إقتصاد

موازنة "اللحظات الأخيرة" مُتخمة بالثغرات

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كالتلميذ الذي يحاول كتابة ما تيسّر في ورقة الامتحان قبل انتهاء الوقت... هكذا بدت مشهدية إقرار موازنة العام 2026، في البرلمان أول من أمس، بما أدّى الى وضع صدقيّتها تحت ضغط كبير، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب الطريقة التي جرى اعتمادها لتمريرها.

الموازنة التي كان يُفترض أن تكون الأولى لحكومة "الإصلاح والإنقاذ"، أظهرت أنها استمرارية لنهج مالي سابق، مع بعض إضافات متأخرة وارتجالية حمّلت الهيئة العامة عبء حسمها والبت بها من دون دراستها بل من دون الاطلاع عليها... أما تلك الثغرات فكانت كالتالي:

- أولى الثغرات تمثلت في آلية تمرير التعديلات. فبدل أن تحسم لجنة المال والموازنة، المواد الإضافية التي طلبها وزير المالية، أحالتها إلى الهيئة العامة. وهذا يعني عمليًا طرح عشرات المواد للتصويت داخل الجلسة من دون أن يكون النواب قد اطّلعوا عليها مسبقًا أو ناقشوا انعكاساتها. خصوصًا أن كثيرًا من النواب لم يشاركوا في اجتماعات اللجنة.

- ثغرة ثانية ظهرت مع محاولة إدخال التعديلات باللحظة الأخيرة، بما أوحى بنقل النقاش من مرحلة الدرس داخل اللجان إلى مرحلة المفاجأة داخل الهيئة العامة. ويأخذ هذا البُعد شكلًا أكثر خطورة مع ما ورد من اقتراحات مسرّبة يُفترض أن يعاود وزير المالية طرحها، أبرزها اقتراح يرسّخ نظامًا ضريبيًا جديدًا للمستثمرين اللبنانيين غير المقيمين وللأجانب، يقوم على إعفاءات واسعة مقابل استثمار يُحدّد وزير المالية قيمته وشروطه، سواء عبر إيداع مصرفي بالدولار أو اليورو أو شراء عقار أو أي شكل آخر يقرره الوزير، مما قد يخلق مسار محاباة أو انتقائية لإعفاءات تحت مسمّى تشجيع الاستثمار.

- برز كذلك اقتراح وزير الأشغال، بإجراء مقاصة بين شركة طيران الشرق الأوسط وشركات الخدمات التابعة لها ومصرف لبنان. إدخال هذه الترتيبات في نص الموازنة، في وقت ضيّق، يُثير أسئلة حول الهدف الفعلي منها، وحول ما إذا كانت الموازنة تُستخدم كوعاء لتسويات مالية محددة.

- وزارات عديدة عادت خلال اجتماعات لجنة المال لتطلب زيادة اعتماداتها، وكأن هذه النقاشات لم تحصل أصلًا داخل مجلس الوزراء... وكأن الموازنة عملية "تجميع مطالب"، لا خطة مالية مرتبطة برؤية اقتصادية – اجتماعية واضحة للحكومة.

- جوهر النقد لا يقف عند الآلية، بل يمتد إلى مضمون النص الذي بدا متناقضًا مع حاجات الدولة. وبدلًا من البحث عن وسائل لزيادة الإيرادات بشكل عادل لا يضغط على المواطنين، يظهر اتجاه واضح نحو التخلي عن إيرادات مهمة عبر إعفاءات وتخفيضات غير مبررة، مقابل فرض ضرائب في المقلب الآخر. مثل تعديل الضريبة الاستثنائية على أرباح عمليات منصة "صيرفة"، حيث تم رفع عتبة العمليات الخاضعة للضريبة من 15 ألف دولار إلى 100 ألف دولار. هذا التعديل لا يعني فقط تقليص قاعدة المكلفين، بل يتضمن اعترافًا ضمنيًا بأن الدولة لم تطبق أصلاً ما أقرته في موازنة 2024 من تحصيل، ثم عادت لتخفف القاعدة من دون أسباب موجبة.

