بالفيديو -انتشال جثمان السيدة الأخيرة العالقة تحت أنقاض المبنى المنهار في طرابلس
هكذا يتغذى "حزب الله" صحيًّا على حساب الدولة
عاد إدراج الكويت 8 مستشفيات لبنانية ضمن قائمة الإرهاب الوطنية، تسليط الضوء على "القوة الصحية" لـ "حزب الله"، والتي تُعدّ ركيزة موازية في الأهمية لأجنحته السياسية والعسكرية. منذ بداياته، تعمّد "الحزب" تشييد بنية مؤسساتية مستقلة عن الدولة اللبنانية؛ فبعد إرساء قواعد جهازه الأمني والعسكري، توسّع نحو القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. إلا أن القطاع الصحي حظي بمكانة استثنائية، حيث نجح في تحويله إلى أداة تغلغل داخل مفاصل الدولة التي رذلها وحاربها، ما سمح له بالاستفادة من مواردها العامة لتمويل وتوسيع منظومته الخاصة.
تكشف دراسة معمقة لـ "أمم للتوثيق والأبحاث" عن حجم العمل التنظيمي الهائل الذي راكمه حزب ولاية الفقيه على مدى عقود؛ وهي قضية كان الباحث السياسي عباس هدلا قد سبر أغوارها، مسلطًا الضوء على جوانبها التي ظلت لسنوات بعيدة عن الرأي العام. ويأتي الإجراء الكويتي الأخير ليكشف كيف تحولت البنية الخدمية إلى ركن أساسي في استراتيجية إنشاء دويلة "المقاومة الإسلامية في لبنان".
إذًا، ما هي أبرز مؤسسات "حزب الله" الصحية والاجتماعية؟ وما طبيعة علاقتها بالدولة اللبنانية؟
"مؤسسة الشهيد"
أُطلقت عام 1982 تحت اسم "مؤسسة شهيد الثورة الإسلامية – فرع لبنان"، وقد تأسست بتوجيهات مباشرة من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، الإمام الخميني. وفي عام 1988، حصلت "مؤسسة الشهيد الاجتماعية الخيرية" على ترخيص رسمي (علم وخبر رقم 37/أد) من وزير الداخلية آنذاك، عبد الله الراسي. وفي 17 آب 1994، مُنحت صفة "المنفعة العامة"، ما أتاح لها تلقي المساعدات من وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية، والدولة اللبنانية، ومؤسسات الأمم المتحدة.
"لجنة إمداد الإمام الخميني"
بدأت لجنة "الإمداد الخيرية الإسلامية" عملياتها في لبنان عام 1988 تحت اسم "مؤسسة إمداد الإمام الخميني"، كفرع للمنظمة الأم في إيران. وقد تأسست لـ "تقديم الدعم والرعاية للمحرومين" والمساهمة في المقاومة ضد الحرب التي يشنها "الاستكبار العالمي والنظام الماروني - الصهيوني"، وفق ما أوردته جريدة "العهد" التابعة لـ "حزب الله" في عددها الصادر بتاريخ 15 كانون الثاني 1988.
كما حصلت "لجنة الإمداد الخيرية الإسلامية" في 29 آذار 1988 على ترخيص رسمي (علم وخبر رقم 85/أد) من وزارة الداخلية آنذاك. وفي وقت لاحق، وتحديدًا في 20 تشرين الأول 1994، مُنحت صفة "المنفعة العامة" بموجب المرسوم رقم 5829 الصادر عن وزير الشؤون الاجتماعية شاهي برصوميان.
"الهيئة الصحية الإسلامية"
تُعد هذه المؤسسة الأهم في القطاع الصحي التابع لـ "حزب الله" (تجدر الإشارة إلى أن وزير الصحة الحالي راكان ناصر الدين كان عضوًا فاعلًا فيها). حصلت الهيئة على ترخيص من الدولة اللبنانية كجمعية رسمية عام 1984، واعتُرف بها كمزود لخدمات الإسعاف والدفاع المدني، كما مُنحت صفة "المنفعة العامة".
