رقم لا يصدق.. كم الفارق بين راتب كريستيانو رونالدو وأفضل لاعبة في العالم؟
القضاة يلاقون اعتكاف المساعدين بعريضةٍ مطلبية وتحذير!
لا يمكن لقرارٍ قضائيّ يتيم، أو لأي إجراء في النيابة العامة التمييزية أو المالية، أن يجمّل واقع مرفق العدالة، بما يعانيه من قصور هش وفقدان لأبسط مقومات قيام دولة القانون وانتظام عمل مؤسساتها. ويزداد المشهد قتامة مع تفشي الممارسات البوليسية الوقحة داخل قصور العدل، وتحوّل الإجراءات الأمنية إلى أدوات ترهيب وتطاول مرفوض على المواطنين والإعلاميين.
وقد رأى مرجع قضائيّ رفيع في هذا الواقع مؤشرًا ملموسًا على تقدّم "الدولة البوليسية" على حساب دولة القانون، في ظل تركيز السلطة السياسية على دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية، مقابل تجاهل المطالب المحقة للسلطة القضائية.
وتنسجم هذه المقاربة الملتبسة مع ما يجري اليوم داخل قصور العدل، بالتزامن مع إضراب المساعدين القضائيين للأسبوع الثاني، كاشفةً خللًا بنيويًّا عميقًا في مقاربة الدولة لمفهوم الحكم نفسه: دولة تعزز قوتها الأمنية، فيما تترك السلطة القضائية تتآكل بصمت، وكأن قيامها الفعلي بات عبئًا سياسيًا لا أولوية وطنية.
في بلد لطالما قدّم نفسه "أم الشرائع" ومساحة للقانون والحريات في محيط مضطرب، تبدو المفارقة قاسية. فبينما تسقط أنظمة بوليسية في المنطقة أو يُعاد تشكيلها، ينزلق لبنان تدريجيًا نحو نموذج معاكس: مؤسسات أمنية مدعومة، وهو مطلب محق، وقضاء محروم من أبسط مقومات الصمود. مكاتب قضاة ينخرها العفن، وتغرق بمياه الأمطار وملفاتها عند كل عاصفة، فيما تنهش الفئران ملفات المتقاضين، كما يحصل راهنًا في أبرز أقلام النيابة العامة في بيروت.
إضراب المساعدين القضائيين: المواطن يدفع الثمن
مع توقف 1160 مساعدًا قضائيًا عن العمل، تعطّلت المحاكم في لبنان. جلسات أُرجئت، تحقيقات جُمّدت، تبليغات توقفت، ومعاملات المواطنين عُلّقت، بما فيها ملفات موقوفين يُفترض أن العدالة وُجدت لحماية حقوقهم لا لتحويلهم إلى رهائن شلل إداري.
لم يكن هذا الإضراب خيارًا سهلًا ولا قرارًا متسرعًا، بل نتيجة مسار طويل من الإهمال والتجاهل. فمنذ إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، ثم انهيار العملة الوطنية في 2019، خسر المساعدون القضائيون ما يقارب 63 ضعفًا من القيمة الفعلية لرواتبهم. ورغم ذلك، واصلوا العمل أسوة بغيرهم، واستمروا في تسيير المرفق القضائي في أقسى الظروف، وفق ما يؤكد المعنيون.
اليوم، يتقاضى المساعد القضائي في الخدمة الفعلية ما بين 450 و600 دولار شهريًا للفئات الدنيا، وما بين 750 و800 دولار للفئة الثانية. وهذه المبالغ لا تمثل راتبًا فعليًا، بل مزيجًا من أساس راتب ما قبل الأزمة، ومنحٍ موقتة لا تدخل في صلب الراتب (مثابرة، منحة إضافية، 13 ضعف الراتب، ومحروقات). وقد رسّخ هذا الواقع قناعةً لدى موظفي القطاع العام بوجود توجّه سياسي لتنفيذ شروط صندوق النقد الدولي، عبر إفراغ الإدارة من موظفيها واستبدالهم بنظام التقاعد، ما يعني حرمانهم من معاش تقاعدي لائق لا يتجاوز راهنًا 200 دولار.
سلطة تعترف... وتتجاهل
قبل الإضراب، يكشف المعنيون عن سلسلة لقاءات حملوا خلالها مطالبهم إلى رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة، ووزير المالية، ووزير العدل. كانت المطالب واضحة، كما كانت الإجابات التي دفعتهم إلى التصعيد.
فالأولوية، وفق مقاربة السلطة التنفيذية، لتسديد ديون الدولة و "اليوروبوندز"، وحلّ معضلة أموال المودعين، والحصول على موافقات صندوق النقد الدولي، قبل اتخاذ أي قرار ينصف الموظفين. بل ذهب وزير العدل إلى إحالة البحث الجدي في المطالب إلى عام 2027.
ورغم تعطّل المحاكم منذ مطلع الأسبوع المنصرم، يؤكد المساعدون القضائيون غياب أي مبادرة لاحتواء الأزمة أو تقديم حلول مرحلية، وكأن تعطيل مصالح المتقاضين، ولا سيما المواطنين "البسطاء" والمساجين، أمرٌ ثانوي لا يستحق الجدية المطلوبة.
