بالفيديو -انتشال جثمان السيدة الأخيرة العالقة تحت أنقاض المبنى المنهار في طرابلس
مَن نهب ميزانية ترميم طرابلس؟
لطالما عُرفت طرابلس بلقب "أم الفقير". تلك المدينة التي تفتح ذراعيها لمن ضاقت بهم السبل، حيث الخبز والأسواق والبيوت تتسع للجميع بأسعار لا تكسر الظهور. لكن هذا الحضن الدافئ يخفي وبفعل إهمال سياسي ممنهج، تاريخا من اهمال طبقة سياسية امتهنت الشعبوية على حساب بناء مدينة تليق بأهلها. اليوم، لم يعد الفقر في طرابلس مجرد عجز عن شراء "الخبز والماء"، بل أصبح يعني الإقامة الجبرية في "قبور" تُسمى "أبنية متصدعة" تنتظر لحظة السقوط. "أم الفقير" باتت تشاهد أبناءها يُدفنون أحياءً تحت ركام بيوتهم، لا لشيء إلا لأنهم لم يجدوا مكاناً آخر يحميهم.
تتجاوز أزمة المباني المتصدعة في طرابلس كونها "حادثاً عرضياً" لتصبح كارثة وطنية. التقارير الميدانية والإحصاءات، بما فيها تلك الصادرة عن بلدية طرابلس ومنظمة العفو الدولية، ترسم مشهداً سوداوياً: ما بين 800 إلى 1000 مبنى مهدد بالانهيار الكلي أو الجزئي.
في مناطق القبة وضهر المغر، حيث سقطت الأرواح تحت ركام "مبنى الرضوان" وغيره، يبرز عمق الازمة. فهناك أكثر من 100 مبنى صدرت بحقها إنذارات إخلاء فورية دون توفير البديل. أما في الميناء، حيث الحارات القديمة التي تختزن ذاكرة المدينة، فإن الرطوبة وغياب الصيانة الدورية حوّلت الجدران الأثرية إلى هياكل هشة قد تنهار مع أي هزة ارتدادية أو عاصفة شتوية قوية، وهو ما ينسحب أيضاً على أحياء باب التبانة وباب الرمل وجبل محسن. إن ما يحدث في طرابلس هو نتيجة مباشرة لسياسات التعاقب السياسي التي مرّت على المدينة. لقد تعاقب على تمثيل طرابلس نواب ووزراء ورؤساء حكومات هم الأغنى في البلاد، ومع ذلك، بقيت المدينة الأعلى في معدلات الفقر "58% بحسب بيانات الأمم المتحدة". تقع المسؤولية مباشرة على عاتق النخبة السياسية الطرابلسية التي أدمنت استغلال المدينة كخزان انتخابي، وتركت ملفات السكن والبنى التحتية عرضة للتهالك، دون الضغط لتأمين اعتمادات جدية للترميم. أيضا الحكومات المتعاقبة التي مارست "اللامبالاة" تجاه تحذيرات الخبراء، واكتفت بوعود مالية رمزية. تنضم بلدية طرابلس ومجلس الإنماء والإعمار الى قافلة المتورطين. دارت البلدية كما المجلس في دوامة البيروقراطية، وتركا "الملاجئ المشبعة بالمياه" تنخر في أساسات المباني دون علاج جذري.
تبرز إشكالية المباني في طرابلس على المستويين القانوني والاقتصادي. فقوانين الإيجارات القديمة خلقت حالة من العجز لدى المالك عن الترميم، وفقراً مدقعاً لدى المستأجر يمنعه من الرحيل. ومع غياب خطة وطنية للسكن البديل، يجد المواطن الطرابلسي نفسه أمام خيارين: البقاء تحت سقف مهدد بالسقوط، أو التشرد في الشوارع. ما كشفه زلزال شباط 2023 لم يكن مجرد تشققات في الحجر، بل كان تعرية كاملة لهيكل الدولة اللبنانية الذي استقال من مهامه. فبينما يُطالب رئيس البلدية بـ10 ملايين دولار للتدعيم، تبقى هذه المبالغ رهينة التجاذبات، في حين تُصرف المليارات على مشاريع المحسوبيات.
إن إنقاذ طرابلس يتطلب تجاوز لغة "لجان الكشف". المطلوب اليوم هو إعلان طرابلس مدينة منكوبة سكنياً، واستنفار الهيئة العليا للإغاثة لتأمين مساكن جاهزة فورية، وإطلاق صندوق وطني للترميم بعيداً عن كيديات السياسة. فليس من المقبول أن تظل "أم الفقير" عاجزة عن حماية أرواح أبنائها بينما يتفرج المسؤولون على الجنازات من خلف زجاج قصورهم.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|