تعتبر الهيئة شريكًا أساسيًا لوزارة الصحة العامة، لا سيما في مجال المستوصفات الصحية؛ حيث تدير حوالى 70 مركزًا تنتشر في كافة المناطق ذات الغالبية الشيعية في لبنان، وتستحوذ على حصة كبيرة من الأدوية والمعدات الطبية التي تسلمها المنظمات الدولية لوزارة الصحة.
تتكون "الهيئة" من ثلاثة فروع: المراكز الصحية، الدفاع المدني، ومؤسسة المستشفيات. وتدير الأخيرة 7 مستشفيات وهي:
مستشفى "الشهيد صلاح غندور" في بنت جبيل.
مستشفى "البتول" في الهرمل.
مستشفى "الشيخ راغب حرب" في النبطية.
مستشفى "دار الحكمة – الإمام المجتبى" في بعلبك.
مستشفى "جويا للرعاية" في بلدة جويا.
مستشفى "الشفاء التخصصي" في خلدة.
"الرسول الأعظم"
تأسس المستشفى في 4 تشرين الثاني 1988، تزامنًا مع ذكرى المولد النبوي الشريف وأسبوع "الوحدة الإسلامية". وقد جهّز "حزب الله" المستشفى بأحدث المعدات الطبية والتقنيات الصحية المتطورة لتوفير العلاج لحالاته الحرجة، بما في ذلك الجرحى من المقاتلين والمسؤولين.
وبالتوازي مع تركيزه على رعاية جرحى "الحزب" ومقاتليه، يقدم المستشفى أيضًا خدمات الرعاية الصحية لآلاف العائلات من ذوي الضحايا والجرحى.
في أيار 2025، افتتح وزير الصحة راكان ناصر الدين أقسامًا جديدة ومنشآت موسعة، شملت وحدات العناية المركزة، ووحدات حديثي الولادة، وصيدلية، وأربع غرف عمليات.
"السان جورج": صيد ثمين
مع تصاعد الضغوط على مستشفى "الرسول الأعظم" نتيجة تدخل "حزب الله" في سوريا وارتفاع أعداد جرحاه، اتجهت إدارة المستشفى في القطاع الصحي لـ "الحزب" للبحث عن مركز استشفائي رديف في محيط الضاحية الجنوبية، وفق "أمم". وقد وقع الاختيار على مستشفى "السان جورج" في الحدث، الذي شكّل فرصة سانحة للاستحواذ؛ إذ استغل "الحزب" تعثر الصرح ماليًا وإداريًا وتحوله إلى ما يشبه المستوصف المتهالك. وأضافت "أمم" في دراستها المنشورة، أن الاستحواذ أو الاتفاق مع إدارة المستشفى، مرّ بمنعطفات حادة مع دخول أطراف جديدة على خط الأزمة آنذاك. فقد حاول مستشفى "أوتيل ديو" قطع الطريق على الصفقة عبر عرض استرداد المبالغ المدفوعة من "الرسول الأعظم"، إلا أن هذا العرض قوبل برفض قاطع من طرفيّ النزاع. وفي موازاة ذلك، حاولت بلدية الحدث استغلال "تفاهم مار مخايل" كأداة ضغط لتعطيل الاتفاق، في محاولة لثني "الحزب" عن التمدد داخل المنطقة تحت غطاء التحالف السياسي، لكن هذه المحاولات سقطت أمام الأمر الواقع المالي والسياسي.
|
ماذا تعني صفة "المنفعة العامة"؟ بموجب القانون اللبناني، تعني أن الجمعية أو المؤسسة، معترف بها رسميًا كشريك في تلبية إحدى الاحتياجات الأساسية للمجتمع، مثل الرعاية الصحية، أو التعليم، أو الرعاية الاجتماعية. وبموجب هذا الاعتراف، تصبح المنظمة مؤهلة للحصول على دعم مالي أو لوجستي من الدولة، وتخضع لإشراف الوزارات المعنية، مثل وزارتي الصحة العامة والشؤون الاجتماعية. وهذا يمنحها نوعًا من المشروعية القانونية والاندماج مع مؤسسات الدولة، والاستفادة من المشاريع والبرامج الصحية التي تقدمها المنظمات الدولية كـ "اليونيسف" وغيرها. |
نافذة على كيفية استفادة "حزب الله" من وزارة الصحة
عقب انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، أصدرت الحكومة اللبنانية آنذاك، برئاسة حسان دياب، ومع وزير الصحة حينها حمد حسن (المحسوب على "حزب الله")، مرسومًا يحدد السقوف المالية للمستشفيات.