- امتد منطق "التنازل عن الإيرادات" إلى الإعفاءات الجمركية للسيارات الكهربائية (100 %) والهجينة (80 %) وإعفاء رسوم التسجيل للمرة الأولى، وهو ما يصفه النص كاستعادة لنهج سابق انتُقد لأنه يحرم الخزينة من إيرادات دون ضمان تحقيق هدف بيئي فعلي. ناهيك عن تمديد مهلة تشييد الأبنية للأجانب المتملكين لعقارات في لبنان خمس سنوات إضافية.

- لفت قانون الموازنة كذلك إلى إهمال تحصيل إيرادات فائقة الأهمية، مثل مستحقات قطاع المقالع والكسارات ورسومه وكلفة تدهور البيئة وإعادة التأهيل، وهي مستحقات قُدّرت بأكثر من 2 مليار دولار. كما أتى القانون على ذكر إمكانية تحصيل مداخيل إضافية عبر تطبيق قانون تبادل المعلومات الضريبية، وإلغاء إعفاء الوحدات الشاغرة من ضريبة الأملاك المبنية، وتطبيق الضريبة التصاعدية بشكل فعلي على المكلفين بدل احتسابها على أساس العقار.

- على مستوى العدالة والمساواة بين المكلفين، يورد القانون سلسلة تعديلات تضرب هذا المبدأ الدستوري: إعفاءات أو تخفيضات لوقائع انتقال حصلت قبل سنوات بعيدة، وتوسيع الشطور بما يخفض الضريبة، واحتساب رسوم عقارية على أساس 1500 ليرة للدولار لمعاملات سجلت قبل 2020، إضافة إلى إعفاء من لم يبلّغ السجل العقاري بالتغييرات من دفع الرسم المضاعفة.

- من أخطر المواد المضافة، تلك المتعلقة باستيفاء الجمارك نسبة 1.5 % من قيمة المستوردات كأمانة على حساب الضريبة المتوجبة على المكلف الذي لم يصرح عن أعماله أو الـ TVA خلال ثلاث سنوات. الإجراء يبدو عقابيًا في ظاهره، لكنه يتحول، إلى مكافأة محتملة للمخالف، بعدما أضيفت فقرة تتيح استرداد الفائض خلال 30 يومًا تحت طائلة ترتيب فائدة لصالح المكلف، خصوصًا في ظل إدارة ضريبية بطيئة وإجراءات معقدة، تصبح احتمالية تجاوز المهلة مرتفعة، ما يعني دفع فوائد لصالح من تخلّف عن واجباته، بما يضرب منطق الردع والمساواة.

- يسلّط القانون الضوء على تعديل خطير في آلية قبول الهبات عبر تعديل المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية. فبدلًا من توحيد المسار بين الهبات النقدية والعينية كما سبق أن فُسّر في موازنة 2019، جرى التفريق بينهما، بحيث تُقبل الهبات العينية مهما بلغت قيمتها بقرار مشترك من وزير المال والوزير المختص، من دون مرسوم ولا عرض على مجلس الوزراء... هذا التعديل يقلّص الرقابة، ويفتح الباب أمام تصنيف هبات كـ "عينية" لإبقائها خارج الرقابة، خصوصًا أن النص يشير إلى أن الجداول الفصلية المطلوبة من وزارة المالية تركز على الهبات النقدية دون العينية، ولا وجود لنص يلزم نشر القرار المشترك.

- غياب "قطع الحساب" يبرز كثغرة بنيوية تضاف إلى ضعف صدقية الموازنة. فعدم إرسال قطع حساب العام السابق، وتجاهل معالجة هذا الخلل، يتركان أرقام الموازنة وتقديراتها مبنية على معطيات غير ثابتة. فإقرار موازنة جديدة دون قطع حساب سابق يقوّض دور المجلس الرقابي ويمنع التحقق من كيفية تنفيذ موازنة سابقة، ما يحوّل الموازنة إلى توقعات غير قابلة للاختبار والمساءلة.

في المحصلة، فإن الصورة التي يرسمها قانون موازنة العام 2026 يضاف إليها "الهرج والمرج" الذي ساد في جلسة الخميس المسائية، عشية إقرارها، كانت نموذجًا لقرارات مالية "مرتجلة": مواد تُضاف في اللحظة الأخيرة، فوق بيانات ناقصة، ممزوجة مع إعفاءات تضعف الإيرادات، وتعديلات تضرب المساواة... وكل ذلك في ظل غياب قطع الحساب.

عماد الشدياق - نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا