبلغ نحو 10%".

تلوث الهواء: واقع ميؤوس؟

عند الحديث عن التلوّث، تستحضر الذاكرة الدراسة، التي قادتها الجامعة الأميركية في بيروت برئاسة أستاذة الكيمياء والمتخصّصة في تلوّث الهواء الدكتورة نجاة صليبا، والتي تناولت تأثير انبعاثات المولّدات الكهربائية في بيروت، ورصدت الارتفاع المقلق في مستويات الموادّ المسرطِنة في الهواء. وقد جاءت نتائج الدراسة صادمة، لتؤكّد علمياً ما كان يُتداول طويلًا من دون أدلة موثّقة، وما يلاحظه السكان يومياً من غيمة سوداء تخيّم فوق بيروت وضواحيها.

تُعدّ هذه الدراسة الأولى من نوعها من حيث مدّة المتابعة التي امتدّت على 13 عاماً، ومن حيث المعايير العلمية الدقيقة المعتمدة فيها. لكنّها، ورغم ثقلها العلمي، لم تنجح في إحداث خرق فعلي في مواجهة واقع "مافيا المولّدات" أو في تغيير آليات عملها.

لم تتوقف الأبحاث عند هذا الحدّ، بل أجرت الدكتورة نجاة صليبا دراسة أخرى، شملت أخذ عيّنات من أكثر من 258 شخصاً دخلوا المستشفى وهم يعانون من "شَكّة في القلب"، ليتبيّن بعد إخضاعهم للفحوص الطبية وجود آثار لمواد مسرطِنة ناتجة عن مولّدات الديزل والدخان، وتحديداً مركّبات الهيدروكربونات العطرية ذات الحلقات المتعدّدة (polycyclic aromatic hydrocarbon)، وهي مادة سوداء دقيقة غير مرئية بالعين المجرّدة، في نتائج فحوص البول.

تؤكّد صليبا أنّ نسب هذه الموادّ كانت أعلى بكثير من المعدلات المسجّلة في دول أخرى، ما يشكّل دليلاً واضحاً على تغلغلها في أجسامنا وتفاعلها معها. ورغم قدرة الجسم على التخلّص من جزء من هذه الموادّ، فإنّ الكميات المتبقية تبقى قادرة على التفاعل مع الخلايا، بما يساهم في تحفيز نموّ الأورام السرطانية.

تشير نجاة صليبا إلى أنّ تناول مسألة التعرّض لملوّثات الهواء يقتضي التوقّف عند ثلاثة عوامل رئيسية:

العامل الأول هو الكمية: أي حجم الملوّثات التي يستنشقها الإنسان وما إذا كانت تتجاوز المعدلات المسموح بها عالمياً، وهي معايير وُضعت أساساً لتحديد مستويات الخطر الصحية.

العامل الثاني يتعلّق بـالمدة الزمنية للتعرّض: العيش لفترات طويلة في بيئة ملوّثة يرفع مخاطر الإصابة بالسرطان مقارنة بتعرّض محدود أو عابر. 

العامل الثالث يكمن في قابلية جسم الإنسان للتفاعل مع هذه المواد:  لا تتفاعل الأجسام بالطريقة نفسها مع الملوّثات، ما يجعل تأثيرها الصحي متفاوتاً من شخص لآخر.

يؤدّي التنفّس في ظلّ التلوّث القائم إلى استنشاق جسيمات دقيقة تدخل الجسم، وتحديداً خلايا الرئة، قبل أن تشقّ طريقها إلى مجرى الدم، حيث تتفاعل مع الدورة الدموية وتصل إلى مختلف الأعضاء، ما يهيّئ لظهور الأورام السرطانية. وتصف صليبا هذه الآلية بأنها "عملية تفاعلية متكاملة. كل ما نراه بالعين المجرّدة هو نفسه ما نستنشقه على شكل جزيئات صغيرة"، مضيفةً أنّ الجسيمات التي يقلّ حجمها عن 2.5 ميكرومتر تكون أكثر قدرة على النفاذ إلى الجسم وخلايا الرئة بسرعة، مسبّبةً ليس فقط أمراضاً تنفّسية وقلبية، بل أيضاً أمراضاً سرطانية.

أمّا عن الحلول، وفي ظلّ عجز الدولة عن تأمين الكهرباء، فتُطرح إجراءات تخفيفية للحدّ من الانبعاثات المسرطِنة، أبرزها تطبيق التعاميم الصادرة عن الوزارات المعنية، وآخرها التعميم الذي يُلزم أصحاب المولّدات بتركيب عدّادات إلكترونية وفلاتر مطابقة للمواصفات المعتمدة. وفي هذا الإطار، نجحت منطقة الأشرفية في تركيب فلاتر لنحو 400 مولّد، في خطوة ساهمت في الحدّ من تلوّث الهواء.

يُشار إلى أنّ عدد المولّدات الكهربائية العاملة على الديزل تجاوز الـ 9000 مولّد، ضمن نطاق بيروت الإدارية وحدها، فيما يُقدَّر عددها بنحو 450 ألف مولّد في مختلف المناطق اللبنانية، ما يسلّط الضوء على الاعتماد الكثيف للمواطنين على المولدات نتيجة فشل الدولة في توفير الكهرباء.