إلا أن الفضيحة، كشفت، أن الحصة الأكبر من الأموال، ذهبت إلى المستشفيات والمراكز الصحية التابعة لـ "الحزب".
وعلى وجه الخصوص، حصل مستشفى الرسول الأعظم، الذي لم يلحق به أي ضرر جراء الانفجار، على 14.7 مليار ليرة لبنانية، أي بزيادة قدرها 5.5 مليارات ليرة مقارنة بالسنوات السابقة.
في المقابل، فإن مستشفيات بيروت التي تعرضت لأضرار جسيمة جراء الانفجار، مثل مستشفى الجامعة الأميركية، ومستشفى القديس جاورجيوس (الروم)، وأوتيل ديو، لم تتلقَ أي زيادة في سقوفها المالية، وظلت عند حوالى 16.4 مليار ليرة لبنانية، رغم أنها عالجت غالبية الجرحى والمصابين.
ولم تتوقف الفضيحة المتعلقة بتوزيع السقوف المالية عند مستشفى الرسول الأعظم، المصنف كمرفق من الفئة الأولى، بل امتدت لتشمل شبكة أوسع من المستشفيات والعيادات والمستوصفات التابعة لـ "حزب الله" والتي تديرها الهيئة الصحية الإسلامية. فقد حصلت هذه المرافق على زيادة إجمالية قدرها 14 مليار ليرة لبنانية مقارنة بمرسوم عام 2016. على سبيل المثال، رُفعت السقوف المالية لمستوصفات مثل: دار الزهراء، ودار الكاظم، والإمداد، ومركز السيدة زينب الطبي، بمجموع زاد بـ 3 مليارات ليرة عما كانت عليه في 2016. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المراكز تقع حصريًا في مناطق تعتبر جزءًا من البيئة الحاضنة لـ"حزب الله".
كيف تتلقى هذه المؤسسات الدعم المالي من الدولة؟
عام 2016، قام مصرف لبنان المركزي بإغلاق الحسابات المصرفية لكل من "مؤسسة الشهيد"، و "مستشفى الرسول الأعظم"، و "جمعية الإمداد الخيرية الإسلامية"، التزامًا بقانون العقوبات الأميركي.
غير أن هذا الإجراء لم يمنع تلك المؤسسات من الحصول على "أموال شرعية" وذلك عبر صناديق الوزارات المعنية (الصحة أو الشؤون الاجتماعية)، تمامًا كما هي حال نواب "حزب الله" الذين لا يملكون حسابات مصرفية في البنوك التجارية أو المصرف المركزي؛ حيث يتقاضون رواتبهم البرلمانية أو مخصصاتهم نقدًا من خلال صندوق مجلس النواب.
في الخلاصة، يستغل "حزب الله" موارد وزارة الصحة العامة ومؤسسات الدولة الأخرى لخدمة شبكة منظماته الخاصة. وتحظى هذه الوزارة برابع أكبر موازنة في لبنان (حوالى 480 مليون دولار لعام 2025، ارتفاعًا من 445 مليون دولار في عام 2024). وبعد سقوط نظام بشار الأسد، تعرض "الحزب" لخسارة استراتيجية، حيث كان يستفيد بشكل كبير من عمليات التهريب غير المشروع عبر الحدود، بما في ذلك تهريب الأدوية الإيرانية إلى لبنان.
كما حقق أرباحًا مشروعة من خلال الرحلات الدينية اليومية التي نظمها إلى سوريا والعراق، حيث كان الحجاج الموالون له يحضرون الأدوية في أمتعتهم. ومع تضاؤل طرق التهريب هذه بشكل حاد، تزايد اعتماد "حزب الله" على وزارة الصحة والتمسك بحقيبتها خلال الحكومات الأخيرة. في المقابل، يفتح القرار الكويتي الباب أمام مزيد من العقوبات التي قد تفرضها أيضًا دول أوروبية وعربية داعمة للبنان.
طوني عطية - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|