فيليب سالم: لبنان يحتاج إلى الحياد الفاعل ليبقى مؤثراً في العالم وصانعاً للسلام
من الكونغرس إلى البيت الأبيض.. هل تتغيَّر حسابات الإدارة؟
ريب أن الانتخابات الأميركية تمثّل محطة مفصلية في تحديد اتجاهات السياسة الخارجية، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط حيث تتداخل المصالح الأمنية والاستراتيجية مع الحسابات الانتخابية. بالنسبة إلى لبنان، الذي تتشابك أزماته الداخلية مع المواجهة الإقليمية، ينعكس أي تبدّل في موازين القوى داخل واشنطن حكماً على طبيعة الضغوط السياسية والديبلوماسية والاقتصادية، وعلى هامش الحركة المتاح أمام الدولة.
تكتسب انتخابات الثالث من تشرين الثاني أهمية خاصة في ضوء انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الديموقراطيين، ما يضع إدارة دونالد ترامب أمام واقع سياسي جديد، عنوانه الانقسام بين البيت الأبيض والكونغرس. لا يعني هذا التحول انتقال السلطة التنفيذية إلى المعارضة، لكنه يحدّ من قدرة الإدارة على تمرير خياراتها من دون مواجهة رقابة تشريعية وسياسية أشد، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالإنفاق العسكري والمساعدات الخارجية والسياسة الإقليمية.
تبرز أهمية هذا التحول في ضوء الدور الأميركي المباشر في إدارة المسار التفاوضي بين بيروت وتل أبيب. لا تكتفي واشنطن بدور الوسيط، بل تسعى إلى رسم إطار أمني وسياسي جديد، يرتبط بمستقبل الجنوب، والانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز انتشار الجيش، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. هي ملفات تتجاوز الحسابات الداخلية لتلامس صلب الاستراتيجية الأميركية في المنطقة. لذا، من المتوقع أن يؤثّر تبدّل الأكثرية في الكونغرس في إيقاع هذا المسار، لا بالضرورة في أهدافه. فالديموقراطيون يمتلكون أدوات تشريعية ورقابية تسمح لهم بمساءلة الإدارة بشأن سياستها تجاه إسرائيل، ومراجعة بعض أوجه المساعدات العسكرية والاعتمادات المالية. لكن ذلك لا يعني انقلاباً في الموقف الأميركي من إسرائيل، أو تبنِّي مقاربة مختلفة جذرياً تجاه لبنان. يبقى التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب ثابتاً، وإن اختلفت المقاربات بشأن وسائل إدارته وحدود الدعم المقدم.
في المقابل، يحتفظ الرئيس الأميركي بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية والأمن القومي، ما يعني أن سيطرة الديموقراطيين على الكونغرس لن تسحب منه أدوات التأثير المباشر في الملفات الإقليمية. لكنها قد تفرض عليه حسابات إضافية، وتزيد كلفة بعض الخيارات، خصوصاً إذا تحولت المواجهة مع إيران إلى محور أساسي في الاشتباك السياسي الداخلي الأميركي.
أحد أكثر الملفات تأثراً بهذه المعادلة هو دعم الجيش اللبناني. تشكّل المساعدات الأميركية ركيزة أساسية في تعزيز قدراته العملياتية واللوجستية، وتمكينه من تنفيذ المهام الأمنية، ولا سيما في الجنوب. وأي تعديل في حجم هذه المساعدات أو شروطها ينعكس مباشرة على قدرة المؤسسة العسكرية على مواكبة الالتزامات الملقاة على عاتقها، في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الدولية لتوسيع حضور الدولة وتثبيت مرجعيتها الأمنية.
يبرز ملف العقوبات أيضاً ضمن دائرة التأثير المحتمل. يمتلك الكونغرس القدرة على الدفع نحو تشريعات جديدة أو تشديد الرقابة على شبكات التمويل والتحويلات، بما قد ينعكس على البيئة المالية اللبنانية. في ظل استمرار الخلاف حول سلاح حزب الله ونفوذه، لا يبدو أن تبدّل الأكثرية التشريعية سيؤدي تلقائياً إلى تخفيف الضغوط الأميركية، وإن كان قد يفتح نقاشاً حول أدوات تنفيذ السياسة الأميركية وتداعياتها.
لا يقل ملف إعادة الإعمار أهمية. يحتاج لبنان إلى دعم دولي واسع لإعادة بناء المناطق المتضررة وتحريك عجلة التعافي الاقتصادي، فيما ترتبط المساعدات الخارجية بشروط تتصل بالإصلاحات المالية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وضمان عدم توظيف التمويل خارج الأطر الرسمية. وأي خلاف بين البيت الأبيض والكونغرس يؤثر في سرعة إقرار هذه المساعدات، أو في طبيعة الشروط المرافقة لها.
لا تقتصر التداعيات على العلاقة اللبنانية - الأميركية، بل تمتد إلى الداخل. القوى السياسية التي اعتادت قراءة موازين القوى المحلية من خلال اتجاهات واشنطن قد تجد نفسها أمام مشهد أكثر تعقيداً، في ظل وجود إدارة جمهورية وكونغرس ديموقراطي. يفتح هذا التباين الباب أمام رهانات متناقضة على الموقف الأميركي، ومحاولات لاستثمار الانقسام داخل المؤسسات الأميركية في إعادة ترتيب التوازنات المحلية.
يبقى التعويل على أن فوز الديمقراطيين سيؤدي حكماً إلى تغيير السياسة الأميركية، رهاناً غير مضمون. فملفات أمن إسرائيل، واحتواء النفوذ الإيراني، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، تتجاوز الانتماء الحزبي للإدارة أو الأكثرية النيابية، وترتبط بتقاطعات استراتيجية راسخة داخل المؤسسات الأميركية.
أنطوان الأسمر ـ اللواء
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|