رواسب الحرب الإسرائيلية

لا شكّ في أنّ لبنان يواجه تحدّياً بيئياً وصحياً خطيراً ناجماً عن مخلفات الحروب المتراكمة. وفي هذا السياق، توضّح صليبا بأنّ "القنابل والقذائف التي ألقتها إسرائيل أدّت إلى إطلاق معادن ثقيلة في الهواء". وقد شهد لبنان تعرضاً بالغ الخطورة خلال عامي 2023 و2024، نتيجة طول فترة التعرّض، وكثافة المواد الملقاة، وحدّة السموم المنبعثة.

أمّا الخطر الأكبر اليوم، فتراه صليبا في مخلفات الحرب ورواسبها، ولا سيّما عمليات إزالة الدمار والركام والغبار المتصاعد منها، في حال لم تُنفّذ وفق الشروط والمعايير البيئية المطلوبة، ما قد يؤدي إلى بعثرة السموم في الهواء على نطاق واسع. وتعبّر عن أملها في أن تتولّى الدولة دورها في مراقبة المتعهّدين، والتأكّد من التزامهم بدفاتر الشروط خلال التنفيذ. وتخلص إلى أنّ "التشريعات موجودة، لكن المطلوب هو تفعيلها وتطبيقها بجدّية على أرض الواقع".

وفي ظل هذا الواقع البيئي الكارثي، يتعرّض لبنان لمخاطر إضافية من موادّ كيميائية خطرة، أبرزها الفوسفور الأبيض، ومبيد الأعشاب "غليفوسات"، وهي قضايا لا تتعلق فقط بالغطاء النباتي، بل تفتح ملفاً بيئياً وغذائياً حسّاساً للغاية.

في المقابل، يُشير  رئيس قسم الدم والأورام في الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور عرفات طفيلي، إلى عاملين يفسّران جزئياً ارتفاع أعداد الإصابات المسجّلة: تحسّن التشخيص المبكر، ولا سيما في سرطان الثدي، الذي يتصدّر الحالات، بنحو 3800 إصابة سنوياً، وارتفاع متوسط العمر في لبنان، ما يزيد تلقائياً احتمالات الإصابة.

وعن سبل المواجهة، يكشف طفيلي عن اقتراب إطلاق البرنامج الوطني للسرطان في وزارة الصحة، مشدّداً على أن نجاحه يبقى مشروطاً بتعاون حكومي شامل، يشمل وزارات معنية بالتلوث، وسجلات النفوس، وتفعيل القوانين، وفي مقدمها قانون منع التدخين. ويخلص إلى أن أي مواجهة حقيقية للسرطان تبدأ أولاً بقرار سياسي واضح يعالج جذور المشكلة لا نتائجها فقط.

تحديات تواجه المرضى

على مستوى المرضى، تبرز تحديات لا تقل خطورة، أبرزها موسمية حملات الكشف المبكر. فحملة وزارة الصحة للكشف عن سرطان الثدي، التي أعلنت توفير 30 ألف صورة شعاعية خلال ثلاثة أشهر، تطرح علامات استفهام عند مقارنتها بالقدرة الفعلية للمستشفيات الحكومية المجهّزة، إذ لا يتجاوز عدد المستفيدات في أفضل الأحوال جزءاً بسيطًا من الرقم المعلن.

وبحسب حسابات بسيطة، إذا استقبل أحد هذه المستشفيات 15 سيدة يومياً لإجراء الصورة الشعاعية على مدى 60 يوماً أو 3 أشهر ، فإن عدد المستفيدات لن يتجاوز الـ 1000 سيدة للمستشفى الواحد، وهو رقم أقلّ بكثير من العدد المعلن.

وانطلاقاً من ذلك، يرى نصار أن توزيع الميزانية على مدار السنة، وتنفيذ وعود تجهيز المستشفيات، يشكّلان مدخلاً فعلياً للتشخيص المبكر.

ثم تتفاقم المعاناة مع الكلفة الأولية للتشخيص، إذ يضطر المريض إلى دفع نحو 2000 دولار للفحوص اللازمة، قبل أي تغطية من وزارة الصحة العامة، ما يشكّل عائقاً أمام شريحة واسعة من المرضى ويؤدي إلى تأخير العلاج.

ورغم ارتفاع موازنة وزارة الصحة وتوسيع البروتوكولات العلاجية، مع تأكيدها أن نسبة رفض الملفات لا تتجاوز الـ 6 في المئة، فلا يزال كثير من المرضى عاجزين عن تأمين أدوية غير مغطّاة. وفي هذا السياق، دعمت جمعية بربارة نصار نحو 2000 مريض خلال عام 2025، ووزّعت أدوية بقيمة تجاوزت مليوني دولار في سنة واحدة فقط. 

في الإطار نفسه، أكدت وزارة الصحة أنها رفعت الإنفاق على أدوية السرطان من 32 مليون دولار عام 2024 إلى 103 ملايين عام 2025، حيث نجحت في تأمين 200 ألف علبة دواء في عام 2025 مقابل تأمين 64 ألف علبة عام 2024. 

في الخلاصة، يشدّد نصار على أن مواجهة السرطان في لبنان تبقى مرهونة بقرار سياسي واضح، يشكّل المدخل الأساسي للانتقال من إدارة الأزمة إلى مسار فعلي للوقاية والتشافي. 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا