الصحافة

مهلة الأربعة أشهر تشعل الخلاف: هل تملك الحكومة أدوات "حصر السلاح"؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يأتِ قرار الحكومة الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من خطة بسط سلطة الدولة و"حصر السلاح" شمال الليطاني من فراغ، إذ إنّ التمهيد له بدأ منذ ما قبل إعلان إنجاز المرحلة الأولى جنوبي الليطاني قبيل نهاية العام، وكانت كلّ القوى السياسيّة، بما فيها "

حزب الله"، تدرك أن الحكومة ستذهب حتى النهاية في المسار الذي بدأته، ولا سيما أنّ المجتمع الدولي لم يترك لها خيارًا آخر، بعدما بات واضحًا أنه ربط حزم المساعدات بإنجاز هذا الملف.

فعلى رغم ذلك، فإنّ قرار الحكومة الذي وُصِف بأنّه "سياسي بامتياز"، لم يمرّ من دون ضجّة أحدثها موقف "حزب الله" الذي انسحب وزراؤه من الجلسة اعتراضًا على المسار كما صيغ، وهو ما عدّه البعض حركة احتجاجية "رمزية"، منسّقة ومتفق عليها، باعتبار أنّ "|الحزب" لا يستطيع أن يوافق على مثل هذا القرار أمام جمهوره وبيئته الحاضنة، فيما ذهب البعض الآخر لاعتباره إيذانًا ببدء ما يمكن تسميته بـ"الاشتباك الناعم" حول جوهر وجود الحزب العسكري.

وبين منطق الدولة التي تحاول استعادة أنفاسها في ظل العهد الجديد، ومنطق "الحزب" الذي يتحدّث عن انصياع للرغبات الأميركية والإسرائيلية، يبدو أنّ "ساعة الحقيقة" قد دقّت. لكن السؤال الذي يفرض نفسه في كواليس بعبدا والسراي هو: هل يملك الحكم أدوات التنفيذ الفعلي لفرض المرحلة الثانية، أم أنها تكتفي بترسيم نوايا لتقول إنها "قررت"، ثم تفاوض على التنفيذ حتى لا تتحول النوايا إلى صدام، بمعنى أننا أمام "مناورة لشراء الوقت" في انتظار تبدّل موازين القوى الإقليمية؟

الجدول الزمني.. لماذا رفضه "حزب الله"؟

في الظاهر، تبدو مهلة الأربعة أشهر التي تحدثت عنها الحكومة مرتبطة بحاجات الجيش وقدراته، لا بـ"معركة كسر عظم" مع "الحزب"، ومن خلالها تحاول الحكومة توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن بيروت جدية في التزاماتها، وقد انتقلت إلى المرحلة الثانية من الخطة. لكن أبعد من ذلك، ثمّة من يرى أنّ وضع مهلة، ولو كانت قابلة للتمديد، هو في السياسة إعلان أن الدولة تريد نقل الملف من خانة "النقاش" إلى خانة "التنفيذ"، وهذا بالضبط ما يرفضه "حزب الله".

بهذا المعنى، جاء رفض الحزب لهذا الجدول ليعيد تصويب البوصلة نحو "القرار السياسي"؛ فالحزب لا يعترض على انتشار الجيش، بل على "تأطير" حركته بمهل زمنية يراها خضوعًا لإملاءات خارجية، وتحديدًا لمطالب واشنطن التي تضغط بقوة خلف الستار. وكان لافتًا في هذا السياق، أن الحزب لم يتناول في مواقف مسؤوليه وقادته تفاصيل الخطة بقدر ما ركّز على "المنطق" الذي يحكمها، وهو أنّها تأتي برأيه "استجابة لمطلب إسرائيلي-دولي".

من هنا، يُقرأ الانسحاب من الجلسة كرسالة تحذيرية بأن السلاح ليس بندًا إجرائيًّا يُناقش بـ"القطعة"، بل هو جزء من منظومة دفاعية يرفض "الحزب" تفكيكها بقرار إداري. فلو كان الاعتراض تقنيًا، لكان النقاش بقي داخل القاعة. لكنّ الانسحاب يعني أنّ الحزب أراد رفع الكلفة السياسية عن المشاركة في قرار يرى أنه يغيّر قواعد اللعبة. وهو بذلك يرسل أيضًا رسالة للداخل، من أجل عدم الرهان على "إجماع حكومي" كغطاء لإجراءات تتعلق بسلاحه.