القضاة يصعّدون: عريضة 280 قاضيًا
بالتوازي مع إضراب المساعدين القضائيين، خرج 280 قاضيًا عن صمتهم ورفعوا عريضة جماعية إلى مجلس القضاء الأعلى، ومكتب مجلس شورى الدولة، وديوان المحاسبة لتعبر من خلال هذه المؤسسات إلى السلطة السياسية. خطوة نادرة حملت إنذارًا واضحًا بأن القضاء نفسه "موجوع"، وأن "المطالب المطروحة تهدف إلى تلافي انهيارٍ قادم لا محالة"، معتبرين أن الدعوة إلى جمعية عمومية للقضاة باتت حاجة ملحّة للتوافق على الخطوات اللاحقة.
ووضع القضاة الأزمة في إطارها الدستوري، مذكّرين بأن تعزيز السلطة القضائية مسؤولية السلطتين التنفيذية والتشريعية، كما ورد صراحة في خطاب القسم. غير أن الواقع يكشف عكس ذلك تمامًا، إذ لا تتجاوز موازنة وزارة العدل 0.42 في المئة من الموازنة العامة، في رقم يُعد فضيحة سياسية بكل المقاييس.
وتزداد فداحة هذا الرقم، إذا ما أُخذ في الاعتبار أن وزارة العدل تُشكّل أحد أكبر موارد الخزينة، بل ثالث أكبر مورد للدولة. ومع ذلك، تُترك قصور العدل بلا كهرباء مستقرة، وبلا تدفئة، وبلا قرطاسية، وبلا مكننة. قضاة يعملون في ظروف غير إنسانية، فيما يُطلب منهم حماية الحقوق والحريات، في وقتٍ لا يتجاوز فيه متوسط تعويض القاضي نحو أربعة آلاف دولار بعد أربعين سنة من الخدمة العامة، وغالبًا في ظل ظروف عمل قاسية. ما دفع 6 قضاة إلى تقديم استقالاتهم خلال عام 2025.
مطالب القضاة: الحد الأدنى للصمود
بعد تجاهلٍ شبه كامل لمطالبهم، ورغم توقعهم مبادرة رسمية عقب إنجاز التشكيلات القضائية، شدّد القضاة على أن الخطر الأكبر لا يكمن في اعتكافهم، بل في عدم تأمين مقومات صمود المرفق القضائي. وقد فصّلوا مطالبهم في تسعة بنود، أبرزها:
- تأمين مقومات العمل الأساسية في قصور العدل (مياه، كهرباء، تدفئة، قرطاسية).
- رواتب تحفظ كرامة القاضي واستقلاله.
- تغطية صحية وتعليمية كاملة.
- دعم صندوق التعاضد لتعويض المتقاعدين الذين تآكلت حقوقهم بفعل الانهيار النقدي.
- تعويضات نقل واغتراب للقضاة المنتدبين، وتأمين حماية ومرافقة عند الضرورة.
دولة أمنية على حساب دولة القانون؟
في مقابل هذا الإهمال المتواصل لمطالب السلطة القضائية، وإقرار قانون "استقلالية القضاء" على قياس الطغمة الحاكمة ومن دون الأخذ بملاحظات القضاة، لا يتردّد المسؤولون في تخصيص موازنات وتسهيلات للأجهزة الأمنية والعسكرية، وصولًا إلى دعم ضباط في رتب أولية، والتحضير لمؤتمرات دعم دولية للمؤسسة العسكرية، فيما يُحرم القضاة والمساعدون القضائيون من حقوق أساسية وفق توصيف روّاد العدالة.
الانطباع السائد داخل أروقة العدلية هو وجود توجّه سياسي ممنهج لإبقاء القضاء ضعيفًا، عاجزًا عن فرض هيبته، مقابل تعزيز سلطة الأجهزة الأمنية. أي انتقال صامت من دولة القانون إلى دولة بوليسيّة تُدار بالأمن: تُضبط فيها الحوادث الأمنية ويحصر سلاح الميليشيات، لكن تُفرَّغ العدالة من مضمونها.
المواطن: الضحية الدائمة
وسط تشابك الأولويات وتخبّط المقاربة السياسية، يبقى المواطن الخاسر الأكبر: متقاضٍ ينتظر حكمًا، موقوف ينتظر جلسة، مستثمر يحتاج إلى قضاء فاعل، ومجتمع لا يمكن أن ينهض من دون عدالة مستقلة.
وما تشهده العدلية اليوم لن يبقى تحركًا يتيمًا للمساعدين القضائيين، مع اتساع رقعة التنسيق بين روابط القطاع العام، واحتمال انضمام شرائح إضافية من الموظفين والمتقاعدين، عشية مناقشة الموازنة في مجلس النواب. وهو ما يؤكد أن الأزمة لا تتعلق بمرفقٍ بعينه، بل ستضع الحكومة أمام حسمٍ لا مفرّ منه: إما الاستثمار في العدالة كشرطٍ للنهوض، أو الاستمرار في سياسة التجاهل، بما يفتح الباب أمام تفريغ القضاء من مضمونه، وتحويله إلى واجهة شكلية في دولة بوليسية صاعدة على حساب القانون خلافًا لتشديد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون قبل أيام وتأكيده أن "إذا لم يكن هناك قضاء، فلا وجود لأمن، ولا اقتصاد، ولا استثمارات.
طوني كرم - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|