حشود عسكرية تزامناً مع مفاوضات النووي ...من يضغط على زر الحرب أولا؟
الحقيقة وراء الضباع في لبنان: أسطورة مخيفة أم تهديد حقيقي؟
عندما انتشرت صور لضباع في مناطق شمالية من لبنان، لم تكن مجرد لقطات عابرة، بل تحوّلت سريعاً إلى شرارة هلع جماعي، وإلى ناقوس خطر حقيقي يهدد بقاء هذه الكائنات التي ارتبط اسمها طويلاً بأساطير وخرافات لا تمتّ إلى الواقع بصلة.
وكأن الصورة جاءت كـ"الدليل المنتظر" لتبرير سلوكيات عدائية، دفعت بعض المواطنين إلى التعدي على الضباع وقتلها، بذريعة حماية المنازل من "غدر" هذا المخلوق. لكن الوقائع الميدانية تكشف عكس ذلك تماماً؛ فالضباع لم تكن بطبيعتها تقترب من المناطق السكنية، لكن التمدّد العمراني العشوائي، وتراجع المساحات الخضراء، وتقلّص الغابات، فرض عليها الاقتراب قسراً أو كبديل اضطراري عن موطنها الطبيعي الذي يتآكل يوماً بعد يوم.
يُعدّ عالم الحفاظ على الحياة البرية عملية دقيقة تقوم على تحقيق توازن حساس، ويُشكّل فهم أعداد الكائنات الحية ركيزة أساسية لوضع استراتيجيات حماية فعّالة. وعندما يتعلّق الأمر بالضباع، التي تصنّف حيوانات لاحمة، والتي كثيراً ما أسيء فهمها في البيئات الأفريقية والآسيوية، فإن تحديد أعدادها بدقة يظلّ مهمة معقّدة، وإن كانت بالغة الأهمية.
وبالاستناد إلى التقديرات الحالية، يُقدَّر العدد الإجمالي للضباع حول العالم بما يتراوح بين 32 ألفاً و55 ألف ضبع، وهو رقم يضمّ أنواعاً مختلفة من الضباع تتباين في أحجام تجمعاتها ووضعها من حيث الحماية والحفاظ.
يوم شوهد ضبع في عيون الغزلان
يستعيد خالد طالب، الخبير في إدارة الغابات، واقعة صورة الضبع التي التُقطت قبل سبع سنوات في منطقة عيون الغزلان، بعدسة يارا المرعبي، العضو في جمعية "درب عكار". ويوضح بأن هذه المنطقة تُعدّ في الأصل موطناً طبيعياً للضباع قبل زحف التوسع العمراني، لافتاً إلى أن ظهور الحيوان بشكل مكشوف آنذاك جاء عقب اندلاع حريق في الموقع الذي كان يختبئ فيه، ما يعيد التأكيد على حقيقة أساسية مفادها أن الإنسان هو من يعتدي على موائل هذه الكائنات، لا العكس.
ويربط طالب الصيد العشوائي للضباع بشكل مباشر بجملة من المعتقدات الشعبية والموروثات الخاطئة، وبعضها يتحدث عن استخدام جلد الضبع في بعض الممارسات غير القانونية، أو ارتباطه بممارسات تتعلق بالجنّ والسحر. ويؤكد أن هذه الروايات المتداولة، "للأسف، لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة ولا تستند إلى أي أساس علمي".
وبرغم حملات التوعية التي أُطلقت خلال السنوات الماضية للتشديد على أهمية الضباع في الحفاظ على التوازن البيئي، ودورها الحيوي في تنظيف الطبيعة من الجيف والحدّ من انتشار الأمراض والأوبئة، لا تزال هذه الكائنات تدفع ثمن الخرافة وسوء الفهم، في معركة غير متكافئة مع الإنسان.
وانطلاقاً من أهميتها في الحياة البرية والبيئية، يشرح طالب اختلاف أنواع الضباع، متوسعاً في نوع الضباع المخططة بالقول "تُصنّف الضباع كحيوانات نِظافة طبيعية، إذ تقتات على الجيف في معظم أوقاتها، لكنها قد تصطاد أيضاً الثدييات الصغيرة. وتشتهر السلالات الأكبر حجماً، مثل الضبع المرقع الأفريقي، بقدرتها على اصطياد طرائد بأحجام كبيرة، وهي غير موجودة في لبنان. وبالتالي، فإن الضبع المخطط ليس وحشًا وفق ما يصوَّر غالباً، بل يشكّل ركيزة أساسية في دورة الحياة والسلسلة الغذائية التي يتصدرها".