 
أيّ خيارات أمام الدولة؟

يضع رفض "حزب الله" الحكومة في موقف حرج، لأن بقاء القرار من دون توافق يعني أن الحكومة قد تبدو صاحبة قرار على الورق، لكنها لا تملك القدرة على تحويله إلى خطوات فعلية من دون التوصّل إلى تسوية. وفي هذا السياق، يقول العارفون إنّ "المرونة" التي بدأت تلمّح إليها أوساط مقربة من بعبدا، عبر الحديث عن إمكانية تمديد المهل، ليست ضعفًا، بل هي آلية لتبريد الصدام. فالدولة تدرك أن "كسر العظم" مع الحزب في هذه اللحظة قد يؤدي إلى شلل حكومي يعيد البلاد إلى المربع الأول.

أمام هذا المشهد، ثمّة من يسأل عن خيارات الدولة، التي يتصدّرها خيار "الإدارة التفاوضية" كبديل عن المواجهة المباشرة. وهو يقوم على التعامل مع قرار حصر السلاح كمسار يُنفّذ عبر تفاهمات وتدرّج غير صدامي، مع ترك الباب مفتوحًا أمام "مخارج" تحفظ ماء الوجه للجميع. ويهدف هذا التكتيك إلى إعطاء المجتمع الدولي "جرعات" من التطمين، دون استفزاز الحزب إلى حد المواجهة الشاملة.

بالتوازي، ثمّة مساران يمكن أن تعمل عليهما الدولة، أولهما التدرج الجغرافي-الأمني، أي توسيع حضور الدولة والجيش في مناطق محددة شمال الليطاني وفق أولويات أمنية قابلة للتطبيق، بدلًا من  التعامل مع الملف كسلّة واحدة. لكنّ هذا المسار أيضًا يصطدم بحقيقة أنّ المشكلة ليست في "المظاهر" فقط، بل في البنية العسكرية والتنظيمية التي يعتبرها الحزب ركيزة وجوده، وهي لا تُفكّك بخطوات جزئية ما لم يكن هناك قرار سياسي أكبر أو صفقة أوسع.

أما المسار الثالث، وهو الأكثر تداولًا ضمنيًا، فيقوم على ربط وتيرة تنفيذ "حصر السلاح" بسلوك إسرائيل على الحدود. ففي ظل استمرار الخروقات والضربات المتقطعة، يجد المفاوض اللبناني ذريعةً منطقيةً لتبرير البطء في التنفيذ، والقول إنّ الجدول الزمني قابل للتمديد أو إعادة النظر طالما استمرت الاعتداءات، وفي هذه الحالة، تصبح الدولة أسيرة معادلة: تريد حصر السلاح لتقوية سيادتها، لكنها تؤجل الحصر بسبب واقع أمني لا تسيطر عليه بالكامل.

بين "حصر السلاح" ورفض الحزب للمهلة، لا يبدو أنّ لبنان يملك ترف الاختيار بين الأبيض والأسود. فالدولة تحتاج إلى مسار يثبت أنها صاحبة القرار، لا مجرد وسيط بين توازنات. و"الحزب"،

من جهته، يتعامل مع الملف كعنوان وجودي لا يسمح بتحويله إلى بند في روزنامة حكومية. لذا، ستبدو "المرونة" التي وُضعت في القرار سلاحًا ذا حدين، فهي قد تُستخدم لتبريد الصدام وتقطيع الوقت بانتظار تسويات أكبر، لكنها قد تتحول أيضًا إلى عنوان لتعليق التنفيذ وإفراغ القرار من مضمونه.

إزاء ذلك، يظلّ السؤال المحوري: هل نحن أمام ولادة حقيقية لـ "الدولة القوية" التي تبسط سيادتها فعليًّا، أم أن كل ما نشهده هو عملية "ترقيع" سياسية تهدف إلى تأجيل الانفجار المحتوم؟

حسين خليفة - لبنان24

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا