مواجهة سياسية - ثقافية محتدمة يخوضها الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، سيكون إحياء ذكرى تحرير الشحّار محطة جديدة فيها. معركة جنبلاط تتعدّى الحدود، وتصل إلى السويداء وفلسطين المحتلة، ولا تقتصر على الموحدين الدروز، بل تتعدى ذلك الميدان وتصل إلى حدود المجابهة الفعلية مع السلطات الإسرائيلية المتطرفة وذات العقل التوسعي.
اختار جنبلاط ذكرى تحرير الشحّار (غرب عاليه) ومقام الأمير السيد عبدالله التنوخي في عبيه كمحطّة جديدة في سياق هذه المواجهة التي بدأت تتصاعد مع اتجاه جزء من دروز فلسطين المحتلة والسويداء إلى خيارات تتماهى مع الاتجاهات الإسرائيلية التقسيمية والانعزالية، وإعلان إسرائيل خطتها للتواصل مع دروز لبنان واستقطابهم إلى هذه المشاريع الانفصالية.
حيثيات إحياء الذكرى
لن يحضر وليد جنبلاط إلى عبيه، وسيقود تيمور جنبلاط إحياء الذكرى. لا يمكن فصل التوقيت والحملة الإسرائيلية عن موعد الانتخابات. زيارة تيمور جنبلاط إلى عبيه ستؤكّد الترابط بين المختارة ومقام السيد عبدالله التنوخي، والعلاقة التوحيدية العربية التاريخية، وستشكّل رسالة إلى الدروز والمشايخ مفادها أن "المختارة حمت الدروز وتاريخهم"، في وقت تشتد في المعركة الثقافية السياسية.
لم يكن خافياً أن بعض التصدعات طالت البيئة الدرزية جرّاء مستجدات السويداء والدعاية الإسرائيلية، والواقع الجديد قد يؤثّر على مكانة المختارة في المعادلة السياسية. وبالتالي، يختار "التقدمي" مناسبة ذات رمزية دينية وتاريخية وسياسية عميقة عند الدروز، يتصدرها تيمور جنبلاط الذي بدأ يحضّر للانتخابات، والذي سيرث معارك وليد جنبلاط، وستكون الانتخابات محطة في هذه المعارك.
مصادر متابعة للتحضيرات تتحدّث عن الفعالية، وتقول إن تيمور جنبلاط سيزور المرجع الدرزي أبو محمود سعيد فرج في عبيه، ثم يتجه إلى المقام، حيث قد يلقي كلمة من وحي المناسبة، وشيخ العقل سامي أبي المنى سيكون حاضراً أيضاً وقد يلقي بدوره خطاباً، وسيحضر الناس، والعين على مشاركة المشايخ وكثافتها، وتتوقع المصادر أن يكون الحضور كثيفاً إذا لم تعاكس ظروف الطقس.
رمزية الشحّار
المواجهة بين جنبلاط وإسرائيل (التي تستعين بمشايخ، كالشيخين موفق طريف وحكمت الهجري، وضبّاط كغسّان عليان) معركة هوية تستتبع معها معارك سياسية. تصر إسرائيل على تصوير الدروز كقومية، تؤسّس بذلك لانسلاخهم عن محيطهم العربي والإسلامي، وتعزّز الاتجاهات الانفصالية التي تندرج ضمن سياسة إسرائيل التقسيمية في المنطقة والتوسعية على قاعدة "فرّق تسد".
على المقلب الآخر، يتمسّك جنبلاط بالهوية العربية والإسلامية، والتي ينطلق منها نحو وحدة سوريا ووحدة لبنان الكبير، كون الدروز جزءاً من المجتمعين السوري واللبناني، وليسوا قومية ليشكلوا كيانهم الانفصالي. اختار جنبلاط مقام السيد عبدالله التنوخي الذي يؤكّد انتماؤه لبني تنوخ انتماء الموحدين الدروز للقومية العربية والدين الإسلامي.
يوصّف جنبلاط المواجهة فيقول إن المعركة ثقافية وسياسية، وإذ يؤكّد انخراطه بها، يشدّد على وجوب أن تكون الأجيال المقبلة مشاركة بها أيضاً، وعلى دور المؤسسات التربوية والثقافية التابعة لمؤسسات المجلس المذهبي الدرزي في هذه المعركة التي تطال هوية الدروز في لبنان وسوريا والداخل الفلسطيني والاغتراب أيضاً.
خطر من خارج الحدود
يقرأ جنبلاط الخطر المقبل من خارج الحدود، من بعض دروز فلسطين المحتلة الذين باتوا جزءاً من إسرائيل، وبعض دروز السويداء الذين يحاولون تشييد كيانهم الخاص (جبل الباشان) دون أن ينجحوا بسبب غياب كل المقومات. يصفهم بـ"الانعزال الدرزي"، ويسكنه قلق مستتر من انجرار بعض دروز لبنان خلف نزعات انفصالية شعبوية بظاهرها وانتحارية انعزالية بباطنها.
جنبلاط ليس وحده في هذه المواجهة. معه دروز من داخل فلسطين المحتلة والسويداء، رغم وجود الشيخين طريف والهجري. يرى أن اعتبار كل دروز فلسطين إسرائيليين "خطأ استراتيجي كبير"، ويشير إلى تيار عربي موجود، كما يتحدّث عن مقامات عربية كبيرة موجودة في جبل العرب سترفض الواقع التي أجبرت عليه.
المواجهة الثقافية لا تقوم على التاريخ فقط، بل على وقائع حالية أيضاً. يعرف جنبلاط أن العمق الطبيعي للدروز هو المجتمع العربي لا الإسرائيلي، انطلاقاً من أنّ لا قدرة للدروز على تشكيل كياناتهم الخاصة والعيش فيها بشكل طبيعي، ولا دعم سياسياً إقليمياً ودولياً لهذه المشاريع، إضافة إلى رغبة إسرائيل في تشييد مناطق عازلة وآمنة وتوظيف الأقليات في معارك الدفاع حدودها.
إنعاش للذاكرة
ويرد جنبلاط على حملات التخوين على طريقته. يذكّر بأن الحزب التقدمي الاشتراكي وجناحه العسكري آنذاك جيش التحرير الشعبي حرّرا الشحّار ومقام السيد عبدالله التنوخي، من دون أن ينسى قوى وطنية أخرى وضباطاً شاركوه العملية. وبترابط الخيوط، يؤكّد جنبلاط دوره ودور الحزب في الحفاظ على الدروز وأرضهم وهويتهم ومقدساتهم خلال مراحل الحرب.
لكنه في الآن عينه لا ينسى المصالحة، ويؤكّد: إحياء ذكرى تحرير الشحّار ليس موجهاً لأي طرف داخلي. في هذا السياق، من الجدير العودة للتاريخ كون الكتائب والقوات سيطرتا على منطقة الشحّار بعد حرب الجبل 1983، وحرّرها الحزب التقدمي الاشتراكي عام 1984. يحرص جنبلاط على التشديد على أن صفحة الحرب طويت والخصوم باتوا حلفاء الانتخابات، والمعركة ثقافية.
في المحصلة، فإن جنبلاط يعطي المواجهة الثقافية والسياسية مع إسرائيل وبعض الدروز المتحالفين معها زخماً كبيراً وبعداً شعبياً. المعركة بدأت ولا ملامح بأنها ستنتهي قريباً، وقد تكون الأصعب على جنبلاط والمختارة، وستكون محطاتها كثيرة، منها الانتخابات النيابية المقبلة واحتمال دعم إسرائيل لمرشحين معارضين لجنبلاط، وفصول كثيرة أخرى مقبلة.
جاد فياض -المدن