ويؤكد أن الضباع "لا تطارد القطعان ولا البشر كما يشاع، بل تسعى فقط إلى العثور على غذاء ومكان آمن للعيش"، ومع ذلك أصبح عددها قليلاً مقارنةً بالسنين الماضية، ويكون ظهورها أثناء العواصف الشديدة بحثاً عن طعام.
وبرغم أن الضبع مدرج رسمياً على لائحة الحيوانات المهدّدة بالانقراض، فإن أعمال الجمعية العمومية لاتفاقية سايتس في تشرين الثاني 2025، رفعت تصنيف الضبع المخطط من Appendix 3 إلى appendix 2.
لا أرقام حول الأعداد الفعلية للضباع
في لبنان، يتمتع الضبع المخطط بحماية كاملة بموجب القوانين المرعية الإجراء، على ما يفيد الدكتور إلياس إبراهيم، مدير الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة اللبنانية، مشيراً إلى أنه أُدرج أيضاً، بجهود محلية ودولية، وبمبادرة رسمية في نهاية عام 2025، ضمن ملاحق اتفاقية CITES الدولية، ما يمنحه غطاءً قانونياً دولياً يحظر الإتجار به أو صيده.
ومن المهم الإشارة إلى أهمية التمييز بين الضبع المخطط الموجود في لبنان، والضباع الأفريقية، ولا سيما في ظل انتشار صور على مواقع التواصل الاجتماعي لأنواع لا تعيش في لبنان، بل تنتشر حصراً في القارة الأفريقية.
ويوضح إبراهيم بأنّ "وجود الضبع المخطط في لبنان ليس أمرًا مستجداً، إنما الجديد هو توثيق حضوره وارتفاع منسوب وعي الناس حيال كيفية التعامل معه وعدم اصطياده كما كان يحدث سابقاً". ويلفت إلى أنّ توثيق أو تصوير الضباع لا يعني بالضرورة ازدياد أعدادها، إذ غالباً ما يكون الحيوان نفسه متنقّلًا بين أكثر من منطقة، ما يبرز أهمية تتبّع تحركاته لفهم أعداده الحقيقية في لبنان ومراقبة معدلات تكاثره.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة، يؤكد إبراهيم أنه لا تتوافر حتى الآن أرقام دقيقة حول أعداد الضباع في لبنان، لأن رصدها يتطلّب مشروعاً متخصصاً ومكلفاً لمتابعة تحركات هذا الكائن والتأكد من عدم احتساب تكرار ظهوره في مناطق مختلفة. ويقول: "نعمل بالتعاون مع وزارة البيئة على إعداد دراسة شاملة حول الحياة البرية في لبنان، تشمل الضباع وسواها من الأنواع".
كذلك، تعمل مديرية التنمية الريفية في وزارة الزراعة على حماية الضباع وسائر الحيوانات البرية، سواء عبر تطبيق القوانين المحلية أو من خلال إدراجها على لوائح واتفاقيات دولية تضمن حمايتها من الإتجار غير المشروع والقتل العشوائي. واستناداً إلى قانون الصيد البريّ وتشريعات وزارة البيئة التي تكفل حماية الحيوانات البرية المستوطنة في لبنان، وبموازاة الجهود التي يبذلها خبراء وناشطون بيئيون، يُسجَّل تحوّل ملموس في طريقة التعاطي مع هذه الكائنات، انعكس ارتفاعاً في أعداد بعضها، نتيجة حملات التوعية التي سلطت الضوء على دورها البيئي.
وفي ما يتعلق بانتشار الضباع، لا توجد مناطق محددة أو ثابتة لوجودها، على ما يفيد إبراهيم، إذ غالباً ما تنتشر في المناطق الجبلية، مع تسجيل ظهورها أحياناً في المناطق الساحلية خلال فصل الشتاء، نتيجة تنقّلها بحثًا عن الغذاء.
العامل المستجد ليس الضبع، بل الكاميرا
للغوص أعمق في عالم الضباع، كان لا بدّ من العودة إلى الدكتور منير أبي سعيد، الباحث والمرجع البارز في دراسة الحياة البرية في جبال لبنان، والذي كرّس مسيرته العلمية الطويلة لتتبّع أنماط عيش الحيوانات البرية في بيئاتها الطبيعية، محاولاً تفكيك الصورة النمطية الظالمة التي لاحقت الضبع لعقود.
لم يكن اختيار أبي سعيد محض صدفة، فهو أول باحث في لبنان ينجز أطروحة دكتوراه متخصصة حول الضباع في البلاد. وانطلاقاً من خبرته الميدانية والعلمية، يوضح في حديثه لـ"النهار" بأن ظهور الضباع في بعض المناطق اللبنانية ليس ظاهرة طارئة، بل يعود إلى سنوات طويلة. لكن الذي تغيّر اليوم هو ارتفاع وتيرة توثيق هذه المشاهدات بفعل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي.
