خطة خطيرة لنزع سلاح حزب الله
من تراه يدري أين لبنان وأيّ لبنان في رأس دونالد ترامب، وقد لاحظنا كيف تخلى عن الأكراد في سوريا بعدما استخدمهم على مدى سنوات، كقوة احتياط في اعادة صياغة المشهد السوري، وفقاً للنظرة الأميركية وحتى للنظرة الاسرائيلية، لنفاجأ بارتفاع منسوب القلق لدى أركان الائتلاف، حول دور "تل ابيب" داخل الاعصار الأميركي. لكننا نسأل عن خلفيات تلك الهدية الى أنقرة، وهل يعني ذلك الحيلولة دون تشكيل الحلف الثلاثي السعودي ـ التركي ـ الباكستاني، والذي من شأنه أن يحدث تغييرأ جذريا في معادلات القوة، وعلى امتداد الشرق الأوسط ؟
لا شك أن واشنطن كانت وراء انتخاب العماد جوزف عون رئيسأ للجمهورية، وربما وراء أختيار القاضي نواف سلام لرئاسة الحكومة، بعيداً عن خزعبلات أبي عمر السنكري ومشغلّه الشيخ الداهية خلدون عريمط (وقد بدأت لفلفة هذه القضية بفضائحها المثيرة)، كما وراء تشكيل الحكومة. أجل حكومة بوزراء أميركيين. من هم خارج النفوذ الأميركي، اما ضيوف شرف أو وزراء تكنوقراط لا يؤثرون البتة في صياغة الأفق السياسي، أو الأفق الاستراتيجي للدولة.
ولكن ماذا تراها قدمت واشنطن للعهد سوى اطلاق العنان لوزير الخارجية يوسف رجي، والتي تهدد تصريحاته بخروج وزراء الثنائي من الحكومة، وهذا هو المطلوب، وسوى الضغط على النواب للمصادقة على قانون "الفجوة المالية"، الذي بمثابة فضيحة دستورية ومالية، وحتى انسانية، كونها تقوم على خداع المودعين الذين يفترض أن يكونوا ضحايا لصوص الجمهورية الباقين في مواقعهم الى الأبد.
ما دمنا داخل التسونامي الأميركي، لا بد أن نكون "سعداء" بجولات السفير ميشال عيسى (ابن بلدنا) على المرافق الأساسية في الدولة، باعتبار ذلك مؤشرأً على اهتمام الادارة بخروج لبنان من تحت الركام. ولكن أن تتحول سوريا الى مركز استقطاب استراتيجي للولايات المتحدة، بالسياسات المكيافيلية المروعة، يزيد من تعقيدات الوضع اللبناني الى حد السؤال عن أي سوريا في لبنان، بعد أن بات مؤكداً أن واشنطن تريد أن يكون لها دور سياسي أو عسكري في ادارة السلطة فيه، وربما في تغيير هيكلية السلطة أيضاً ؟
أجل، علينا أن نكون كلبنانيين من كل القوى السياسية والطائفية، في منتهى التوجس من المستقبل الذي ينتظرنا، بعدما بات الأميركيون على يقين بضرورة حصول "شيء كبير" في لبنان، يفضي الى احداث تغيير كلي في المشهد. ودون أن يبقى خفياً على أحد، وجود اتجاه لنزع سلاح حزب الله بالقوة ، تحديداً القوة الخارجية، حيث تتقاطع عضوياً المصلحة السورية والمصلحة الاسرائيلية على الأرض اللبنانية، وحتى بتغطية وبتمويل عربي لهذه الخطة، وهذا ما تبلغته مباشرة حتى جهات وزارية لبنانية ...
تعطيل عمل "الميكانزم" من قبل الجانب الأميركي و "الاسرائيلي"، وكذلك العمل لاستبعاد مشاركة فرنسا فيها، ينطويان على دلالات بالغة الحساسية، كون باريس تعارض الخطط المرتقبة للبنان، التي قد تؤدي الى نتائج دراماتيكية، وحتى الى نتائج كارثية، ان بالنسبة الى البنية الدستورية أو بالنسبة الى البنية الطائفية وحتى الديموغرافية.
لا نبالغ اذا قلنا أن الخطة تذهب الى ما هو أبعد من نزع السلاح، ما هو ذلك"الأبع" ؟ تابعوا التصريحات التي تصدر حول الحزب، وكيف تخرج أكثر فأكثر عن "المألوف"، وبايقاع أوركسترالي يطرح الكثير من الأسئلة، ليس فقط حول الدافع وانما أيضاً حول الهدف. من هنا الكلام الأخير للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، الذي اذ حمل غصن الزيتون بيد لمن يقبل بالحل اللبناني، حمل البندقية بيد لمن يراهن على الخارج، الذي لا يقتصر على "اليد الاسرائيلية" الغليظة، لاسيما بعد الكلام عن المقايضة بين مرتفعات الجولان ومناطق معينة في لبنان .
أليس دونالد ترامب رجل الصفقات العجيبة ؟ والذي لا بد أن يستذكر وصف هنري كيسنجر للبنان بـ "الفائض الجغرافي"، الذي يمكن استعماله في حل أزمات المنطقة، ليلحق به وصف آرييل شارون له بـ "الخطأ التاريخي".
كثيراً ما راهنا على الدور الفرنسي، ولكن يبدو أن ايمانويل ماكرون بدأ يزعج دونالد ترامب، بنزعته النرجسية وحتى بنزعته الأمبراطورية. من هنا استبعاد فرنسا من "الميكانزم"، ومشكلة انضمامها الى "مجلس السلام" في غزة، ليبدو العالم كما لو أنه أمام مسرحيات اللامعقول، حين يفرض ترامب عقوبات على فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وخمس دول أوروبية أخرى، بسبب موقفها من الاستيلاء على غرينلاند، وبعدما تناهت معلومات الى باريس حول الحلقة التالية من السيناريو الأميركي، كندا الولاية الحادية والخمسين، لتغدو الولايات المتحدة الدولة الأولى مساحة في الكرة الأرضية. ما هو وضع كيبك الفرنسية في هذه الحال ؟
أربع سنوات مع هذا النوع الغرائبي من الجنون، لا بد أن تفضي الى تغيير المسار الاستراتيجي للعالم. أين روسيا والصين أمام تلك التحولات الأسطورية ؟ الدولتان بانتظار أن يسقط الحصان الأميركي في مكان ما، ولا بد من أن يسقط .
الآن رياح رمادية تهب على الشرق الأوسط. متى الرياح السوداء ؟ الحقبة المقبلة تكشف ما في رأس دونالد ترامب (وكذلك ما في رأس الشيطان). في هذا الرأس أشياء كثيرة وخطيرة. لا يكفي أن ننزل الى الملاجئ، الا اذا رفع التاريخ البطاقة الحمراء في وجه الرئيس الأميركي !!
نبيه البرجي- الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|