ويشير أبي سعيد إلى أن الضباع تزداد اقتراباً من المنازل خلال فصل الشتاء، مدفوعة بالبحث عن الغذاء، لا بدافع الهجوم أو الإيذاء كما يُشاع. ويؤكد أن وجودها "طبيعي تماماً"، وأن سلوكياتها لا تحمل ما يدعو إلى القلق؛ لذلك يعتبر العامل المستجد ليس الضبع، بل الكاميرا، في إشارة إلى الهواتف التي باتت ترصد ما كان يصعب توثيقه في الماضي.
تُعدّ منطقة الشرق الأوسط وآسيا موطناً تاريخياً للضباع، ويُصنَّف لبنان من بين الدول التي شهدت حضوراً كثيفاً لها عبر الزمن، ما يجعله جزءًا أصيلاً من نطاقها الطبيعي. ويقول الدكتور المتخصّص في الحياة البرية إن الضباع تنقسم علمياً إلى أربعة أنواع رئيسية: الضبع المرقط، الضبع البني، الضبع المخطّط، وضبع الأرْدَع، مشيراً إلى أن النوع الوحيد المنتشر في لبنان ومعظم دول العالم العربي هو الضبع المخطّط.
ووفق دراسات ميدانية أجراها الدكتور أبي سعيد، يتركّز وجود الضبع المخطّط في المناطق الغنية بغابات السنديان، إلا أن نطاق انتشاره لا يقتصر على الجبال، إذ جرى رصده أيضاً في مناطق ساحلية مثل جونية وساحل علما، ما يعكس قدرته على التكيّف مع تنوّع البيئات الطبيعية.
وتختلف أحجام الضباع باختلاف أنواعها، إذ يُعدّ الضبع المرقط الأكبر حجماً، يليه الضبع البني، ثم المخطّط، وأخيراً ضبع الأرْدَع. وعلى خلاف الضبع البني المنتشر في أفريقيا، والذي يعيش غالباً ضمن مجموعات ويعتمد أساساً على التهام الجيف ونادراً ما يصطاد، يُظهر الضبع المخطّط نمطًا سلوكياً أكثر فردية.
بين الصورة الشائعة والحقيقة البيولوجية
رغم التمدّد العمراني المتسارع وتقلّص المساحات الطبيعية، تحاول الضباع التكيّف مع هذه التحوّلات، بشرط ألّا تتعرّض للتعدّي أو القتل، في معركة بقاء مفتوحة بين الحياة البرية والزحف البشري.
ويتابع أبي سعيد شارحاً سلوك الضبع، كاشفاً الفجوة الكبيرة بين صورته الشائعة وحقيقته البيولوجية. يقول إن "هذا الكائن جبان بطبعه على عكس ما ترسّخ في الخيال الشعبي، إذ يفرّ فور رؤيته الإنسان، كما أنه لا يتمتّع بالسرعة الكافية التي تؤهله للمطاردة أو الهجوم. وعندما يشعر بالخطر، سواء من إنسان أو حيوان، يلجأ إلى نفش الشعر على ظهره ليبدو أكبر حجماً، في محاولة دفاعية تهدف إلى التخويف لا الاعتداء".
ويؤكد أبي سعيد أن الضبع لا يهاجم البشر، لكنه، كسائر الكائنات البرية، قد يدافع عن نفسه إذا شعر بتهديد مباشر. كما يلفت إلى أن اقتراب الضباع من المناطق السكنية يرتبط بسلوكيات بشرية خاطئة، أبرزها رمي بقايا الطعام قرب المنازل، ما يجذبها بحثًا عن الغذاء، ولا سيما في حالات الجوع أو شح الموارد الطبيعية.
أما في ما يتعلق بتراجع أعداد الضباع ومصيرها المقلق، فيشير أبي سعيد إلى أن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) صنّف الضبع ضمن الكائنات المهددة بالانقراض على المستوى العالمي، واضعاً إياه في المرتبة الخامسة من حيث الأهمية البيئية. ويؤكد أن هذا التصنيف يسلّط الضوء على ضرورة حماية الضبع، بعد تشديد القيود المرتبطة بوضعه الجديد.
اليوم، تبدو الحاجة ماسّة إلى رفع منسوب الوعي البيئي، ووقف التعديات المستمرة على الطبيعة وكائناتها، بالتوازي مع تطبيق صارم للقوانين المرعية الإجراء. فحماية الحياة البرية لا تكتمل من دون ترسيخ ثقافة بيئية تُعيد الاعتبار لدور كل كائن حي في المنظومة الإيكولوجية المتوازنة، بعيداً عن الخرافات والمخاوف غير المبرّرة.
ليلى جرجس -النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|